![]() |
|
صفحة الدكتور فتحي الفاضلي |
|
البديل السياسي في ليببيا و دولة ما بعد الثورة
ثورة الكلمة
جذور الصراع في ليبيا
المعارضة الليبية
التبعية |
دور الحركة الاسلامية في ليبيا
قد يتحقق الاصلاح بكلمة طيبة.. لكنه.. قد لا يتحقق الا بالدم.
ليبيا ليست ملكاً لنظام او قبيلة او جهة او جماعة او حزب او فرد، هذا منطلق لرفض اي واقع ظالم في ليبيا من جهة، ومنطلق للاصلاح من جهة اخرى. والاصلاح خطوة لابد من انجازها، من اجل ان ترث الاجيال القادمة دولة حديثة ذات مؤسسات فكرية وثقافية وتربوية وعلمية واجتماعية وسياسية واقتصادية واعلامية معاصرة. ومنهج الاصلاح لا يعني بالضرورة عدم ترشيد او تغيير او حتى اسقاط النظام. فالاصلاح خطاب مضاد لخطاب النظام، ومعاكس لاهدافه، ومدمر بالتالي لاركانه واساساته الفكرية والثقافية. كما يقطع الاصلاح الذي نتحدث عنه، الطريق امام ابعاد الشعب عن عقيدته وتاريخه وتراثه، ثم سلخه بعد ذلك عن امته. فهناك وكما يعلم الجميع، محاولة لمسخ وتشويه وطمس وتحطيم اصالة هذا الشعب واستبدال ثقافته بثقافة دخيلة لا صلة لها بمكونات واسس واصول الثقافة في ليبيا، وذلك كخطوة هامة نحو قلب هذا المجتمع واستبداله بمجتمع جديد ذي ثقافة غريبة عن دينه وقيمه وتراثه وعقيدته.
وثقافة اية امة، هي محصلة الانتاج الفكري لها وهي واجهتها الفكرية، ومصدر قناعات وتصورات افرادها حول الاحداث والوقائع التي يتأثرون بها ويؤثرون فيها. فثقافة الفرد، بل ثقافة الشعوب، هي التي تحدد وتوجه تفاعلات الفرد والامة مع الواقع المحيط بهما سلباً او ايجاباً، كما تحدد هوية الشخص وانتماءه الفكري. فكل ثقافة، تبعاً لذلك، تميز صاحبها عن غيره وتميز كل امة عن غيرها من الامم.
وللثقافة ارتباط وثيق بالدين والقيم والتاريخ والتراث والاعراف والتقاليد والعلم والادب والفن واللغة، فهي اما عنصر انتاج لهذه العوامل، واما نتاج لها. والثقافة ايضاً جسر يربط بين اجيال الامة الواحدة مهما فرق بين هذه الاجيال الزمان والمكان والوقائع والاحداث.
ومن ينسلخ عن ثقافته، ينسلخ بالتالي عن تراثه واصالته وتقاليده وقيمه ويفقد انتماءه لشعبه ومحيطه ويجد نفسه في دوامة البحث عن هوية ثقافية اخرى قد تستوعبه دون ان يستوعبها، فيصبح كماً مهملاً لا انتماء ولا دور له في هذه الحياة. بل يصبح، ضحية من ضحايا التقليد الخاوية من الاصالة والابداع. والامة التي تفقد هويتها الثقافية تذوب هي ايضاً في ثقافات امم اخرى وتفقد اصالتها وتراثها وتصبح امة بلا هوية، وبلا اصالة فتستعبدها الامم الاخرى وتحولها الى مسخ مشوه تابع لغيرها اينما تقودها تقاد واينما توجهها توجه، دون ارادة او وعي او ممانعة.
وليبيا لا تختلف عن غيرها من الشعوب والامم فيما يخص هذه النواميس والسنن الثقافية. والانسان في ليبيا لا يختلف عن غيره من البشر فيما يخص ذلك ايضاً. فقوانين الانتماء والانسلاخ والاستيعاب الثقافي ونتائج ذلك سلباً او ايجاباً تنطبق على ليبيا كما تنطبق على غيرها من الملل والامم والشعوب والنحل. والشعب الليبي ليس شعبا لقيطا بل، وكغيره من الشعوب الاسلامية، شعب اصيل تمتد جذوره الى اعماق التاريخ الاسلامي، وهو في مجمله شعب طيب ذو قيم واصول عريقة مستمدة من عقيدته السمحاء، فترسيخ الهوية الاسلامية لدى هذا الشعب ووراثة قيم الاسلام، وتبادلها، وتوريثها، هي مهمة لن تبدأ في ليبيا من الصفر.
ومهما صغرت بذرة الاصلاح فستؤتي ثمارها باذن الله سبحانه وتعالى ولو بعد حين، فالاشجار التي تمتد فروعها الى عنان السماء وتضرب جذورها في اعماق الارض تبدأ ببذرة صغيرة قد لا نلقي لها بالا.
لكن على التيار الاسلامي ترشيد هذا الاصلاح وتوجيهه، حتى لا يكون اصلاحا حكوميا، وحتى لا يكون اصلاحا مبتوراً يمس جوانب دون اخرى، فقد حصرت بعض الاصوات، نشاطها الخاص بالجماهير في جانب واحد كـ" الوعي السياسي" او "الوعي الثوري" او "الوعي الحزبي" او "الوعي الوطني" او "الوعي الديمقراطي" وغير ذلك من الجوانب، وهو خطاب جزئي في مضمونه من جهة، ويستهدف طبقة خاصة من جهة اخرى، وذو مستوى ثقافي يناسب طبقة معينة من جهة ثالثة، فهو خطاب اصلاح لا يرسخ هوية ولا يحيي ثقافة.
والثقافة الخاصة (والتي تختلف ملامحها من حزب الى اخر ومن جماعة الى اخرى)، هي في واقع الامر ثقافة فوقية نخبوية تستهدف وتتعامل مع طبقة مثقفة واعية ومتعلمة، مما اوجد استثناء لباقي فئات الشعب كالجندي والفلاح والعامل ورجل الشارع البسيط، والذين حصر مجال تثقيفهم او توعيتهم او دعوتهم في الجانب التعبدي من جهة وعلى نطاق ضيق جدا من جهة اخرى.
نحن اذاً امام تجزئة ثقافية..
فاما تثقيف او توعية او دعوة اسلامية شاملة موجهة الى طبقة خاصة (حسب فكر ومنهج كل حزب وجماعة وحركة)، واما تثقيف اسلامي موجه الى الجماهير لكنه محصور في الجانب التعبدي، اى ثقافة اسلامية محدودة جداً، وان كانت هامة ايضاَ. وهاتان الظاهرتان (الشامل الخاص والجزئي العام) هما احد اسرار انعزال الجماهير عن الحركات الاسلامية مادياً ومعنوياً في ساعات العسرة (اثناء المحن) وفي اوقات السلم والهدوء، وهي ايضاً من اسرار استثناء الجماهير من معادلة الصراع ضد الطغاة، وضد الانظمة بصفة عامة. وهاتان الظاهرتان، فوق ما سبق، من اهم عوامل زعزعة الانتماء الاسلامي والهوية الاسلامية.
والتثقيف وسط النخب ووسط الطبقة المثقفة والمتعلمة امر، بالرغم من اهميته، لا جديد فيه، ولا يشكل خطورة على الانظمة، ففي مقدور اى نظام ان يستحوذ على الحركة او يضربها او يستوعبها او يحاكمها او يعزلها عن باقي الناس متى شاء اينما شاء، طالما انها حصرت نفسها في قالب خاص وعزلت نفسها، ولو ارادياً، عن الجماهير.
فتجزئة ثقافة الجماهيرالى ثقافة اسلامية خاصة بالمنتمين الى تنظيمات اسلامية، وثقافة اسلامية اخرى عامة (للجماهير فقط)، ستؤدي حتما الى عزل الجماعة او الحركة عن الناس وتحولها الى حركة نخبوية يستطيع النظام.. كما ذكرنا.. ان يميزها ويعزلها ويهاجمها ويضربها متى شاء.
وادركت الانظمة العربية (بما فيها النظام الليبي) وبمختلف توجهاتها.. ادركت ذلك.. فاهتمت قولاً وعملاً بجميع طبقات المجتمع، وخاطبتها باساليب مدروسة تناسب فهم وادراك وطموح ورغبات جميع الفئات بدقة وخبث ودهاء، بما في ذلك اساليب المخاطبة واللهجات والمظاهر التي تناسب كافة الطبقات والفئات. فحتى سخريتنا من اساليب ولهجات ومظاهر بعض زعماء العالم العربي.. يعتبر.. استهزاء في غير محله، فهم يخاطبون الاغلبية التي تجاهلتها الحركات والاحزاب السياسية في الوطن العربي، محاولين بذلك الوصول الي تلك الاغلبية بكل اخلاص وجدية، وقد ابدعت الانظمة في عالمنا العربي في هذا الامر. لذلك.. يجب ان تدرك الحركة الاسلامية في ليبيا هذه الحقيقة وان تكون اكفأ من الانظمة في استيعاب الجماهير بمختلف فئاتهم.
فأولى خطوات الاصلاح (تبعاً لما سبق) هي تمرير ثقافة النخب لباقي الجماهير، اي ان تمرر او تورث او تهدي الحركات الاسلامية ثقافتها كاملة للجماهير، فتصبح ثقافة المواطن غير المنتمي للحركة الاسلامية (تنظيميا) تضاهي ثقافة المواطن المنتظم.
واذا استطاعت الحركة الاسلامية ان تفعل ذلك، فانها ستحول الجماهير الى قاعدة وسند وقوة، والى تربة ينمو فيها حاضر الحركة ومستقبلها، بل تربة ينمو فيها البديل الاسلامي بكامله. فاول مهمة تواجه الحركة الاسلامية اذا هي "تثقيف" الجماهير لا مجرد "تعبئتها" او "توعيتها". فالتعبئة، امر مؤقت ينتهي مع الحدث والظرف، والتوعية (حدث بحدث وواقعة بواقعة وحالة بحالة) تنتج ثقافة مجزئة مؤقتة، تنتهي فائدتها مع نهاية الحدث والواقعة والحالة. اما التثقيف فيولد انتماء ويرسخ هوية.
ويمكن تحقيق ذلك (تثقيف الجماهير بكامل فئاتهم) عبر تحديد وصياغة ملامح لثقافة اسلامية عامة، ثم التعامل بها ونشرها بين الاجيال الحاضرة وتوريثها للاجيال القادمة. ولا يعني ان ايجاد مثل هذه الثقافة او تحديد ملامحها، لا يعني على الاطلاق الغاء الحركات والجماعات والتيارات الاسلامية المتواجدة على الساحة او الغاء مناهجها وبرامجها ونشاطاتها واستراتيجياتها الخاصة، بل على العكس من ذلك، لابد من مواصلة نشاطات التيار الاسلامي بمختلف مدارسه في هذه المرحلة. فما طرح حتى الان، لا يعتبر بديلاً لتلك المدارس والمناهج. وبمعنى اخر فان تحديد ملامح هذه الثقافة ونشرها وترسيخها وتوريثها، ليست هدفاً نهائياً في حد ذاته، بل مرحلة تهدف الى كبح جماح النظام فكرياً وسياسياً وتحقيق الاصلاح، وترسيخ الهوية، وتوليد عوامل الانتماء، وبناء ارضية صلبة مشتركة يقف عليها من شاء ان يقف، وينطلق منها من شاء ان ينطلق، فهي قوة مضادة ايجابية لليبيا والليبيين. وفوق كل ذلك، تمهد الطريق لاحلال البديل السياسي الاسلامي في مراحل لاحقة، بل تصنع ارضية صلبة يقف عليها هذا البديل اذا اراد الله سبحانه وتعالى ذلك.
ولابد اولاً من تحديد خصائص هذه الثقافة الاسلامية العامة، والتي يجب ان تكون ثقافة اسلامية معاصرة وميسرة وشمولية ومبسطة، بحيث تستطيع جميع الفئات استيعابها بدون استثناء، وبصرف النظر عن مذاهب هذه الفئات وخلفاياتها الثقافية والسياسية والعلمية، طالما ان منتسبي هذه الفئات لا يحملون احقاداً وضغينة وكرها ومقتا ضد التيار الاسلامي ومنتسبيه. وبصرف النظر ايضاً عن انتماءات هذه الفئات القبلية والجهوية والمهنية، بل وبصرف النظر عن اعمار واجيال هذه الفئات. فاذا استطاع التيار الاسلامي (انطلاقاً مما سبق) ان يوحد الناس تحت هذا النوع من الثقافة الاسلامية "المبسطة" و"الميسرة" و"الشمولية" و"المعاصرة" و"الواقعية" و"السهلة"، فسينجح في خلق ثورة اسلامية مضادة لخطاب النظام برمته، وسيعتبر ذلك في الواقع عملية "احياء" دائمة لا عملية "معارضة" مؤقتة.
ويجب ان تكون هذه الثقافة، ذات علاقة بالقضايا والمصالح اليومية التي تخص الانسان في ليبيا، ومتجانسة مع تاريخنا وتراثنا. وان تكون، مع بساطتها، ثقافة شاملة لجميع جوانب الدين والحياة، بما في ذلك، العقائد والعبادات وتزكية النفس والوعي السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعسكري، والتحفيز على الانتاج والبناء والتعليم وفن التعامل مع قضايا الحياة اليومية الاجتماعية والثقافية والتعليمية والاقتصادية، ونظام الحكم، ودور المسلمين تجاه ليبيا وتجاه الامة الاسلامية، والدور الحضاري للاسلام، مع لمس ومخاطبة ومعالجة اساليب ووسائل الاصوات المضادة للتيار الاسلامي، واسس الحرب الاعلامية ضد الاسلام والمسلمين، واساليب محاربة الاسلاميين واهداف هذه الحرب وكيفية التصدي لها.
ويجب ان تركز هذه الثقافة على ان لليبيا وجها اخر غير الوجه العسكري الحالي، وان تاريخها لا ينحصر في العهدين الملكي والعسكري، بل يمتد الى قرون كان الاسلام فيها هو القوة السياسية المركزية، وان هذه القوى الاسلامية تحاول في هذا العصر العودة الى موقعها ومواقعها. ويجب ان تتجنب الحركة الاسلامية اثناء جهودها، الصيغة الاكاديمية في لمسها لتاريخ ليبيا، فيجب ان يكون حديثها عن التاريخ، حديثاً يفسر الحاضر عبر العودة الى جذورنا التاريخية، ولا نغرق في الماضي، الا بقدر الحاجة الى تفسير احداث معاصرة تؤثر فينا اليوم وتمس مصالحنا الشخصية المشروعة وتؤثر في امور حياتنا ثانية بثانية، وهنا يصبح التاريخ مصدراً من مصادر القوة، اما بصيغته الاكاديمية فيصبح خطابا تعليميا نخبويا. ولا ينطبق ذلك على"التاريخ" فقط بل على جميع جوانب الحياة، فهناك مقاعد علمية وحلقات علم يتلقى الناس فيها العلوم، وهناك واقع يعيشه الانسان لحظة بلحظة.
ثم يجب ان تشمل هذه الثقافة، محاربة ومعالجة الجهوية وسد الهوة بين اهالي الريف والقرية والجبل والصحراء والمدينة، وبين اهالي الشرق والغرب والجنوب. وتسد الهوة بين المثقف وغير المثقف، واهل الداخل والخارج والمهاجر وغير المهاجر. فيجب على التيار الاسلامي ان يتحسس، هذه الاختلافات ويصل الى اسبابها وجذورها ومسبباتها ووسائل التعامل معها ووسائل القضاء عليها.
ثم وفوق كل ذلك التأكيد على ان ليبيا جزء من الامة الاسلامية تتاثر بها وتؤثر فيها، كما يجب ان تدفع هذه الثقافة المبسطة، المواطن في ليبيا الى ادراك حقيقة ان لكل فرد في ليبيا دوراً على مستوى ليبيا وعلى مستوى الامة، كل حسب جهده وكل حسب موقعه. وان التفاضل بين الناس يكون (بعد تقوى الله سبحانه وتعالى) في مجال الابداع والانتاج في اي مجال من مجالات الحياة من علوم وثقافة وتجارة وصناعة.
وان تكون ثقافة تهدف الى عشق الحرية، وزرع الامل واجتثاث جذور الياس من قلوب ونفوس الناس، فالحرية والايمان مترادفان، والياس والايمان نقيضان. وتكون ايضاً، ثقافة تبني في المواطن الثقة في النفس، على ان تُستمد هذه الثقة من الثقة بالله في كل صغيرة وكبيرة.
وثقافة تزرع في قلب المواطن حب ليبيا وحب الوطن ، كما احب الرسول الكريم مكة المكرمة، وان يكون هذا الحب دافعاً لاصلاح الوطن من اجل اجيال قادمة.
ثم تكون ثقافة تحارب عبادة الفرد، بما ذلك الطاعة العمياء لبشر لا يملكون لانفسهم ضراً ولا نفعا. مع التركيز على صلة الارحام والتواصل بين الناس، والتوازن بين القيم والمال.
ثم تكون ثقافة تصنع مؤمنا ذا نفس تواقة تتطلع الى التفوق وتتألم اذا لم ترتق في عطائها وتبدع في انتاجها وتسمو فوق اهوائها.
وثقافة تصنع مؤمناً لا يطوع المبادىء لرغباته، بل تقوده قيم ثابتة يمشي بها بين الناس، وثقافة تصنع مؤمناً متواضعاً لا مكان للانا في نفسه، فلا يترفع على من شاء من عباد الله، بل عزيز النفس بدون كبر، ومتواضع بدون مذلة، ليس بالامعة يرضخ لمن شاء له الرضوخ، بل لا ينحني للبشر ولا يبجلهم ولا يعظمهم لا قولاً ولا عملاً، بل يكون عزيزاً قوياً شامخاً، لا عبداً ذليلاً خانعاً يجذبه طاغوت المال والمنصب والجاه، ويرهقه التسلط الفكري وتضربه تيارات الاستبداد السياسي اينما كان واينما توجه. فالثوار يبدعون في انتاج الاحرار.. بينما يبدع الطواغيت في صناعة العبيد.. لذلك انتج قائد الغر الميامين محمد صلى الله عليه وسلم احرارا لا يحنون هاماتهم الا لقيوم السماوات والارض، ولذلك ايضاً.. صنع طغاة الارض ولا يزالون يصنعون عبيداً فاق وفاؤهم للطواغيت وفاء الكلاب لاسيادها، فلابد ان يكون هدف هذه الثقافة، تخريج احرار لا يحنون هاماتهم الا لقيوم السماوات والارض ولا يخشون في الله لومة لائم، اي يجب ان تكون ثقافة ذات مخالب حادة.
تلك كانت خطوط عريضة لخصائص وطبيعة وملامح لثقافة اسلامية سهلة ميسرة شاملة معاصرة.. كما ذكرنا.. وثقافة اسلامية سترسخ الهويه الاسلامية دون منازع، حاضراً ومستقبلا باذن الله، وتلك ايضاً معارضة استراتيجية دائمة.
ولكي يتم ذلك، يجب ان يكون خطاب التيار الاسلامي خطاباً مناسباً للجميع وقريباً من مدارك ومفاهيم رجل الشارع البسيط، وخطاباً معاصراً يعالج قضايا الساعة ويتناولها ويفسرها ويقدم لها الحلول والبدائل، وان يكون خطاباً واقعياً يتعامل مع المؤثرات التي تحقق مصالح المواطن اليومية وينميها ويحافظ عليها، ويكون ايضاً خطابا يقدم تفسيرات وبدائل لجميع قرارت النظام اليومية، وياخذ في الاعتبار العوامل التي تؤثر في المجتمع وتحركه، كعوامل الدفع والتدافع والتي تختلف بكل تاكيد من مجتمع الى اخر تبعاً لطبيعة المجتمعات والبيئة والارض والعادات والتقاليد، فادراك تلك العوامل اول خطوة نحو الوصول الى طبيعة الافراد في اي مجتمع من المجتمعات، واولى خطوات الوصول الى عقليته وطرق تفكيره وطبيعة نظرته للامور، وهي ايضاً اول خطوة نحو توحيد الثقافة في اي مجتمع، بما في ذلك المجتمع الليبي. واول خطوة نحو استيعاب الصوت الاسلامي وقبوله، خاصة بعد نجاح التيار الاسلامي في فرض نفسه.. عبر رصيده النضالي.. كاحد البدائل السياسية المطروحة.
كما ان خطاب الحركة الاسلامية يجب ان يتطور بتطور الوقائع والاحداث بما يناسبب الوسط الذي تعمل فيه الحركة، وان تدرك الحركة الاسلامية ان لكل مجتمع واقعا مميزا يجب دراسته وسبر اغواره واستخراج العوامل التي تساعد منتسبي الحركة على زرع افكارهم ومناهجهم فيه، فادراك العناصر المؤثرة في المجتمع كطموح الناس ودوافعهم وعوامل تحميسهم واحباطهم ونقاط ضعفهم ومصادر قوتهم واسباب غضبهم وسخطهم ورضاهم وغير ذلك من العناصر، هي جسر سيعبر عليه خطاب الحزب او الحركة او الجماعة الاسلامية الى المجتمع.
وعندما تكون نشاطات وبرامج الحركة الاسلامية مبنية ومستندة على دراسة المجتمعات وخصائصها، ومستندة كذلك على ما ذكر من عوامل وعناصر خاصة بكل مجتمع، فستستوعب الجماهير فكرة الاسلاميين وتستوعب برامجهم واهدافهم واستراتيجياتهم وسينضج باذن الله زرع الاسلام والاسلاميين، ويصل خطابهم الى جميع الفئات بما في ذلك العامل والفلاح والجندي والطالب ورجل الشارع البسيط وجميع الفئات التي لم تكن مستهدفة من قبل الحركات الاسلامية في الماضي، وسيخرج الاسلاميون بذلك من فخ النخب والنخبة وسيصنعون الاحداث، بدلاً من ان تكون تحركاتهم مجرد ردود افعال، وسيحولون الجماهير من مجرد كتل من البشر تتفرج على الطواغيت وهم يصنعون التاريخ، الى صناع للتاريخ، وسترسخ الحركة الاسلامية فوق كل ذلك الهوية الاسلامية في ليبيا الى الابد باذن الله تغير النظام او لم يتغير.
وعلى التيار الاسلامي ان يدرك، اثناء معركته الثقافية هذه، ان اخطاء ومتاعب القوى التقدمية، جاءت وكما راينا بسبب تبنيها لوسائل واساليب لا تناسب واقع الحال. فعلى سبيل المثال كانت قصائد واشعار التيارات غير الاسلامية (يسار وغير يسار)، قصائد واشعار تحريضية معبرة مؤثرة جميلة تحرك في الانسان كوامن الغضب وتدفع به الى رفض الواقع، وكانت تعبر عن الام وامال وطموح المظلومين وتبث في الجماهير روح الرفض واستنكار الظلم وتبث الامل في نفوس الناس، لكن صيغتها كانت صيغة مرتفعة، فاستوعبتها وادركت مقاصدها طبقة خاصة، فهو خطاب اختار ان يتعامل، اذاً، مع شرائح خاصة من المجتمع بينما استثنى او تجاوز او تجاهل شرائح اخرى، بقصد او بغير قصد.
وليست قصائد واشعار التيار القومي او اليساري وحدها هي التي دلت على فوقية او على طبيعة خطاب هذا التيار، بل ان المصطلحات والقضايا التي يستعملها هي ايضاً مصطلحات وقضايا لا تناسب العصر. فهي نفس مصطلحات وقضايا الاربعينيات والخمسينيات والستينيات، والتي لا زال هذا التيار يستعملها ويعيشها، بل ويحاول ان يعالجها في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات دون مراعاة لتطور الخطاب بتطور الواقع العربي او الاسلامي، سلبا او ايجابا. فترى خطاب التيار التقدمي، بما في ذلك التيار التقدمي الليبي، لا زال محصوراً (على سبيل المثال) في ثورة عبد الناصر وثورة الجزائر والبعث ومعجزاته وتاميم قناة السويس وصد العدوان الثلاثى ووحدة 1958م وتجييش الشعب والجيوش الوطنية والانفصال وتاميم النفط والارادة الجماهيرية وروح الجماهير والقيادة التاريخية والمنعطفات التاريخية وصمود الشعوب واضطهادها، وغير ذلك من احداث وصيحات وشعارات. واستمر هذا التيار يخاطب الحاضر بخطاب الاربعينيات والخمسينيات، بل ويفعل ذلك بنغمة تقترب (كما سبق وان ذكرت) من نغمة النظام في ليبيا. وليس طبيعة الخطاب ومعاصرته ومناسبته للواقع هو فقط ما كان يجب ان يناسب العصر والواقع، بل حتى التجربة القومية برمتها كان يجب ان تتجدد بصورة تناسب الواقع والعصر، لكن اما انها لم تدرك ذلك او انها ادركت ذلك بعد فوات الاوان.
فمعايير التقدم والتطور والنجاح، التي خاطبتنا وتخاطبنا بها الحركة الوطنية الليبية على سبيل المثال، هي معايير كانت مقبولة فى فترة من تاريخ الامة العربية، لكن ان تستمر الحركة الوطنية، او اية حركة او جماعة او حزب او جبهة، بنفس خطابها ووسائلها بالرغم من التغييرات الاجتماعية والسياسية والثقافية في الواقع الليبي او العربي او الاسلامي او العالمي، فهذا حصار معنوي لا يناسب مرحلة الجهاد والنضال والكفاح، ولا يناسب مهمة ترسيخ الهوية ولا مهمة احلال البديل وبناء الدولة المعاصرة، بل يحصر الجماهير في نطاق ثقافي وفكري وسياسي ضيق. فالخطاب الذي صلح او قد يصلح لاواخر الاربعينيات واوائل الخمسينيات واواسط الستينيات في العراق وسوريا ومصر مثلاً، لن يصلح لسبعينيات وثمانينيات وتسعينيات ليبيا، بل لا يصلح (في يومنا هذا) حتى للعراق وسوريا ومصر.
ويزداد الامر سواء اذا تزامن الخطاب التقدمي الثوري القديم، مع غياب الخطاب النهضوي المدني المرتبط بالتطور الحضاري والعلمي والثقافي الذي يرتفع بالامم الى العصر الذي نعيش فيه. فهذا الخطاب، اي الخطاب السلمي النهضوي، هو اساس تاهيل الامم لتكون مع قائمة الامم المتقدمة، وكذلك تاهيلها لتشارك غيرها من الامم في البناء الحضاري الانساني الذي يهدف الى تعمير الارض وخدمة الانسان والانسانية.
ولقد ضربت مثلاً بالحركة الوطنية الليبية لتشابه طبيعتها وظروفها العامة مع ظروف وطبيعة الحركة الاسلامية، فالحركة الوطنية الليبية صاحبة فكرة من جهة، وهي حزب من جهة اخرى، وذات امتداد جغرافي غير قطري من جهة ثالثة، فعلى الجماعات والحركات الاسلامية الليبية ان تتفادى اخطاء التيارات السياسية الليبية الاخرى. كل من موقعه وكل حسب جهده..
واصلاح ليبيا على النمط المذكور يجب ان يشارك فيه الجميع، كل من موقعه وكل حسب جهده، لان اصلاحها في النهاية اصلاح لجزء من الامة الاسلامية، بل ان انتماء ليب |