صفحة الدكتور فتحي الفاضلي

 

 

البديل السياسي في

ليببيا و دولة ما بعد

الثورة

 

ثورة الكلمة

 

جذور الصراع في

ليبيا

 

المعارضة الليبية

 

التبعية


عندما نفقد هويتنا.. سنفقد حتماً حضارتنا

 

يتحدث اغلبنا عن سقوط بغداد وكأنه سقوط لبغداد الحضارة وبغداد الرشيد, فسقوطها بالتالي سقوط  لبعض حضارتنا. نسمع ذلك بالرغم من ان بغداد لم تٌسقط بل سٌلمت. ونسمع ذلك بالرغم من ان الغزو الامريكي البريطاني لا يعتبر حرباً بل سطواًً.

 

وفي واقع الامر فان بغداد لم تسقط يوم دخول قوات الحلفاء اليها.. بل سقطت يوم استلم مقاديرها  البعث, فاعتبر دخول الحلفاء السقوط الخامس للبعث.

 

فالبعث لم يحقق وحدة عربية بل رسخ تجزئة اقليمية..

ولم يحقق اشتراكية بل رسخ طبقية..

ولم يحرر فلسطين..

ولم يحفظ الوطن..

ولم يحقق حرية المواطن.. بل اصبح المواطن العراقي, الدافع المفترض والاداة المفترضة لتحقيق مباديء البعث, اصبح الضحية الاولى للبعث وشعاراته.. تماما كما حدث ويحدث مع جميع الانظمة "الثورية" التي جاءت لتحرر الانسان من عبودية وهمية, فسلبت منه - بدلاً من ذلك- انسانيته, بل - وفي اغلب الاحيان - حياته. 

 

والمنهجية التي لا تتخذ من حرية الانسان وامنه وكرامته مركزاً لها, لا يمكن ان تمثل- في مفهوم المسلمين- نواة حضارة بل تمثل نواة عصابة.. ويكون سقوطها- لذلك- سقوط عصابة لا سقوط  حضارة. 

 

فسقوط بغداد الاخير سقوط لعصابة..

وسقوط لطاغوت..

وسقوط للعنف والتسلط..

وسقوط للكذب والدجل..

وسقوط للفوضى والغوغائية..

وسقوط للانظمة المخابراتية..

وسقوط للفردية والمركزية..

 

وسقوط لحزب جاء ممتطياً خطاباً جماهيرياً فتحول الى حزب نخبوي بعد ان صنع قادته ومنتسبيه هوة اجتماعية وسياسية وثقافية بينه وبين الجماهير التي جاء الحزب الثوري لتحريرها.. فاصبح الحزب العدو الاول للجماهير واصبحت الجماهير العدو الاول للحزب.

 

وهو- ايضاً- سقوط لانظمة "ثورية" لا يجيد قادتها "الملهمين" و"الامميين" و" المهيبين" الا النعيق  والنقيق والنهيق, ناهيك عن الوعيد المصحوب بضرب المنصات وقرع الطبول وتطاير الرذاذ ليسارعوا بعدها الى الحفر والانفاق والسراديب.

 

فهل من دروس لانظمتنا!! وهل من دروس لجماهيرنا!! وهل من دروس لاحزابنا وحركاتنا وجماعاتنا وتنظيماتنا.

 

بل هل من دروس "للنظام" في ليبيا والذي ما زال, اغلب اعوانه, يطوفون حول اعمدة ارسطو وافلاطون يتحدثون ليل نهار, ومنذ ثلاثة عقود, عن "يوثيبيا العصر" وعن "الحل الجذري" وعن "الخلاص النهائي" بينما تتسابق الامم الاخرى لمواجهة تحديات القرن الثالث والعشرين.

 

سقطت اذاً بغداد البعث ولم تسقط بغداد الحضارة, فبغداد الحضارة ذات صلة بالارض والانسان والعقيدة.

 

 ولم يفرط العراقيون لا في انسانيتهم ولا في ارضهم ولا في عقيدتهم, فقد خرجوا بعد ان رزحوا تحت قهر البعث اكثر من  ثلاثة عقود.. خرجوا.. بعد اقل من ثلاثة ايام من "تسليم بغداد" وهم يرددون "نعم نعم للاسلام.. لا امريكا ولا صدام ".

  

لكننا قد نسقط حضارياً..

 

عندما نتراجع عن ثوابت عقيدتنا وثوابت امتنا, تحت ضغط "الارهاب" المحلي و"الارهاب" العالمي. وعندما تصبح قيمنا وثوابتنا قابلة للتجميد والتبديل والتعديل كلما اراد لنا غيرنا ان نجمدها او نبدلها او نعدلها. وعندما نتراجع عن مبادئنا وسط العواصف دون ان نقاوم العاصفة, بل ودون ان نصبر حتى  تمر تبعاتها. سنسقط حضارياً عندما يغدر العرب والمسلمين ببعضهم البعض تحت ضغط الموقف السياسي.

 

وسنسقط حضارياً..

 

اذا اخذنا نتحدث ونتحاور ونتجادل دون وعي حول ما يستجد في هذا العالم من مصطلحات امريكية. فاذا تحدثت امريكا عن "الاصولية" اصبحت الاصولية - بين عشية وضحاها- الشغل الشاغل بحثاُ  ونقداُ وتحليلاً, ورفضاً وقبولاً, ودفاعاً وهجوما. بل تصبح -الاصولية- مصدرالقلق واصل البلاء  ومركز الحياة وقضية الساعة والهم الاكبر والاصغر على مدار اليوم والليلة, حتي تسعفنا امريكا بمصطلح جديد, فنترك ما سبق ونغوص في ما لحق. ونمارس مع المصطلح الجديد ما مارسناه مع القديم. وهكذا سارت بنا امريكا وغيرها من "التقسيم" الى "فك الارتباط" الى "الخطوة خطوة" الي "الانفتاح" الى "التطبيع" الى "الاصولية" الى "التطرف" الى "العولمة" الى "صدام الحضارات" الى "الارهاب" الى "السلطة" الى "اسلحة الدمارالشامل" الى "تحرير العراق" الى "اعمار العراق" الى "خارطة الطريق" الي ما يعلمه الله من جديد قادم, دون ان نفرض او نمرر او نطرح مصطلحاً واحداً يوجه الحوار في هذا العصر.

 

واخيراً..

 

عندما نفقد هويتنا.. سنفقد حتماً حضارتنا.

 

كتبت في 5 مايو 2003م

 

د. فتحي الفاضلي

_________________

fathifadhli@yahoo.com

ffadhli@hotmail.com