صفحة الدكتور فتحي الفاضلي

 

 

البديل السياسي في

ليببيا و دولة ما بعد

الثورة

 

ثورة الكلمة

 

جذور الصراع في

ليبيا

 

المعارضة الليبية

 

التبعية


حرب الكلمة.. الخطاب والخطاب المضاد

 

2- الطريق الى طرابلس لا تمر بالبقيع

 

لا يمكن ان يخلو زمن النضال من اختلاف في وجهات النظر بين المناضلين، فمسيرة النضال مسيرة طويلة شاقة.. يتراجع البعض فيها.. ويسقط غيرهم.. ويخون اخرون.. ويواصل من يواصل، ومن العار اذا  صادف المناضل ما يحزنه او يؤذيه من رفاق الطريق، عن قصد او خطأ..  من العار.. ان "يسلخ" رفاقه واخوانه واصدقاءه احياءً، فيتحول.. دون ان يدري.. الى بوق رخيص يستخدمه الخصم السياسي متى وكيفما اراد.

 

ولا اتحدث هنا عن الذين اصبحوا من "كهنة" النظام بعد ان كانوا من "ائمة" المعارضة، ولا عن الذين كانوا ينظرون الى النظام كـ"شيطان" خُلق من مارج من نار، ثم اتخذوه "الهة" تُعبد من دون الله، ولا اتحدث ايضاً، عن الذين اقنعوا العالم بان "القائد" ينتمي الى  طائفة "المجانين"، وتراهم اليوم لا يكفون عن النباح ليقنعوا العالم انه من طائفة "الحكماء"، كما لا اتحدث عن الذين كانوا يُكفرون من انكر حرف.. معروف بالضرورة.. من حروف ماركس.. وتراهم اليوم يُكفرون من لا يطوف بالبيت الابيض.. ولتذهب الطبقة الكادحة بعد ذلك الى الجحيم.. لا اتحدث عن كل هؤلاء.. لان هذه التقلبات يمكن تبريرها (لا قبولها) في اجواء من الاستقرار.. وفي اجواء من الامن والامان والسلام.. وعلى مستويات فردية نادرة.. اما في زمن النضال، فلا مكان لهذه التقلبات على الاطلاق، لانها ُتلقي بظلال من الشك على امورعديدة لا وقت لتحليلها وتفسيرها وتأويلها.

 

مرة اخرى، لا اتحدث عن هؤلاء، فلا وزن لهم في هذا الصراع، لانهم حكموا على انفسهم بالانتحار السياسي، حتى لو ادعوا انهم صادقون في انضمامهم الاول والاخير، فزمن النضال لا يسمح بالتردد.. ولا  يسمح بانصاف الحلول.. لكنني عندما تحدثت عن المناضل الذي قد يصادف ما يحزنه او  يؤذيه من رفاق الطريق.. فانني اقصد اولئك الذين  يعارضون النظام.. ويتشبتون بمعسكرالرفض، لكنهم يطعنون.. في نفس الوقت.. وتحت باب النقد الذاتي.. في كل شيء، جماعات ومنظمات وحركات.. افراداً ونوايا وكفاءات.. خطوات ومستقبل ومحاولات.. فهؤلاء هم الذين نقول لهم.. ودياً.. ان يكفوا عن سلخ اخوانهم احياء.

 

  

النقد في زمن النضال سلاح..

 

نقول هذا مع الايمان بان مسيرة النضال يجب ان لا تخلو من ممارسة النقد الذاتي،لان النقد البناء الموضوعي.. والتحذير.. والتصحيح.. والتقييم.. والتوجيه.. هي عوامل حيوية لاصلاح المسيرة.. وعوامل حيوية لمواصلة النضال.. مع مراعاة انه لكل مقام مقال.. ولكل زمن خطاب.. ولكل عصر تفاصيل. . ولن ترى.. المعارضة.. ثمار النقد الذاتي الا اذا اُخذ  الظرف النضالي في الاعتبار. ولا ينطبق هذا على من يتعدى على معتقدات.. وايمان.. ومقدسات.. وشعائر المسلمين، فلا موضوعية ولا مجاملة ولا مقام ولا مراعاة ولا ظرف.. اذا مست هذه المقدسات التي سكب الليبيون دماءهم من اجلها، فمن يريد ان يصطف في هذا الامر (امر الاسلام)  مع النظام، ولا يهنأ له بال الا وقد طعن..  وشتم.. وسب.. ما شاء له من مقدسات المسلمين.. فلا ظرف.. كما ذكرنا.. ولا مرحلة.. ولا مقام.. ولا تروي معه.

 

قلنا ان المعارضة لن ترى.. ثمار النقد الذاتي الا اذا اُخذ الظرف النضالي في الاعتبار عند ممارسة النقد، ولا نظن ان المواطن المحب لليبيا والمخلص لوطنه وقضيته، اذا اراد بصدق، ان يقدم للشعب الليبي ارشاداته.. ونصائحه.. وتخوفاته.. وتحذيراته.. لا اظن.. ان هذا المواطن سيعجز عن ايجاد الوسيلة الناجحة لايصال ما يريد الى الجماهير الليبية اوالى التنظيمات او القادة والنشطاء والمسؤلين والمستقلين والقراء دون ان يوذيء مسيرة النضال. 

 

كما يجب ان نتجنب عند ممارسة النقد الذاتي.. مفردات الخصم السياسي.. الا ضد الخصم السياسي.. خاصة في زمن النضال.. فاستعانة المناضل بمفردات النظام الليبي كالـ "الخونة" و"الكلاب" و"الخفافيش" و"طلاب السلطة" و"الرجعيين" و"الزنادقة" و"العملاء"، وما تحمله هذه المصطلحات من مفاهيم.. ومدلولات.. ونوايا.. واستعمالها ضد رفاق الطريق.. الذين يرابطون في نفس الخندق.. تعتبر هزيمة اعلامية  للمقاومة ونصر اعلامي وسياسي يناله الخصم على طبق من فضة بل يعتبر هدية بدون مناسبة وبلا مبرر، والاصل ان تُرد هدايا النظام اليه لا ان تقذف بها المعارضة بعضها البعض.

 

ثم يجب ان يصاحب هذا النقد، روحاً ايجابية، والا فان النقد سينقلب ضد الجميع، الا من يجب ان يوجه اليه. لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي افضل الظروف، لا يبث الا الايجابيات، وكان في جل اوقاته مبشراً مشجعاً يغرس في نفوس اصحابه الثقة والامل، وكان صلى الله عليه وسلم.. يركز على معايير ومقاييس خاصة، ثم يدفع الجميع الى التنافس عليها فينهض المجتمع باكمله.. وكان يفعل ذلك في اوقات الامن والسلم والامان.. اما في اوقات المحن والشدائد والحروب.. فكان يضاعف من هذه الروح الايجابية اضعافاً مضاعفة. بل ان اعظم وعوده بالنصر جاءت في اصعب الاوقات، فكان يرفع الهمم ويبشر بالنصر، بينما المسلمون قاب قوسين او ادنى من الموت، وكان صلى الله عليه وسلم يتعامل بحنكة وذكاء مع المنافقين والخونة والمندسين بين صفوف المسلمين.    

 

فممارسة النقد ضد تنظيمات المعارضة، كالجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، على سبيل المثال، دون الاشارة الى عطائها وعطاء قادتها ومؤسسيها، يعتبر اجحافاً في حق هذا الفصيل وفي حق قادته ومؤسسيه، خاصة في فترة الثمانينات التي سيطرت فيها الجبهة الوطنية على الساحة السياسية الليبية اعلامياً وعسكرياً وسياسياً، ولاكثر من عشر سنوات تقريباً، كما يعتبر من المجحفين ايضاً من يمارس النقد  والقدح والطعن ضد حركة الشهداء والاخوان المسلمين والجماعة المقاتلة وحركة التجمع الاسلامي والتبليغ والتحرير والمستقلين وضد التيارات الاسلامية وغير الاسلامية الاخرى.. دون الاشارة الى ايجابياتهم.. خاصة اذا كان هذا النقد والقدح والطعن يتم  بصوت اكثر" شراسة" من الصوت الذي يوجه الى النظام.

 

 فكيف ينسى اصحاب هذه الاصوات الشرسة.. شهداء هذه الجماعات والاحزاب.. وكيف ينسى  اصحاب هذه الاصوات.. ابناء وطنهم من الليبيين المكدسين في حفر النظام من المستقلين ومن المنتمين الى مثل هذه الاحزاب والجماعات.. كيف ينساهم.. وهم يقبعون في تلك السراديب بعيداً عن ابنائهم وبناتهم وذويهم بين جدران بالية رطبة تأكل عظامهم وتفني ما تبقي من اجسادهم. اليس من الواضح ان هذه الفئة، وغيرها من الليبيين، لم تُعتقل وتسجن وتعذب الا لقيامها بنشاط ما، من الواضح جداً.. انه لم يرق الى النظام.. فالتعاطف معهم في هذه المرحلة بالذات، حتى من باب النكاية بالخصم السياسي، حد ادنى من حدود التعاضد والتكافل والتعاون.

 

وارجو ان لا يفهم ما ذكرته.. كما فُهم مرة سابقة.. انني ادافع بهذه الكلمات عن اتجاه او فصيل او جماعة او حزب بعينه.. وان كان ذلك من حقي.. دون ان استاذن احداً.. ودون ان اعتذر لاحد.. لكنني لا ادافع هنا عن تنظيم بعينه.. فلكل تنظيم موقع يتحدث عنه.. ولكل فصيل ممثل.. وناطق.. ومسؤول هم اولى بالدفاع عن تنظيماتهم واطروحاتهم وتصوراتهم.. لكنني اتحدث عن ظاهرة مؤذية ومعرقلة لمسيرة النضال.. انني اتحدث وباختصارعن آلام وطن.. وعن سبل تخفيف هذه الالام.. واظن ان النقد الذي لا يراعي المرحلة.. لا يزيد الوطن الا الاماً.

 

لذلك يجب ان تحترس الاقلام الحرة عندما تمارس النقد، ولكن.. مرة اخرى.. دون التنازل او التخلي عن حق النقد والتصحيح والتوجيه، على ان يصاحب هذا النقد، كما ذكرنا، روح ايجابية، كي لا يتحول النقد الى طعن.. وكي لا تتحول كلماتنا الى سلاح موجه الى النضال نفسه، في الوقت الذي يجب ان تكون فيه كلماتنا سلاح يدعم النضال ويساعده.     

 

الكلمات الرصاص..

 

اقلام اخرى رائعة.. مشهود لاصحابها بالصدق والوطنية والابداع.. تطرح مساهماتها باسلوب لا يستوعبه الا القليل، مما قد يقلص حجم ودرجة الاستفادة من هذه الاقلام.

 

لذلك، يجب مخاطبة الجماهير، بمختلف فئاتها واهتماماتها ومستوياتها الثقافية، باسلوب سهل..  مباشر.. سلس.. حتى لا تتحول اصوات المقاومة الى ندوات فكرية قد لا تجد من يهتم بها، واذا وجدت من يهتم بها فالقلة القليلة.   

 

ويجب.. ايضاً.. ان يتروى اصحاب هذه الاقلام في اختيار القضايا التي  يتناولونها، فقد حدث، في مناسبات عديدة، ان خاضت هذه الاقلام المبدعة في امور كان يجب ان تخوض في غيرها، فالكلمة التي لا تخدم رسالة النضال.. مهما كانت روعتها.. هي كالرصاصة التى تُرمى.. قصداً.. خارج نطاق الهدف.   

 

ولو تروى اصحاب هذه الاقلام، واختاروا المواضيع التي يودون طرحها بدقة تناسب "الحدث" و"الواقعة" و"المرحلة"، ثم طرحوا هذه المواضيع بصوت يخاطب الجماهير كافة، لعمت فائدة هذه الاقلام وزادد تاثيرها.

 

ولا يعني هذا على الاطلاق، تجاهل اية جزئية تخص ليبيا، مهما صغرت في اعين البعض، لكن الخطاب النضالي يجب ان يطغى عليه صوت "الرفض" و"المقاومة" و"التحريض"، وصوت "الدفع" و"التدافع" و"التشجيع"، وان يطرح ايضاً بنبرة تعكس الموقف، حتى لا تتحول هذه المساهمات، وبالتالي هذه المواقع، الى مجرد مصادر للاخبار لا تختلف عن الصحف والمواقع العادية، فللاعلام في زمن النضال رسالة تختلف.. كما ندرك جميعاً.. عن رسالة الاعلام في اي ظرف اخر.

 

سادية سياسية..

 

وتدعو بعض الاصوات والاقلام المعارضة الى"الديمقراطية" و"التعددية السياسية" وتستهجن "اقصاء الاخر"، وتطالب نفس هذه الاصوات.. وفي نفس الوقت.. باقصاء الاف مؤلفة من البشرعن ممارسة العمل السياسي، معللين ذلك بسيل من الحجج لا اول له ولا اخر، يتربع على قمة هذه الحجج "المقولة الخالدة" التي تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك انه "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، غير مدركين ان هذه المقولة هي صيغة اخرى من صيغ "الحلول الجذرية" و"الحلول النهائية"، وصيغة اخرى من صيغ "الخلاص النهائي"، تلك الصيغ وتلك المقولات التي لا ياتيها الباطل من بين ايديها ولا من خلفها، والتي اذا حُرفت او عُدلت او اُلغيت "لا سمح الله" فستبدل الارض غير الارض، ولا يدركون ايضاً انهم بهذه المقولة، يهمشون تياراً كاملاً يعتبره النظام عدوه الاول.

 

ولم يتوقف الامر عند هذا الحد..

 

بل هناك من يضع رجلا على اخرى، ويطالب.. بينما رجله العليا تتدلى في حركة متواصلة فوق رجله السفلى.. يطالب.. باقصاء الانبياء عن العمل السياسي، فيدعو الى "سياسة لا انبياء فيها"، بما فيهم بالطبع القائد الاول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، متناسيين ان من يطالب باقصاء الانبياء عن العمل السياسي، وهو في مرحلة  نضال، لن يتوانى، اذا اجتاز هذه المرحلة وتمكن من صناعة القرار، عن اقصاء الحجر والشجر والبشر، الاحياء منهم والاموات.

 

ولا اتحدث هنا عن الفئة التى تهاجم البديل الاسلامي لتغازل الامم الاخرى فتحوز على ما تيسر من الفضلات، لا اتحدث عن اصحاب هذه الممارسات الساذجة التي ابدعت فيها انظمتنا العربية التي ما زالت تتلقى الصفعة تلو الاخرى.. بالرغم مما قدمته من قدح وذم وشتم لكل ما له صلة بالاسلام والمسلمين.. وبالرغم مما مارسته من مطاردة وتعذيب وقتل وتشريد لعباد الله، ليتقربوا بذلك الى الشرق والغرب زلفى..لا اتحدث عن هؤلاء.. بل عن اولئك الذين يرفضون البديل الاسلامي وهم يعتقدون انه لا يصلح كـ"بديل سياسي" استناداً على مفاهيم ما، اواستناداً على خطاب قديم مقلد او مستورد من قيم وتاريخ وحضارات امم اخرى، حاول البعض اسقاطه قسراً على ليبيا واهل ليبيا، خطاب غريب يحمل دعوات اغرب، كالدعوة الى اقصاء الانبياء عن العمل السياسي، واقصاء الاسلام عن ادارة شئؤن الدولة، واقصاء الاسلاميين والملتزمين بصفة عامة عن ممارسة حقهم، بل واجبهم الالهي، لمجرد ان ديانات اخري فشلت في تأسيس دولة وفي ادارة شئونها.

 

ولا يعني ما سبق الدعوة الى قبول الاطروحات والبدائل دون رفض او نقد او تعديل، بما في ذلك البديل الاسلامي، لا نعني ذلك.. لكن لابد ان يكون سبب الرفض نابعاً من نواقص في البديل نفسه. فالذين يرفضون البديل القومي، على سبيل المثال، بحجة انه "لا قومية في السياسة ولا سياسة في القومية"، والذين يرفضون البديل الاشتراكي والوطني، وغير ذلك من البدائل تحت مقصلة المقولات الاقصائية الخالدة، دون سرد الحجج والبراهين الدالة على نواقص هذه البدائل، ودون سرد الاسباب التي ادت الى هذه القناعات.. ثم.. والأهم من كل ذلك.. دون توفر الاستعداد النفسي والعقلي للتراجع اذا ظهرمن الحقائق ما يحتم هذا التراجع.. ان الذين يفعلون ذلك.. انما يمارسون سادية سياسية اقصائية.. باسم الحرية والديمقراطية والتعددية، بل ان هذه التعددية، التي تهمش الاخرين، هي تعددية تحمل نعيها في عنوانها، بل انها تعددية ولدت اصلاً ميتة. 

 

ولا اود ان يُفهم ما سبق على انه نوع من الاستجداء من اجل قبول الاسلاميين ضمن تعددية سياسية، فالاسلام لا يستجدي موقع قدم بل ينتزعه انتزاعاً.. سلماً او حرباً.. وانعكست هذه الخاصية، اي خاصية "اللا استجداء" على الملتزمين..المنظم منهم الى جماعات وحركات واحزاب.. وغيرالمنظم.. فهم معنوياً.. ليسو في حاجة الى تصريح يسمح لهم بمزاولة التكليف الالاهي الذي بدأ مع ايات الكتاب الاولى.

 

 ليس ما سبق اذا، استجداء، بل همسة ود، لمن يحاولون اقصاء الناس عن ممارسة حقوقهم. همسة ود.. ودعوة لتفادي التناقض في خطابهم السياسي، من اجل ان يجد الليبيون نقطة التقاء تكون نواة لحوار تؤسس قاعدته على احترام عقول الاخرين واحترام خياراتهم، و قد يكون في ذلك فرصة لبناء ارضية صلبة لما بعد الحوار.. من اجل ليبيا وخير ليبيا. 

 

ان الذين يدعون الى الديمقراطية والى التعددية ويستهجنون اقصاء الاخرين، ثم لا يتوانوان في نفس الوقت، عن اقصاء غيرهم من العمل السياسي، بما في ذلك الانبياء الكرام، انما يضيفون الى الساحة الليبية غموضا لا يستفيد منه الا الخصم السياسي.

 

خطوط حمراء.. حمرة الدم..

 

ونقرأ لاقلام معارضة مقالات تبدأ في العادة بهجوم شديد اللهجة على النظام الليبي، ثم  تعرج هذه  الاقلام وفي نفس المقال.. وقبل ان تنتهي الصفحة.. تعرج.. الى الهجوم على الدولة "الثيوقراطية" او الدولة "الدينية" بصفة عامة، يعقبها هجوم شرس على الدولة "الاسلامية" بصفة خاصة، ثم ينتهي الامر بالهجوم على"البديل الاسلامي" ثم على"الاسلاميين" وعلى "الملتزمين".  ولا تنسى هذه الاقلام ان تختم مساهماتها بكلمات تصبها بغضب على النظام. ولو اطلع غير الليبيين على مثل هذه المساهمات والمقالات، لظنوا ان النظام الليبي ما جاء الا على ظهور الدبابات الاسلامية، وان اسقاطه لن يتم الا عبر القضاء على الاسلام والاسلاميين اينما كانوا، بل لن تتوانى صحف النظام على نشر بعض هذه المساهمات، لان خطابها.. ومفرداتها.. ومضامينها.. وفكرتها.. ومصطلحاتها كـ "الفكر الغنوصي" و"الدولة الثيوقراطية" و"العنصرية الدينية" وما تحمله هذه المصطلحات من دعوة لازاحة الاسلام عن ادارة شئؤن الدولة، لا تختلف عن تلك التي يستعملها ويدعو اليها النظام. 

 

ولا اتحدث هنا عن مقال يتيم.. اومساهمة يتيمة.. اوتجربة يتيمة.. ولا اتحدث عن مثل واحد.. وكاتب واحد.. بل اتحدث عن عدة افراد.. وعدة مساهمات.. نشرت في ازمنة وامكنة مختلفة.. بعضها على المواقع الليبية.. ونشر غيرها في مطبوعات وصحف ومجلات غير ليبية.

 

كما لا اتحدث عن اؤلئك الذين يظنون ان الطريق الى طرابلس تمر بالبقيع.. ويعتقدون ايضاً.. ان ابا بكر الصديق.. وعمر بن الخطاب.. وعثمان ابن عفان.. وعلى بن ابي طالب رضي الله عنهم اجمعين.. هم الذين دبروا انقلاب سبتمبر، وان اسقاط النظام في ليبيا لن يتحقق الا بالقضاء عليهم وعلى الصحابة الكرام.. رضوان الله عليهم اجمعين.. ولن يتحقق ايضاً الا اذا نزعت المسلمات الحجاب.. لا اتحدث عن هؤلاء.. الذين يكادون.. من شدة كرهم لكل ما له صلة بالاسلام والمسلمين.. ان يُنظموا المظاهرات ضد الصحابة الكرام وضد الحجاب وضد المآذن والمساجد، بل وقد يتظاهرون غداً، ضد الصلاة والصوم والحج والزكاة.. بدلاً من التظاهر ضد النظام الذي يدعون انه اذاقهم الويل والثبور.. خطاب متناقض غامض غريب.

يحدث هذا في الوقت الذي ينظر فيه النظام الى الاسلاميين كعدو لدود.. اوصلته عداوته هذه الى وصفهم بما لا اذن سمعت.. ولا عين قرأت.. فهم.. كمن اصيب بالايدز.. والسرطان.. وهم زنادقة..   متخلفون.. وهم عملاء وخونة وكلاب وغير ذلك من الصفات والالقاب والاوسمة العقائدية التي يوزعها النظام يومياً، وبكرم تواضع امامه الطائي وآل الطائي.

 

وترجم النظام عداوته للاسلام والاسلاميين بما تعجزعن وصفه الاقلام، من شنق وسجون ومطاردة وارهاب منظم تحت حماية الدولة.. بل وحماية المجتمع الدولي.. وخاصة المجتمع الديمقراطي.. فقوائم الشهداء تشهد.. وسجن ابو سليم يشهد.. والمساجد تشهد.. والسجون تشهد على حجم العدواة، بل حجم المفاصلة بين النظام والاسلاميين في ليبيا الى  يومنا هذا.

 

من اجل ذلك، تستولى الحيرة على القاريء كلما اصطدم بمثل هذه المساهمات، وذلك لتداخل "الحروف" و"المضامين"، فيتساءل المواطن الليبي بعفوية صادقة عن هدف هذه المساهمات وعلاقتها بمعارضة النظام. وهل هذه المساهمات هي حقاً هجوم على النظام.. ام على الاسلام.. ام على الدولة الدينية.. ام على الدولة الاسلامية.. ام على البديل الاسلامي.. ام على الملتزمين.. ام هجوم على الاخوان والتبليغ والسلف والجهاد والتحرير.. ام انه هجوم على التيار الاسلامي بكامله.. تساؤلات صادقة وجادة فرضتها صيغة المساهمات المذكورة.

 

ولان مقدسات الناس خطوط حمراء لمن يؤمن بها، فان مقدسات المسلمين من كتاب كريم.. واحاديث شريفة.. وشعائر.. وعبادات.. وصحابة كرام.. وكل ما هو معروف من الدين بالضرورة.. خطوط حمراء هي الاخرى.. قدم من اجلها خيرة  شباب ليبيا دماءهم.. باختيارهم وارادتهم.. ولم تعد.. بعد هذا الدم.. خطوط حمراء فقط.. بل اصبحت خطوط  حمراء حمرة الدم. وفي هذه الدماء درس وموعظة.. وعبرة.. توضح اهمية ومكانة هذه المقدسات، لذلك لا  ينبغي لمن يريد ان يساهم في تحرير ليبيا، ان يتعدي على مقدسات الليبيين وثوابتهم وقيمهم والا فلا حاجة لليبيا اليه.

 

نقول ذلك دون اتهام او تخوين.. ودون شق للقلوب والنفوس. وما دفعنا الى مثل هذا القول الا محتوى الخطاب الذي نوهنا اليه.  وهدفنا من ذلك ان تتراجع هذه الاقلام عن مثل هذه الاساليب وان تمارس النقد.. حتى تجاه الاسلام والاسلاميين.. ولكن.. في مساهمة خاصة بهذا الامر.. وبوضوح وموضوعية وصدق.. مع النفس ومع الناس.. وفي وضح النهار.. ثم ينتظروا الردود.. والحجج والبراهين.. لكن ان نجعل من الآم الليبيين.. ومآسيهم.. مدخلاً للهجوم على الاسلام.. ومدخلاً للهجوم على البديل الاسلامي، فهذا امر لا يزيد الساحة الليبية الا غموضاً وتعقيدا، ولا يزيد الهوة بين القوى الليبية التي تريد الخير لليبيا والليبيين الا اتساعاً، ولا فائدة تجنى من هذه المساهمات غير تقليل فرص الحوار الوطني بل وسد مسالكه. والله ولي التوفيق.

 

والى اللقاء مع "حرب الكلمة.." تحت عنوان "النظام الالهة".

 

د. فتحي الفاضلي

_________________

 

fathifadhli@yahoo.com

ffadhli@hotmail.com