![]() |
|
صفحة الدكتور فتحي الفاضلي |
|
البديل السياسي في ليببيا و دولة ما بعد الثورة
ثورة الكلمة
جذور الصراع في ليبيا
المعارضة الليبية
التبعية |
البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعد "الثورة"
8- الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا اُعلن عن تاسيس "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا" من الخرطوم، فى التاسع من ذي الحجة من عام 1401هـ، الموافق للسابع من اكتوبر، من عام 1981م. واختير الدكتور محمد يوسف المقريف، ناطقا رسميا لها، ثم انتخب كأمينها العام في مايو 1982م، ثم استقال في عام 2001م، ليحل محله، في اغسطس 2001م، الاستاذ ابراهيم عبد العزيز صهد، كأمين عام للجبهة.
وقد اسس الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا نخبة من بينهم: الشهيد احمد ابراهيم احواس، والاستاذ محمود محمد الناكوع، والاستاذ على رمضان ابو زعكوك، والاستاذ عاشور الشامس، والاستاذ ابراهيم عبد العزيز صهد، والاستاذ سليمان عبد الله الضراط.
وتستند "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا" على اربعة منطلقات هي: ان يتم اللقاء داخل الجبهة على اساس وطني، وتكامل العمل الوطني، وشعبية العمل الوطني، والحاجة الى برامج نضال متكاملة.[1]
فاللقاء داخل الجبهة يتم، بناء على المنطلق الاول، على اساس "وطني" لا على اساس "عقائدي" او "حزبي" او "قبلي" او "جهوي". والجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا- بناء على ذلك- ليست حزباً سياسياً.[2] فالجبهة ترى، ان اللقاء على اساس حزبي او عقائدي، يعتبر عائق للنضال، بسبب قلة الليبيين المنتسبين الى احزاب سياسية من جهة، ولعدم وجود احزاب سياسية معترف بها منذ استقلال ليبيا من جهة ثانية، ولتحفظ الدول الاخرى تجاه العمل الحزبي من جهة ثالثة.
وترى "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا"، حسب منطلقها الثاني، اي تكامل العمل الوطني، انها ليست وحدها في الساحة، بل احدى رايات وصيغ النضال، واحدى فيالق الجهاد. فالمجهودات التي تقوم بها القوى السياسية الوطنية الاخرى، بصرف النظر عن اختلاف راياتها، وانماطها الفكرية، والحزبية، والتنظيمية، تعتبر مكسباً لكافة القوى الوطنية باجمعها.[3]
وتفسر الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا منطلقها الثالث، او شعبية العمل الوطني، بان النضال حق وواجب للجميع، وليس حكراً على "نخبة" او "اقلية" او"طليعة".
كما ترى الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، حسب منطلقها الرابع، ان يكون برنامجها برنامجاً متكاملاً، يشمل الجوانب الاعلامية والسياسية والاجتماعية والعسكرية.[4]
وتسعى الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا - استناداً على المنطلقات السابقة - الى اسقاط النظام القائم في ليبيا بالقوة، وتأسيس نظام وطني ديمقراطي دستوري، يستلهم عقيدة الشعب الليبي الاسلامية، وتاريخه، وتراثه الحضاري. على ان يستند هذا النظام على "دستور دائم للبلاد"، يكون من اهم بنوده، الفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية.[5]
وتشمل الديمقراطية، حسب وجهة نظر "الجبهه الوطنية لانقاذ ليبيا"، على حرية العمل السياسي، ونشر الوعي السياسي، وحق تاسيس الاحزاب، والدفاع عن حقوق الانسان، وحرياته الاساسية، كحرية الرأي، وحق التعبير والمساواة. وتسعي الجبهة الى المحافظة على الاستقلال، والوحدة الوطنية، والسيادة الوطنية. كما يعتبر اسقاط النظام بالقوة، خياراً رئيسياً من خياراتها.[6]
اصداراتها..
تصدر الجبهه الوطنية لانقاذ ليبيا "مجلة الانقاذ"، كصوت اعلامي رئيسي لها. وقد صدر العدد الاول منها، فى شوال1402هـ الموافق يوليو1982م. كما اصدرت، بجانب ذلك، كتباً، وكتيبات، ونشرات، وبيانات عديدة، عالجت قضايا مختلفة، من جوانب الصراع ضد النظام في ليبيا.
بل تعتبر "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا"، من التنظيمات الرائدة في كمية المطبوعات التي اصدرتها مقارنة بالتنظيمات السياسية الاخرى.[7] وقد ارفقنا مع هذا العرض، قائمة تضم بعض اصداراتها (انظر المرجع رقم 7). ويأتي على قمة هذه المجموعة، من جانب الاهمية التنظيمية والفكرية، كتابان صدر الاول منهما في1981م، تحت عنوان "اوراق المؤتمر الوطني الاول" وصدر الثاني في1994م، اى بعد ثلاثة عشر عاما، من اصدار الكتاب الاول، تحت عنوان "المشروع الحضاري".[8] كما انشأت "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا"، بجانب ذلك، اذاعة صوتية موجهة، عُرفت باذاعة "صوت الشعب الليبي.. صوت الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا"، بثت في اوائل الثمانينيات من السودان ثم من العراق ثم بثت من تشاد فى اواخر الثمانينيات. واصدرت الجبهة الوطنية بجانب ذلك، اشرطة عديدة مسموعة ومرئية، حوت الشعر والاناشيد والكلمات النضالية، وتسجيلات اخرى تحدثت عن قضايا ومحطات هامة، في مسيرة النضال الليبي المعاصر. ومن بين الاشرطة المرئية التي اصدرتها الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، على سبيل المثال، شريط تحت عنوان "الزنديق.. زندقة القذافي ضد الاسلام". وللجبهة حاليا موقع يمثلها اعلاميا على الانترنيت.
خطابها..
كان خطاب الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، خطاباً تحريضياً مباشراً، تركز حول الجوانب الاخبارية والتحليلية، اكثر مما ركز على الجوانب الفكرية والعقائدية.
وقد دار خطاب الجبهة، السياسي والاعلامي، حول قضايا اساسية، يمكن تلخيصها في ان النظام القائم فى ليبيا نظام ارهابي، يمارس الارهاب، وينشر الفوضى، والاضطراب، والفساد السياسي، ويبدد ثروة ليبيا على مشاريع فاشلة من جهة، وعلى فئة مقربة من النظام من جهة اخرى، وان الاحداث والوقائع من حروب وفشل وتخبط وفوضي، يقف ورائها معمر، وان ليبيا تحكمها عصابات تحيط بمعمر، وان بين هذه العصابات صراعات على مراكز القوى.
كما احتل الصوت الاسلامي، مساحة واسعة من ادبيات ومطبوعات الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، مقارنة بالتنظيمات الاخرى، لكنه لم يكن خطاباً يدعو، بالرغم من كثافته، الى اقامة الدولة الاسلامية.
مسيرتها..
انضمت الى "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا"، اغلب القوى الليبية الثقافية والسياسية والعسكرية والمالية المتواجدة في الخارج، وكان من ضمن هذه القوى، وزراء سابقون وسفراء ومثقففون وكتاب وعسكريون، تدعمهم قاعدة طلابية عريضة متحمسة ومدركة، لطبيعة الصراع، ضد النظام في ليبيا، مع قوى مالية لا باس بها نسبياً. فأصبحت "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا"، بهذه الذخيرة البشرية والامكانيات المادية، ذات ثقل لا يستهان به بين التنظيمات الاخرى، وخاصة في فترة الثمانينيات.
وكان من بين منتسبي الجبهة، بجانب ذلك، كتلة لا باس بها من قيادات وقواعد التيار الاسلامي. بل ان اغلب مؤسسي وقادة وكتاب ورموز الجبهة، كانوا محسوبين (ولو تاريخياً) على التيار الاسلامي تنظيمياً، او سلوكياً على اقل تقدير. وقد اكتسبت تلك الشخصيات، بجانب طبيعة انتمائها وسمعتها الطيبة، وسيرتها العملية في ليبيا، رصيداً طيباً من العلاقات الاجتماعية، في الداخل والخارج.
واصبح خطاب الجبهة الاسلامي، نتيجة لذلك، خطاباً مقبولاً لدى عامة الناس في ليبيا، واصبح للصبغة الاسلامية، معالم واضحة عبر منشورات وادبيات ووسائل اعلام الجبهة، وخاصة من الفترة التي اعقبت تأسيس الجبهة مباشرة، وحتى عام 1985م . فلم تتجاهل الجبهة، ولم تهاجم عبر خطابها السياسي، والاعلامي، الاسلام ودوره في التغيير. بل ان الكثير من ادبيات الجبهة ومنشوراتها، تصب في قالب اسلامي بحت. وذلك على عكس مطبوعات الكثير من التنظيمات الاخرى، التي اما انها هاجمت الاسلام، او تجاهلته، او اعتبرته عاملاً ثانوياً من عوامل التغيير. وذلك باستثناء التنظيمات الاسلامية والمجموعات الملكية. ولم تتبنى الجبهة، بالرغم من كثافة الصوت الاسلامي في ادبياتها، طرح اسلامي معين، ولم تدعو ايضا الى تاسيس دولة اسلامية في ليبيا بديلا عن النظام القائم.
وهكذا، كانت طبيعة اغلب المؤسسين والمنتسبين من جهة، وخطاب الجبهة تجاه الاسلام، من جهة اخرى، سبباً مباشراً في اقبال كتلة عريضة من الليبيين، المتواجدين في الخارج على الانضمام الى الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا. خاصة وقد تزامن ذلك مع هجوم او اقصاء او استثناء او تجاهل كثير من التنظيمات السياسية الليبية المعاصرة للاسلام، وبطريقة مباشرة، ورعناء، وساذجة، احياناً. فوجد الشباب الذين ساءهم تهجم النظام في ليبيا على الاسلام، واساءهم خطاب بعض التنظيمات تجاه الاسلام، وجدوا في صوت الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، حلاً وسطاً بين دعوات الانتماء الى الاسلام السياسي، وبين الدعوات المضادة للطرح الاسلامي.
ولم يشجع خطاب الجبهة هذا، دعاة اليسار ودعاة القومية، وباقي القوى التي تنضوي بصفة عامة تحت مصطلح "التقدميين"، على الانخراط في صفوف الجبهة. كما لم يلاق خطاب الجبهة، قبولاً لدى قطاع عريض من الاسلاميين ايضاً.
وفيما يخص تعاملها مع النظام، فقد تبنت الجبهة، اسلوباً تصادمياً مباشراً، اعلامياً وسياسياً وعسكرياً، مستخدمة في ذلك رصيدها من الطاقات البشرية من جهة، وعلاقاتها التي امتدت الى اكثر من دولة، من جهة اخرى. خاصة وقد فتح هذا الرصيد البشري وهذه العلاقات الطيبة، باب الدعم للجبهة، من قبل دول وانظمة عديدة في المنطقة، وعلى رأسها السودان، وبالذات في بداية تأسيس الجبهة.
ولم تكن علاقات الجبهة، مع بعض الدول، علاقات سطحية، بل علاقات جادة، كان هدفها الاطاحة بالنظام القائم في ليبيا. فقد وصل نتاج بعض هذه العلاقات، الى القيام بعمليات عسكرية، نُظمت بالتعاون مع تلك الاقطار ومع تلك الشخصيات.
فقد اعلن عن تاسيس الجبهة من "الخرطوم"، وساعد السودان، في عهد الرئيس جعفر النميري، الجبهة، بامكانيات مدنية وعسكرية. وسمح لها بانشاء مكاتب ومعسكرات لتدريب فدائييها، مما ساعد على تأسيس جناحها العسكري. ليس ذلك فحسب، بل سمحت السودان بانشاء اذاعة موجهة (اذاعة صوت الشعب الليبي.. صوت الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا)، كانت تبث عبر موجات عديدة الى ليبيا. كما صرح الرئيس "جعفر النميري" في ذلك الوقت قائلا: "ان الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، هي اصلح من يقود ليبيا".[9] وتكبدت السودان متاعب جمة من جراء دعمها اللامحدود للجبهة. وصلت قمة هذه المتاعب الى قصف مدينة "ام درمان" في1984م.[10] واستمر دعم السودان للجبهة، بالرغم من ذلك، الى ان سقط نظام الرئيس "جعفر النميري".
وقدمت المملكة المغربية، وتزامناً مع السودان، كافة التسهيلات للجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، منها استضافة "المجلس الوطني الاول" للجبهة، والذي انعقد في "الرباط" في عام1981م. واستمرت علاقة الجبهة، مع المملكة المغربية، حتى عام 1982م، اي حتى اتفاقية او صفقة "وجدة" التي سلم الحسن الثاني (امير المؤمنين) قبلها او اثنائها، الاستاذ "نوري الفلاح" و"الرائد عمر المحيشي"، الى السلطات الليبية، كشرط لا ثبات حسن النوايا تجاه اتفاقية "وجدة". وقام النظام الليبي من جانبه، وكرد لجميل النظام المغربي، بوقف الدعم عن جبهة "البوليزاريو"، بل ويرجح انه قام، بتسليم بعض اعضاء جبهة "البوليزاريو" او قام على اقل تقدير، بتسريب معلومات حساسة عنها، للنظام المغربي. والمهم هنا، ان العلاقة بين الجبهة وبين المملكة المغربية، انتهت نهاية مأساوية، بدأت، هذه النهاية، مع بداية الحديث عن اتفاقية "وجدة" بين ليبيا والمغرب.
كما استقبل المؤتمر الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفداً من "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا"، اثناء انعقاد الدورة السابعة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني، والذي انعقد في الفترة من 22 الى 29 نوفمبر1984م في الاردن، والقى فيه امين الجبهة، في ذلك الوقت، الدكتور محمد يوسف المقريف، كلمة، كما اجرى مباحثات مع" ياسرعرفات" رئيس المجلس في ذلك الوقت.[11]
وفي الثامن من مايو من عام 1984م، اندلع صدام عسكري بين قوات النظام في ليبيا، ومجموعة من فدائي "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا"، عُرفت باسم "مجموعة بدر" ضمت كل من: خالد علي يحيى امعمر، وعبد الناصر عبد الله الدحرة، ومجدي الشويهدي، وسالم ابراهيم القلالي، ومصطفى الجالي ابو غرارة، ومحمد ونيس الرعيض، وجمال محمود السباعي، ويحي علي يحي امعمر، ومحمد هاشم الحضيري، وعبد الله الماطوني، وسالم طاهر الماني. وانتهى هذا التصادم المسلح، باستشهاد "مجموعة بدر" بعد معركة عنيفة مع قوات النظام، كما نجا ثلاثة من المجموعة المذكورة، قبض النظام على واحد منهم، واستطاع اثنان (سالم الحاسي وكمال الشامي) الهرب. واصبح شهداء هذه الموقعة يعرفون بـ "شهداء مايو"، كما اصبحت المعركة تُعرف بـ "معركة باب العزيزية".
وبدأت انظمة كثيرة تنظر الى "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا"، بعدعملية مايو1984م، نظرة جادة، فقد وفرت هذه العملية رصيدا طيباً، على المستوى الداخلي (داخل الجبهة)، واصبحت عملية مايو، محرك ودافع "للجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا"، حيث رفعت الهمم، وولدت شيئاً من الامل، واصبحت وقوداً، سارت به الجبهة اكثر من عقد من الزمان. اما على المستوى الدولي، فقد بدأت انظمة كثيرة تنظر الى الجبهة، نظرة جادة، حيث رأت فيها قوة، يمكن التعاون معها، لاسقاط النظام في ليبيا.
وبعد مرور عام على احداث مايو، فتحت الجزائر ابوابها للجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا. فحشدت، الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، فدائييها في معسكرات في الجزائر، كجزء من خطة كانت ترمي الى الاطاحة بالنظام الليبي. وقد بدأ هذا التحرك لذي اصبح يعرف بـ"مشروع الجزائر"، في سبتمبر1985م، وانتهى في ديسمبر من نفس العام. وربما تم التوصل في ذلك الوقت الى اتفاق على اسقاط النظام من قبل الجبهة ومن قبل المنطقة (مصر والجزائر وتونس ودول اخرى غير عربية)، لكن يبدو ان هذه الدول لم تتفق على تفاصيل وحيثيات اخرى، حول البديل السياسي، الذي سيحل محل النظام الحالي دون ان تفقد، هذه الدول، مصالحها في ليبيا. ففشل بذلك مشروع الجزائر، بعد ان توقعت بعض الانظمة ضياع مصالحها، اذا تم التغيير بصورة مغايرة لما تريد.
ثم فتحت تشاد في عهد "حسين حبري" اراضيها "للجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا"، فوضعت الجبهة قواتها على الحدود بين ليبيا وتشاد، وكان النظام الليبي يغير من ولائه للقادة الذين تعاقبوا على تشاد، والذبن كانوا ينتقلون، في لمح البصر، من خانة الصديق الودود الى خانة العدو اللدود. وحشدت الجبهة فدائييها على الحدود بين ليبيا وتشاد، في فترة كان حسين حبري يسيطر فيها على الاوضاع هناك. وبعد هزيمة النظام في ليبيا، امام القوات التشادية واسر المئات من الليبيين نتيجة لهذه الهزيمة، ضمت، الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، جزء من الليبيين الذين اسرتهم القوات التشادية، الى قواتها الاصلية، وهي قوات جيش الانقاذ الوطني، والذي رابط لمدة اربع سنوات (من 1986م الى1990م) على حدود تشاد، في انتظار تنفيذ خطة ما، ربما كانت ترمي اما الى الدخول الى ليبيا، او الى القيام بعمل ما، يؤدي الى اسقاط النظام القائم. لكن انتصار "ادريس دبي"، الموالي للنظام الليبي على "حسين حبري" في اواخر1990م، واقتحام القوات المسلحة الموالية للنظام في ليبيا لتشاد، وهروب "حسين حبري" وخروج "قوات الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا" من تشاد، وضع حداً لمشروع الجبهة في تشاد.
كما تطور التقارب بين الجبهة الوطنية والنظام العراقي. وتوج هذا التقارب سياسياً، بعقد المؤتمر الوطني الثاني للجبهة في "بغداد"، وذلك في عام 1984م. وتوج عسكرياً، بتزويد "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا" بعتاد عسكري عراقي، اثناء رباطها في تشاد. كما توج اعلامياً، بانشاء اذاعة موجهة، تبث ضد النظام الليبي، من العراق. ونتج عن هذا التقارب، او ترتب عليه، اشتراك "الحركة الوطنية الليبية" او مجموعة البعث الليبي، في مشروع "تشاد". وعلى كل حال، فقد انتهت العلاقة، او جُمدت، بين الجبهة والعراق، قبيل واثناء وبعد حرب الخليج (الاولى)، بسبب الظروف التي مرت بها العراق من جهة، ولتغيير مواقف كل من العراق وليبيا، تجاه احدهما الاخر من جهة اخرى.
وفتحت، بجانب ما سبق، دول عربية، واخرى غير عربية، ابوابها للجبهة، وسهلت لها الكثير من الامور، من ضمنها، افتتاح مكاتب للجبهة، في تلك البلدان.
كما عقدت الجبهة الوطنية مؤتمريها الوطنيين الثالث (دالاس،1993م) والرابع (اطلانتا،1994م) في الولايات المتحدة الامريكية. كما ساهمت الولايات المتحدة الامريكية، في نقل افراد الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، جواً من تشاد، وذلك اثناء، وعقب، انتصار ادريس دبي، الموالي للنظام الليبي. فقد تعرض اعضاء الجبهة، مدنييها وعسكرييها، بعد انتصار دبي، الى احتمال الوقوع في الاسر، وبالتالي احتمال تصفيتهم او تسليمهم الى القوات الليبية، المساندة لادريس دبي، فقامت القوات الامريكية، بنقلهم الى عدة دول افريقية، منها النيجر وكينيا وزائير، ثم نقلهم من هذه الدول، الى الولايات المتحدة الامريكية، التي استقبلت الاسرى بعد تعرضهم، لاحتمال تسليمهم الى السلطات الليبية كصفقة من الصفقات البشرية، التي تميز بها هذا العصر.
وكانت "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا"، بجانب ذلك، على اتصال مع قادة ومخططي انقلاب اكتوبر، 1993م. الذي عُرف بـانقلاب "بني وليد" اوانقلاب "ورفلة"، والذي يحتاج الى وقت اطول لتحليل وقائعه واحداثه ونتائجه. ولم يكتب النجاح لهذا الانقلاب، الذي شاركت فيه مجموعة كبيرة من المدنيين ومن ضباط القوات المسلحة، قبض عليهم في12 اكتوبر1993م، وحوكموا امام محكمة عسكرية عام 1995م، ثم اعيدت محاكمتهم امام محكمة عسكرية اخرى، في اواخر ديسمبر1995م، وصدرت احكام بالاعدام على ثمانية منهم، اعلن في 2 يناير 1997م عن اعدامهم وهم: العقيد مفتاح قروم الورفلي، العقيد مصطفى ابو القاسم مسعود الككلي، المقدم سعد صالح فرج، الرائد خليل صالح محمد الجدق، الرائد مصطفى اهبيل الفرجاني، الرائد رمضان العيهوري، وسعد مصباح الامين الزبيدي، وسليمان غيث مفتاح. كما حكم بالسجن على علي فرج زايد (مدرس) وفتحي حامد الزريبي (طيار) والمقدم شتيوي المبروك والوافي نبيه (سفير سابق) وجمعة شلفيط (مدرس).[12]
وهكذا..
كانت طبيعة خطاب الجبهة، ورصيدها البشري، واستجابة هذا الرصيد الى مشاريع وبرامج الجبهة، الاعلامية والسياسية والعسكرية، من العوامل الرئيسية التي دفعت جملة من الانظمة، الى ان تنظر الى الجبهة نظرة جادة . فتلقت الجبهة بسبب ذلك، دعماً مكثفاً واحتلت نشاطاتها ساحة المعارضة السياسية عبر وقائع واحداث عديدة ذكرنا منها: احداث مايو، ومشروع الجزائر، ومشروع تشاد، وانقلاب اكتوبر1993م.
لكن هذا التنظيم..
الذي ضم اكثرية القوى الوطنية.. والذي لم يهاجم الاسلام.. والدي صبغ خطابه بوزن اسلامي فاق غيره من التنظيمات الوطنية.. والذي امتدت علاقاته مع شخصيات ودول عربية واجنبية عديدة.. والذي تبنى الحل العسكري للاطاحة بالنظام.. والذي اكثر من المشاريع العسكرية.. والذي رفع شعار الاطاحة بالنظام كحد ادنى..
هذا التنظيم..
لم يخل من الهزات التي هددت اركانه.. فقد بدأت "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا" مسيرتها، بانشقاق حاد، قبل ولادتها، حيث انسحبت كتلة من اعضاء "الجماعة الاسلامية الليبية" (تنظيم الاخوان المسلمين حاليا)، من مشروع، كان يرمي الى اعتبار الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، واجهة لعمل اسلامي، ينضم تحت لوائه اغلب القوى الاسلامية الليبية، والمتمثلة في اعضاء "الجماعة الاسلامية الليبية" (في ذلك الوقت)، واعضاء "الحركة الاسلامية الليبية"، واعضاء اخرون، لا ينتمون الى اي من التنظيمين الاسلاميين. وعندما اُعلن عن تنظيم الجبهة، كتنظيم وطني مستقل، انسحب اعضاء الجماعة الاسلامية الليبية، فحدث بذلك اول انشقاق جماعي، تتعرض له الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا، وكان ذلك في عام1981م.
وتمثلت الهزة الرئيسية الاخرى، في انطلاق احداث مايو1984م، قبل ساعة الصفر المحددة لها، وبعد استشهاد "احمد احواس"، مؤسس الجناح العسكري "للجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا". ليس ذلك فحسب، بل ربما اندلعت احداث "مايو" بصورة مغايرة لما خطط لها اسلوباً وتوقيتاً. فلم تكن المجموعة تنوي الاصطدام مع النظام بالصورة التي حدثت، بل ان |