صفحة الدكتور فتحي الفاضلي

 

 

البديل السياسي في

ليببيا و دولة ما بعد

الثورة

 

ثورة الكلمة

 

جذور الصراع في

ليبيا

 

المعارضة الليبية

 

التبعية


اقلام غدرت بهويتنا..

 

ذرفت مؤخراً الدموع على اقلام غدرت بهويتنا.. او غادرتها نهائيا ..ومما زاد الطين بلة.. ان هذه ‏الاقلام.. لم تمس الجلاد.. منذ ولادته حتى يومنا هذا.. بنقطة او فاصلة او همزة.. بل استبدلت.. ‏تلك الاقلام.. الذي هو ادنى بالذي هو خير.. واخذت تصطاد.. بقلوب ميتة.. حوادث مختارة من ‏تاريخنا، لتصنع منها كتب ومجلدات وجبال.. فتحولت تلك الحوادث وبقدرة قادر من حوادث الى ‏تاريخ.


واقول بقلوب ميتة.. لان تلك الاقلام.. تصنع ما تصنع بينما الوطن الذي علمهم كيف ‏يفرقون بين الحرف والحرف.. ينزف دماً.. ويئن تحت وطأة الاستبداد.. يصنعون ذلك.. ومآسي ‏ليبيا لا تُحصى ولا تعد.. ذلك الوطن الذي يحتاج الى كلمة او همسة.. تخفف بعض الالام عن ‏الناس.. فاذا باصحاب هذه الاقلام يوجهون سهامهم.. ورماحهم.. وسيوفهم.. الى عقيدة وتاريخ ‏وتراث هذا الشعب.. ليس ذلك فحسب.. بل انهم يعملون.. كالطاحونة.. دون توقف.. ليصبغوا ‏الاسلام وتاريخ الاسلام اما بالعنف.. او الظلم.. او التخلف.. او الاستبداد.. خدمة لمن؟.. وفي هذا ‏الوقت بالذات.. لا ادري!!


والادهى والامر.. ان هذه الاقلام.. تغض الطرف وبكرم حاتمي.. او ببلاهة تطوعية.. او بغباء ‏مصطنع.. تغض الطرف.. عن ايجابيات التاريخ الاسلامي من جهة.. وعن عنف واستبداد وظلم ‏العلمانية واهل العلمانية من جهة اخرى. ‏


افلم تكن امريكا.. على سبيل المثال.. دولة علمانية عندما قصفت مدن وقرى وشواطيء ليبيا.. ‏فارعبت الاطفال والنساء والشيوخ والعجزة والمرضى والعميان.. الم تكن امريكا دولة علمانية.. ‏ديمقراطية.. تتمتع بمجلس للشيوخ واخر للنواب عندما فعلت فعلتها.. ام ان عمر بن الخطاب ‏‏(رضي الله عنه) كان يقود اسراب الطائرات التي شنت غاراتها على تلك المدن والقرى ‏والارياف.. أتدري هذه الاقلام ان مثل ذلك القصف يندرج تحت اطار "ارهاب الدولة".. تماماً.. ‏كارهاب الدولة الذي يمارسه النظام الليبي.. فامريكا ارادت( ظاهريا) ان تردع النظام الليبي عبر ‏قتل الابرياء الذين
 لا يوافقون اصلاُ على سياسات نظامهم.. وامريكا تدرك ذلك جيداً..


ومع ذلك ‏لم تتوان عن قصف المدن الاهلة بالسكان.. وانظروا.. من جهة اخرى.. الى الدمار الذي يتعرض ‏له اطفال وشيوخ ونساء فلسطين منذ نصف قرن ويزيد.. والعالم العلماني الليبرالي.. برمته.. ‏يتفرج ويؤيد ويبارك ويدعم.. الم يُرمى علماء ليبيا.. في العهد الايطالى.. من الطائرات جوا.. ‏بصورة دورية.. الى ان تتحطم عظامهم.. عبرة علمانية لمن يعتبر.. انسيتم معتقلات العقيلة.. ام ‏ان عثمان ابن عفان (رضي الله عنه) كان يقود الدولة الايطالية التي قتلت وشردت وشنقت نصف ‏سكان ليبيا.. هل كانت تلك الدولة.. دولة اسلامية، هل كان ابوبكر الصديق (رضي الله عنه).. ‏خليفة فرنسا.. عندما فعلت.. فرنسا الحرة.. الديمقراطية.. العلمانية.. الليبرالية.. ما فعلته في ابناء ‏ملتنا.. او ان شئتم ابناء عروبتنا.. او ان شئتم جيراننا.. من الجزائريين..


أيدري اصحاب تلك ‏الاقلام التي تتصيد السقطات في تاريخنا ان القوات المسلحة الفرنسية.. في حادثة واحدة فقط.. ‏ابادت قبيلة باسرها.. بعد ان هرعت تلك القبيلة هرباُ من القوات الفرنسية الحرة.. الى بعض ‏الكهوف في احدى المناطق.. فاوقدت القوات الفرنسية النارعلى مداخل تلك الكهوف واخذت ‏تصطاد بعلمانية وليبرالية منقطعة النظير.. كل من يحاول الهرب من الكهوف.. بسبب الدخان.. ‏اصطادت الاطفال والنساء والرجال والحيوانات.. وابادت القبيلة باكملها.. والجنود يتضاحكون ‏ويتغامزون..


أتدرون ان فرنسا قتلت بالسواطير.. في مذبحة "كبكب".. في مدينة واحدة.. في ‏واقعة واحدة.. خلال سويعات معدودات.. اكثر من اربعمائة عالم.. جمعتهم في مدينة "ابشة" من ‏محتلف انحاء تشاد. نعم.. قطعت الدولة الليبرالية العلمانية الحرة اطرافهم بالسواطير وهم احياء ‏ينظرون.. عبرة لمن يعتبر..

 

ولا اظن اننا نسينا.. لا سمح الله.. فضائع الصرب ضد عشرات ‏الالاف من النساء اغتصبن والعالم الحر.. الليبرالي.. العلماني.. يحاصر البوسنية حتى لا تصل ‏طلقة واحدة الى المسلمين.. بينما تشحن وعلى مدار الساعة.. مئات الاطنان من الاسلحة والقنابل ‏الحارقة والطائرات الماحقة لقتل وحرق ومحق اطفال ونساء ورجال العراق ولبنان وفلسطين ‏وافغانستان.. انسيتم عشرات الملايين.. من البشر الذين اخذتهم محرقة الحرب العالمية الاولى ‏والثانية.. هل قاد هذه الحرب "ابو هريرة" ام "معاوية" ام قادها قوم تحت راية الحاكمية لله.. بل ‏قادتها وخطط لها ونفذتها انظمة علمانية ديمقراطية.. الم تدمر تلك الحرب الاخضر واليابس.. الم ‏تحرق تلك الحرب الحجر والشجر.. الم تاخذ معها.. كما ذكرنا.. عشرات الملايين.. من فصيلة ‏البشر.. ودمرت بسببها دول باكملها.. بما في ذلك ليبيا نفسها..


هل مارس صدام حسين، ما مارسه ‏من قمع وتسلط وارهاب على ابناء العراق تحت راية الحاكمية لله.. ام انه مارس ما مارسه من ‏الفضائع.. وسبب ما سبب من الكوارث.. وهو من رواد فصل الدين عن الدولة.. وهل يمارس ‏النظام الليبي.. كما ذكر بعض الاخوة.. ما يمارسه من سحل وسحق ومحق وقتل وشنق تحت راية ‏الاسلام.. ام ان النظام الليبي من الانظمة التي يعتبر فصل الدين عن الدولة من اهم ثوابته.. بل ‏من اهم هواياته التي يتقرب بها الى الغرب زلفى.. منذ مجيئه حتى يومنا هذا.‏


اكتفي بما اسلفت من نماذج متواضعة جداً.. جداً.. جداً.. من العنف الاستعماري.. والعنف ‏العلماني.. والقتل الليبرالي.. والدمار الشامل.. الذي تمارسه الانظمة الغربية والشرقية التي تفصل ‏الدين عن الدولة.. اكتفي.. لان هذا الامر يندرج تحت باب "ما هو معروف من التاريخ ‏بالضرورة"، واكتفي.. من جهة اخرى.. لانني مهما حاولت في هذه العجالة ان اصور فضائع ‏العلمانية واالليبرالية ضد الشعوب عبر التاريخ القديم والمعاصر.. فسيصيبني الفشل الذريع حتماً.. ‏ولا اريد ان انتقص من هول هذه الفضائع ضد البشر.. الا اذا كانت الاقلام التي تتمتع بالطعن في ‏تاريخنا فقط.. لم يحصل لها الشرف.. بعد.. بالاطلاع على بعض هذه الفضائع "السرية للغاية" ‏لانهم يعيشون في "زحل" حيث لا تصل المطبوعات..  والمسموعات.. والمرئيات. ‏


اما اذا استطاعت بعض الاقلام.. صاحبة القلوب الميتة.. ان تجد مبررات ما.. لـ "جون" ‏و"مايك" و"البرت" و"جورج" واخوتهم.. ومبررات اخرى لقادة العرب وغير العرب.. من ‏الذين لا يطيقون لفظة الاسلام والمسلمين.. ومن الذين يتمتعون بفصل الدين عن الدولة.. اذا ‏وجدت تلك الاقلام او غيرها.. المبررات والاعذار لما مارسه وما يمارسه هؤلاء من عنف.. فهل ‏للمسلمين من نصيب في مثل هذه المبررات.. ولو من باب "اولي القربى اولى بالمعروف".. على ‏اقل تقدير.. الا اذا كان ابوبكر" و"عمر" و"عثمان" و"على" و"ابوهريرة" و"معاوية" ‏والتابعون وتابعو التابعين وخلفاء وامراء المسلمين (رضى الله عنهم) ليسوا من اولي القربى!!

 
امر اخر لا بد ان انوه اليه..‏


فانا لا اتحدث هنا عن الليبرالية.. او الديمقراطية.. او العلمانية.. في حد ذاتها.. بل اقول ان ‏مجموعة المفاهيم التي تشمل العلمانية.. والديمقراطية.. والليبرالية.. وفصل الدين عن الدولة.. لا ‏تعني.. هذه المفاهيم.. ولا تضمن على الاطلاق.. الخلو من العنف.. والارهاب.. والظلم.. والقتل.. ‏والدمار.. والتدمير.. والاعتداء على الافراد والامم.. ظلماً وعدواناُ.. فالرحمة.. لا.. ولم .. ولن ‏توجد تحت اقدام المجتمع العلماني.. الليبرالي.. كما قد يتخيل البعض.‏


نقول ذلك ونحن ندرك ان العنف العلماني لا يبرر العنف الاسلامي، وان اصلاح الممارسات ‏الاسلامية الخاطئة.. ان وجدت.. لا تتم بالانبطاح الى الدمار العلماني.. بل باصلاح ما يمكن ‏اصلاحه ببدائل ووسائل من داخلنا.. تناسب ثقافتنا وهويتنا.. ولا تتم اصلاح هذه الممارسات.. ‏ايضاً.. بترك هويتنا.. والغدر بها.. فمن يغدر بهويته او ينسلخ عنها او عن ثقافته.. فسينسلخ.. ‏بالتالي.. عن تراثه واصالته وقيمه وتقاليده، ويفقد انتماءه لشعبه ومحيطه، ويجد نفسه في دوامة ‏البحث عن هوية اخرى قد تستوعبه دون ان يستوعبها، فيصبح كماً مهملاً، لا انتماء ولا دور له ‏في هذه الحياة، بل يصبح، ضحية.. اخرى.. من ضحايا التقليد الخاوي من الاصالة والتفوق ‏والابداع.. وما خُلقت امتنا الا لتكون مصدراً.. للاصالة.. والتفوق.. والابداع.. والله ولي التوفيق.

 

د. فتحي الفاضلي

__________________

fathifadhli@yahoo.com

ffadhli@hotmail.com