صفحة الدكتور فتحي الفاضلي

 

 

البديل السياسي في

ليببيا و دولة ما بعد

الثورة

 

ثورة الكلمة

 

جذور الصراع في

ليبيا

 

المعارضة الليبية

 

التبعية


أيها الليبيون.. افسحوا الطريق لفطاحل الليبيرالية

 

اخذ اغلب الليبراليين الليبيين على عاتقهم تحريرنا من تسلط الاديان السماوية. وهم يدورون حول هذه المهمة، كما يدور الثور حول الساقية، مع  تقديرنا واحترامنا لذلك الثور، فدورانه سينتهي حتماً بجلب الخير لانسان ما.

 

والشيء المحير انهم يقومون بهذه المهمة الانسانية بوسائل حضارية عديدة هي مزيج من همز وغمز ولمز.. وابراز للسلبيات وطمس للايجابيات.. وتسفيه واستفزاز وسخرية طالت القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ومست الصحابة الكرام عمالقة التاريخ الذين قادوا اضخم عملية تحرير لم يشهد لها التاريخ الانساني مثيل.

 

والشيء المحير الثاني (ولن يكون الاخير) ان فقهاء الليبرالية لا يطرحون بديلاً عن تعاليم السماء، او عن اجتهادات علماء ومفكري الاسلام، بل يقترحون ان نتخلى عن رسالتنا ثم نقف عند مفترق الطرق نحدق كالبلهاء في صفحات التاريخ لعلنا نجد حضارة ما نستعيرها.

 

 ومشكلة الليبراليين انهم لا يتوقفون عن تعليم وارشاد امة بكاملها، بما في ذلك علمائها ومفكريها وفقهائها، لكنهم يستشيطون غضباً اذا ذُكروا بما قال الله ورسوله حتى في ابسط امور الاسلام.. او بعلم دنيوي عام.. او نُبهوا الى ما غاب عنهم.. ولقذفوك - ان نبهتهم - بالف تهمة وتهمة.. اقلها انك متزمت.. ووصي على هذا الدين.. واقصائي.. ومكفر.. وفضولي.. وواسطة بين السماء والارض.. ونائب عن الله.. وغير ذلك مما جاد به قاموسهم الارهابي. لكنهم - مرة اخري- لا يتوانون عن تعليم وارشاد امة بكاملها.. ودون حدود، بما في ذلك، ارشاد الامة الى اغتيال دينها والتخلص من حضارتها. والمشكلة الاخرى، انهم يستقون معلوماتهم وتحليلاتهم وحججهم من كتب المستشرقين وغيرهم ممن وظفوا حياتهم للطعن والتشكيك في الاسلام من خلال حوادث معينة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم او التاريخ الاسلامي او من خلال ممارسات بعض المنافقين او غير ذلك من توظيف رخيص للاحداث والوقائع. وفشل المستشرقون كما فشل غيرهم عبر القرون، ويأبى بعض الليبراليين والقوى اللادينية الا ان يجتروا نفس التحليلات والاستنتاجات والحجج والبراهين التي توصل اليها اسلافهم من المستشرقين والتي دحضت دون عناء يذكر.

 

مزبلة ليبرالية

 

اما لماذا يتطوع الليبراليون بهذا العمل "الصالح"!! اي لماذا يصرون على تحريرنا القسري من قبضة السماء؟  فهذا هو اللغز الذي نود ان نفك طلاسمه معاً، عبر استعراض سريع  لمفاهيم وخطاب القوي الليبرالية الليبية، وخطاب القوى اللادينية (العلمانية) لاشتراكهم في امور عديدة.

 

لقد استطاع فقهاء الليبرالية ومعهم فطاحل القوى العلمانية واللادينية - وبعبقرية نادرة ندرة منطقهم- اختزاال اربعة عشر قرناً من الحضارة الاسلامية بجميع مساهماتها.. من قيم انسانية عظيمة.. وعلوم وابحاث.. وفنون وابداعات.. وامال والام.. وطموحات واحلام.. وهزائم وانتصارات..  وتداعيات وارهاصات.. ونجاح واحباط.. وسقوط وصعود.. وتقدم وتراجع.. اربعة عشر قرناً من الحضارة الاسلامية.. اختزلوها في خليفة يرتدي عمامة ويرافقه سياف يحمل سيفاً ونطعاً، مع كوكبة من العبيد والجواري وفقيه منافق, يتبعه (تبعية عمياء) ملايين المسلمين يسمعون ويطيعون ولا يعارضون، بل يسيرون كالقطيع يحملون المباخر اينما اراد لهم ذلك الفقيه المنافق ان يسيروا.

 

لذلك.. وانطلاقاً من هذا الطمس الثقافي.. 

 

يقترح الليبراليون "مشكورين" ان نرمي بتاريخنا وتراثنا, في اقرب مزبلة ليبرالية, ونستعير بدلاً من ذلك تاريخ وعادات واعراف "اقوام اخرين". وذلك بالرغم من ان "الاقوام الاخرين" يغرفون من كنوز ثقافتنا وعلومنا وتراثنا وحضارتنا بصفة عامة. ويقدرونها ايما تقدير, بل ويبروزنها باعجاب في ارقى جامعاتهم وكبرى معاهد ابحاثهم ومحافلهم الثقافية بعيداً عن ضجيج الصراع السياسي. ويعتبرونها مساهمة انسانية لا يكتمل التاريخ الا بها. ليس ذلك فحسب.. بل يقدرون الصحابة الكرام والتابعين وتابعي التابعين وعلماء المسلمين وفلاسفتهم ومفكريهم, ويقدرون كذلك اكشافاتهم وفنونهم وابداعاتهم.

 

يدعوننا الليبراليون -اذا- ان نتخلى عن حضارتنا (مدنيتنا وثقافتنا) ونستعير بدلاً منها مكونات حضارات اخرى لا تتنكر هى نفسها لحضارتنا. ويكون الليبراليون بذلك كالعميل المتطوع الذي لا يشبع من تقبيل اقدام اسياده, فتراه يلهث ليرضيهم بشتى الوسائل دون ان يرضوا عنه.

 

ويصر فلاسفة الليبرالية على ذلك، لان مفهومهم للتاريخ مفهوم سطحي محصور في حوادث انتهت مع الوقت, بينما يعتبرالتاريخ في المفهوم الاسلامي، مرجعية ونبع لا ينضب من القيم والمثل والدروس, وان القيم في المفهوم الاسلامي لا تتغير ولا تتاثر ولا تتبدل بمرور الوقت, فالحب والكرم والمروءة والشجاعة والصبر والثبات والتفوق والابداع والعدل والامن والامان والحرية والمساواة, قيم ثابتة لا تتغير (مفاهيمها وابعادها) بتغير الزمان والمكان, وكذلك الغدر والظلم والشر والاستعباد والخيانة والقهر والاضطهاد والعنصرية والعصبية. والتاريخ – من جهة اخرى-  دورات تعيد نفسها وان لهذه الدورات عوامل ثابتة اذا توفرت او غابت تحقق معها صعود او سقوط  الحضارات, واذا تكرر غيابها او توافرها, تكرر صعود او سقوط نفس الحضارات.

 

فالتاريخ في المفهوم الاسلامي -اذاً- نموذج حي.. يعكس الجانب العملي لفكرنا وثقافتنا وتراثنا، لا مجرد حوادث ميتة.. ومصدر حقائق لا منبع خرافات.. وهو ايضاً مصدر قوة نغرف منه عند الازمات ونتخذ من وقائعه وقوداً لمواصلة المسير نحو المستقبل، فكيف يكون النموذج العملي لخطابنا النظري مصدراً لتخلفنا وضعفنا!!.

  

ولم يتوقف الامر عند هذا الاختزال الاقصائي، بل اكتشف الليبراليون ان جميع العلماء ورجال الدين والفقهاء منافقون يُظهرون ما لا يُبطنون او انهم علماء سلاطين. ولكي يتم تحريرنا من تسلط الاديان وبالتالي من تسلط السماء- لابد ان نشنق اخر فقيه بامعاء اخر خليفة, ثم نتخذ من فقهاء الليبرالية مرجعية لامتنا. فالليبرالي لا يمكن ان يكون  من المنافقين، لانه - ولسر ما- "معصوم" من هذا التلوث. ليس ذلك فحسب، بل ان اصحاب جميع الافكار والمذاهب والانتماءات الاخرى صادقون فيما يؤمنون به، الا الاسلامي فهو اما منافق يتستر بالدين او استغلالي  يتخذ من الاسلام مطية للوصول الى السلطة وابتزازالمسلمين والضحك على ذقونهم. يؤكد الليبراليون على هذا الامرالمرة تلو المرة..  تلميحاً وتصريحاً.. دون  ان يقدموا اسباباً علمية او منطقية او حتى خرافية تؤيد هذه "الحقيقة الدامغة".  ويبدوا- ان صح ما سيق- ان الفقهاء الذين استطاعوا خداع الامة الاسلامية بكاملها  ودفعها الى السير خلف مباخرهم, عجزوا عن خداع عباقرة الليبرالية, مما يوحي بحدة الذكاء التي يتمتع به  الليبراليون، او يوحي على الاقل بصلابة جماجمهم.

 

ويبدوا مما سبق ايضاً، ان تحريرنا النهائي من قبضة السماء لا يتم الا بمصادرة البخور واتلافه ومنع تصديره ومعاقبة مستخدميه. فالليبراليون الليبيون يكنون عداوة شديدة للبخور تصيبك- شدة هذه العداوة- بفضول لا ينتهي. ليس ذلك فحسب.. بل نحس بمفاصلة نهائية  تفرض نفسها بين الفكر الليبرالي والبخور. فالبخور في الفكر الليبرالي يضاهي الصليب المعكوف في الفكر اليهودي. ولو انتهى امر بلادنا الى ليبرالي ما, لشنق كل من وجد في حوزته حفنة من البخور. بل يخيل اليك من بشاعة الدور الذي لعبه البخور في هزيمة الامة وانحطاطها وتخلفها الثقافي والحضاري - كما يصور ذلك دهاة الليبرالية- يخيل اليك ان الامة ستغزو الكون اذا استطاعت فقط ان تقضي على البخور واخواته. 

 

 

المسلم لم يخلق من طين

 

ولم يكتف الليبراليون بما سبق، فكلما اصطادوا - من بين دفات الكتب- ما تيسر من حوادث وفتن وصراعات  بين المسلمين، كحديث الافك, والفتنة الكبرى, ووقائع سقيفة بني ساعدة, ووقائع واحداث جرت في عصر النبوة والخلافة الراشدة او حتى في عصرنا هذا, كلما اصطاد الليبراليون شيئاً من هذا، كلما استبشروا بصيدهم خيراً, واصاب الاسهال اقلامهم، وانطلقوا يصنعون من هذه الاحداث قواعد وظواهر واصول.. ولا ينظرون اليها كاستثناءت واحداث وفروع، بل يوحون بانها "ادلة  دامغة" على تناقض هذا الدين وعلى تناقض اتباعه.

 

فالمسلم في الفقه الليبرالي، لم يخلق من طين.. بل جماد لا عواطف له.. او ملاك معصوم من الخطأ، فيجب – بالتالي- ان لا يحدث بين المسلمين ما يحدث بين غيرهم من البشر من منازعات وحروب وصراعات. 

 

يتناسى الليبراليون اننا من البشر، رغم ان هذا الامر لا يقبل حتى النسيان العفوي، وان هذه البشرية  مقصودة بكل ما تتطلبه من تفاعلات وممارسات من خير وشر.. وقوة وضعف.. وصدق ونفاق.. وصلح وخصومات.. وضلال وهداية.. وانحراف وتوبة.. وهدم وبناء.. وتردد واقدام.. وشح وكرم.. وترقب وحذر.. وخوف وشجاعة.. وهلع وجزع وثبات.. وجدل وحوار.. وفشل ونجاح.. وعواطف واحاسيس.. واجتهادات.. وغير ذلك مما يلازم الطبيعة البشرية.

 

هنا يفوت الليبراليين (عفويا بالطبع) ان اساطين مكة تساءلوا عن بشرية الرسول (مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق) و (قل لو كان في الارض ملائكة يمشون مطمئنين) و  (الا بشراً رسولا).

 

وجاء التأكيد على ذلك في قوله سبحانه  وتعالى "وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا, فاصلحوا بينهما, فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي, حتى تفىء الى امر الله.. الحجرات/9) وكذلك في  قوله تعالى (انما المؤمنين اخوة, فاصلحوا بين اخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون.. الحجرات / 10) ، وقوله تعالى (لا خير في كثير من نجواهم، الا من امر  بصدقة او معروف او اصلاح بين الناس.. النساء/114). 

 

هذه الايات الكريمة - وكثير اخرى غيرها- بالاضافة الى العديد من الاحاديث الشريفة-  فيها ما يدل صراحة على ان المنازعات والفتن والاختلافات، امراً وارداً بين المسلمين, على ان  يصاحبها الحث على الصلح وعدم الحرص على القتل, والتحيز الى جانب الحق بناءاً على اجتهاد او اعتقاد صادق بذلك. ثم ان تكون الغاية هي احقاق الحق لمرضاة الله سبحانه وتعالى، والا  تعرضنا لقوله صلى الله عليه وسلم (..  اذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، فقلت يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: انه كان حريصاً على قتل صاحبه/ رواه البخاري).

 

ثم ومن جهة اخرى، فان جميع قوانين العقوبات التى وردت في القرآن الكريم, جاءت اصلاً  لتطبق على المسلمين, بمعنى ان الله سبحانه وتعالى يدرك ان المسلم بشر يخطيء ويصيب.. وينحرف ويتوب.. ويختلف مع غيره.. فيخاصم وينازع.. ويرفض ويوافق. فمن اين اتى الفقه الليبرالي ومن اين اتت القوى العلمانية واللادينية بالمسلم " الملائكة" او "الالة" الذي لا يحاور ولا يرفض ولا  يختلف مع غيره. ام انهم يدركون اننا من البشر, ولكنهم يستغلون المنازعات واختلاف الاجتهادات والحوادث والفتن والاشاعات للطعن في رسالة الاسلام!!

 

الرقص خارج التاريخ..

 

شبهة اخرى يحاول دهاة الليبرالية وقادتها ومفكريها ان يلفتوا انتباهنا اليها، وهي ان التفوق الاسلامي  والنماذج الحضارية الاسلامية  التي تحققت على ارض الواقع عبر فترات مختلفة من التاريخ, ما هي الا طفرات توفرت لها ظروف معينة فتحققت لفترات زمنية قصيرة, منهم من  يحصرها في فترة النبوة والخلافة الراشدة.. ومنهم من تغمره موجة من الكرم الحاتمي فيضيف الى ذلك بعض السنين والايام والساعات.. ومنهم من يلغي - بشح مطاع-  وتحت تاثيرالهاماته الليبرالية- حتى بعض فترات الخلافة الراشدة.

 

 

ولنا هنا وقفة..

 

فقد شهد التاريخ الانساني تفوقاً اسلامياً في جميع فتراته, وان اختلفت مظاهر هذا التفوق. فكان تفوق الاسلام تفوقاً شاملاً في عهد النبوة والخلافة الراشدة, وتفوقاً كبيراً جداً - وان لم يكن شاملاً- في العهد الاموي والعباسي والعثماني, رافق ذلك- ومن فترة الى اخرى- تفوقاً جزئياً في مجالات ثقافية اوعسكرية اوعلمية او دعوية بالاضافة الى بروز  اسلامي مميز في فترات  عديدة تخللت بعض  فترات الانحطاط.

 

وكانت بصمات الاسلام - حتى في فترات الانحطاط-  تفرض نفسها على مسرح الاحداث اليومية منذ بداية الرسالة الى يومنا هذا. فما يحدث اليوم - على سبيل المثال- من تفوق للاسلام  في عدد معتنقيه على غيره من الاديان، وفي ظل هذه الهجمة الشرسة على الاسلام والمسلمين، هي كرامة من جهة, وتفوق حضاري من جهة اخرى, وذلك كما عودنا الاسلام حتى في احلك الظروف. 

 

وخطورة هذه الشبهة التي يتراقص حولها الليبراليون طرباً، لا تنحصر في كونها قراءة تاريخية قاصرة او طمساً فكرياً او ثقافياً اخر, او تزييفاً سطحياً, لكن الامر اخطر من ذلك, ان هذه الشبهة طعن في صميم رسالة الاسلام, فالرسالة التي يفترض انها  طبقت في فترات محدودة، والتي لا تقبل الاسقاط على واقع البش في كل زمان ومكان، او يستحيل تطبيقها مستقبلاً، ستتحول- مع الوقت- الى مجرد نظرية  ستندثر او ستصبح في افضل الاحوال، ابداعات انسانية مخزنة في بطون الكتب او محفوظة على ارفف المتاحف.

 

 هو اذاُ طعن في واقعية الرسالة الاسلامية وليس مجرد تحليلات تاريخية خاطئة. لذلك كانت لنا وقفة عند هذا الامر.

 

استيراد عام..

 

ولكي يتم اقناعنا بتخلف الامة، وضرورة البحث عن فكر اخر يخرجنا من هذا التخلف، حدد الليبراليون ومعهم العلمانيون بصفة عامة, مدى تقدمنا وتأخرنا، عبرمقارنة اوضاعنا باوضاع امم وشعوب غير اسلامية وغير عربية. واستوردوا لهذه المهمة "النبيلة" مصطلحات النقد والاقناع من  قواميس لا تنتمي الى ثقافتنا، منها على سبيل المثال: "كصكوك الغفران" و"محاكم التفتيش" و"افيون الشعوب" وغير ذلك من مفردات  سنرى الكثير منها فيما بعد. وهي مفردات ذات دلالات خاصة لشعوب مرت بوقائع واحداث جعلت  من هذه المفردات جزءا هاماً من ثقافتها.

 

واعتماداً على تلك المعايير المستوردة، تم تصنيفنا ضمن فصيلة المتخلفين، يصاحب هذا التصنيف- ومن حين الى اخر- رائحة ترفع على اهل الريف والبدو والصحراء والاحياء الشعبية بصفة عامة. وما يحزننا هنا ليس التقييم في حد ذاته, بل ما يحزننا هو ان مقاييس ونماذج ومعايير التقدم والتأخر التي استخدمت لتقييمنا, مستوردة من خارج اطارنا الفكري والثقافي والتاريخي ولو كانت مستوحاه من اصولنا وتاريخنا او من مسيرة ابناء جلدتنا في اي زمان او مكان، لما كان في ذلك ضير. كمقارنة اوضاعنا الحالية -على سبيل المثال- بما يجب ان نكون عليه حسب تعاليم اسلامنا، او بما يجب ان نكون عليه مقارنة بفترة تربع فيها الاسلام على القمة. 

 

لكن ان تُعامل امتنا كعالة على التاريخ او كامة جدباء لقيطة خاوية, فهذا طمس اخر يجب ان لا يمر علينا بسهولة.

 

افسحوا الطريق..

 

وينتقل حرص الليبراليين، مرة اخرى، من التاريخ والحضارة الى روح الاسلام وتعاليمه. فينصحوننا وبكل اخلاص ان نحفظ اغلب تعاليم الاسلام في ثلاجات ضخمة, انطلاقاً من "حقيقة" الانفصام الابدي بين الاسلام ومصالحنا الدنيوية المشروعة. ثم ينصحوننا، كلما برزت مستجدات تتعلق بحقوقنا وحرياتنا واقتصادنا ومصيرنا، ان يتراجع العلماء والائمة ورجال الدين والملتزمين ويفسحوا الطريق امام فطاحل الليبرالية لمعالجة هذه المستجدات, لان معالجتها تحتاج الى عقول نظيفة.  ثم اذا استجد امر ذو علاقة بالاخرة والغيب والسماء, يتم تبادل الادوار فيتراجع الليبراليون ويحل محلهم الاسلاميون. وهكذا دواليك في دورة لا يمارسها الا المجانين, لانها تعكس -ان سلمنا بها- درجة من الغباء النادر جداً في ادراك قوة الانسان ومقدراته وطاقاته وامكانياته وابداعاته، كما جاء في كتاب  الله سبحانه وتعالى اولاً (اني جاعل في الارض خليفة.. البقرة/30) وقوله تعالى (.. ولقد كرمنا بني ادم  وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا... الاسراء/70) وقوله تعالى (وسخرنا له ما في السموات وما في الارض جميعاً منه، ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون.. الجاثية/13)، ثم ما اثبته التاريخ الانساني ثانياً.

 

لقد اراد الله سبحانه وتعالى ان يكون هذا الانسان قادراً على التعامل مع تعاليم السماء, وقادراً في نفس الوقت على التعامل مع الوقائع والاحداث الدنيوية, بينما يصر اساتذة الليبرالية على غير ذلك.

 

وانطلاقاً من المفاهيم السابقة،  لا يعتبر النضال الاسلامي نضالاً، فالشهيد الشيخ البشتي - على سبيل المثال- والذي جدد صولة الامام احمد بن حنبل, فصدع جهاراً نهاراً بخطاب سياسي يضاد خطاب النظام, بينما لا يفصله عن المركزالرئيسي للجان الثورية سواء جدار المسجد الذي زلزل الشيخ البشتي من على منبره الشارع الليبي. هذا الرجل الذي بلغ من العمر ثمانين عاماُ وصدع بما صدع به من على منبر مسجد القصر في قلب طرابلس والمحاصر من جميع الجهات بمباني الامن والمخابرات واللجان الثورية.. هذا الرجل الشهيد ليس مناضلاً سياسياً - حسب التصنيف الليبرالي واللاديني- بل رجل دين يخلط السياسة بالاسلام.. او يخلط الاسلام بالسياسة.. وكذلك الشهيد محمد مصطفى رمضان ونضاله بالكلمة واستشهاده ثمناً لذلك.. والشهيد احمد حواس ومجموعة بدر ومجموعة فبراير وحركة الشهداء والتيارالجهادي وشباب التحرير والاخوان وغيرهم من  شيوخ وشباب  ليبيا الملتزمين، كل حسب جهده واساليبه ومدرسته، من الذين استشهدوا او من اؤلئك المكدسين في حفر وسراديب النظام الليبي، هؤلاء جميعاً، حسب الفقه الليبرالي واللاديني - خلطوا تعاليم السماء بتعاليم الارض.. وليست فئة ارادت ان تغير واقعاً سياسياً ما.. لكن   كاسترو وكمال اتاتورك  وفرانكلين بنجامين وغيرهم، مناضلون شرفاء وسياسيون وطنيون ولبطال.. فباي منظار ينظر الليبراليون!!!

 

وانطلاقاً من المفاهيم السابقة ايضاً، يصر فقهاء الليبرالية على ضرورة فصل الاسلام عن حياتنا لعدم صلاحيته. اما الدليل "الخطير" على ذلك, فيقدموه لنا على هيئة طلسم, علينا نحن المسلمين السذج ان نفكه او نبلعه. فقد اعتبر الليبراليون ان بعض الحكومات التي تظهر تقديراً واحتراماً لاركان الايمان واركان الاسلام وقوانين الاحوال الشخصية وكل ما يخص الامور التعبدية, نموذجاً للدولة الاسلامية، وكلما مارست هذه الانظمة ماتيسر من عنف واضطهاد وتعذيب وكبت للحريات وتوجيه للفتاوى, اتخذ الليبراليون من هذه الممارسات دليلاً على عدم صلاحية الاسلام كقاعدة لتأسيس دولة. وذلك بالرغم من ان بعض هذه الانظمة الملكية او العسكرية او الجمهورية.. في الخليج العربي.. او الشمال الافريقي.. او في اسيا او افريقيا, تعتبر الاسلام عدوها الاول.. وبعضها يحترم جزئية من الاسلام ويتغاضى عن غيرها.. وبعضها لا يطيق سماع لفظة الاسلام.. وبعضها - كما ذكرنا- يظهر درجة اعلى من التقدير والاحترام  لشعائر الاسلام, فكيف يتهم الاسلام بممارسات قامت استناداً على فكر او نظام او رؤية سياسية اخرى. ولا يسعنا امام هذه المنهجية الليبرالية التي استطاعت ان تربط بين الاسلام السياسي وممارسات الانظمة العربية القائمة, الا نقف عاجزين امام هذا الطلسم  ونقول بكل استسلام (.. وفوق كل ذي علم عليم.. يوسف/76).

 

امتنا ليست فقط امة قانون.. بل امة القانون..

 

 ثم ان الليبراليين يدندنون، وبنفس اساليب السخرية- حول خلو الفكر الاسلامي من مكونات "المجتمع المدني" و يدندنون حول غياب القانون وحقوق الانسان والحريات العامة بما في ذلك  حقوق المرأة والعدل والمساواة وحرية الرأي والتعبير. يروجون لذلك وكانهم لا يخاطبون المسلمين, بل يخاطبون  التتر عندما كانوا في اوج وحشيتهم, وقبل ان تستوعبهم الحضارة الاسلامية "المتخلفة" ويصبحوا احد مكوناتها ويسلموا جميعاً ويصبحوا خير سند لهذه الامة.

 

 تجاهل الليبراليون هنا – ولا اظنهم من الجهلة- انهم يخاطبون امة صاغ نبيها ميثاق دولة المدينة منذ اكثر من الف واربعمائة عام, والذي نظم به اعقد مجتمع في التاريخ الانساني, جمع خليطاً عجيباً من افكار وطوائف وديانات وعداوات وصراعات قبلية وسياسية وثارات وسفك دماء وانتهاك اعراض  وغزو وسلب، ناهيك عن افواج المنافقين والمصلحيين والانتهازيين وقطاع الطرق, استطاع الحبيب صلى الله عليه وسلم تنظيم هذا المجتمع وتحويله الى مجتمع يسوده الامن والامان والسلام، وذلك في  فترة  وجيزة وببنود محدودة, لكنها محكمة رائعة شاملة ضمتها "وثيقة المدينة". بينما عجزت الامم المتحدة والجامعة العربية ومجلس الامن والمنظمات العالمية والمجتمع الدولي ودول عدم الانحياز ودول الانحياز والعرب واليهود والعجم وحلف الاطلسي ومجالس التعاون ودول الصمود والمغرب العربي والمشرق العربي ودول الخليج، عجزوا جميعهم ولمدة نصف قرن عن حل قضية فلسطين, بل نراها تزداد تعقيدا يوم بعد يوم.. افلم يأن لليبراليين ان يزيلوا شيئاً من هذا الغبش؟ 

 

ولا يفوت الليبراليون، عند الحديث عن حقوق المرأة، التنويه بغضنا واستعبادنا للمرأة، وخاصة امهاتنا واخواتنا وبناتنا وزوجاتنا. فينصحوننا "زادهم الله حرصاً" ان نقلل من ساعات تواجد  النساء في المنزل وان نقلل - بالمرة - من كمية ونوعية ملابسهن، وخاصة في منطقة الرأس والساقين والقدمين. 

 

فالاسلام - حسب التأويل الليبرالي- لا يعترف بحقوق المرأة. يقولون ذلك، بالرغم من ان الاسلام دين  كان اول من امن به امرأة..  واول من استشهد من اجله امرأة.. ودين فيه الجنة تحت اقدام الامهات.. ودين فيه من ربى اثنين او ثلاثة من بناته تربية حسنة دخل الجنة.. ودين النفقة فيه على الرجل حتى ولو  ملكت الزوجة مال قارون.. بل ولها مع ذلك  حقها ونصيبها في الارث.. ودين لم يذكر في كتابنا الكريم الرجل الا ذُكرت معه المرأة ( المؤمنينن والمؤمنات والمسلمين والمسلمات)  ودين يطبق فيه قانون العقوبات على المرأة والرجل بالتساوي.. ودين اوصانا فيه الرسول صلى الله عليه وسلم على الام ثلاثة اضعاف ما اوصانا فيه على الاب.. ودين يمنعنا من ان نتفوه بما يحزن اباءنا وامهاتنا او بما يمس مشاعرهم بسوء ولو بلفظة "اف".. ودين يمنعنا - وفي اغلب الاحوال - من ممارسة الجهاد (ذروة سنام الاسلام) دون ان نستأذن من اباءنا او امهاتنا.. ودين جاء فيه انه لا يهين المرأة الا لئيم..  بل انزل الله سبحانه وتعالى ايات برئت ام المؤمنين.. واستمع الله سبحانه وتعالى الى مجادلة امرأة لزوجها, وانزل سبحانه وتعالى في ذلك ايات كريمة.. ودين اوصانا فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم في احلك ظروف الامة واستعدادها ل