صفحة الدكتور فتحي الفاضلي

 

 

البديل السياسي في

ليببيا و دولة ما بعد

الثورة

 

ثورة الكلمة

 

جذور الصراع في

ليبيا

 

المعارضة الليبية

 

التبعية


البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعد "الثورة"

 

5- الجماعة الاسلامية الليبية

 

لم تنته السبعينيات حتى اعلن في 1979م، عن تأسيس "الجماعة الاسلامية- ليبيا"، وذلك استجابة لضرورة التمكين والاستخلاف واستجابة لسنن الصراع بين الحق والباطل وبين اولياء الله واولياء الطاغوت، واستجابة لقوله تعالى (ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر... آل عمران/104). ومنذ 1993م اصبحت "الجماعة الاسلامية- ليبيا" تُعرف باسم "الجماعة الاسلامية الليبية" (الاخوان المسلمون - ليبيا حاليا).  

 

والجماعة الاسلامية الليبية امتداد للحركة الاسلامية التى أسسها الشهيد "حسن البنا" (رحمه الله)، وثمرة للصحوة الاسلامية المعاصرة، فهي لذلك تتبنى منهج جماعة "الاخوان المسلمين".

 

وقيادة الجماعة قيادة غير معلنة (في فترة السبعينيات والثمانينيات)، وذلك كغيرها من التنظيمات الاسلامية، ولكن ورد فى ادبياتها ومطبوعاتها، بالرغم من ذلك، اشارات الى شخصيات مثلت الجماعة كمسؤولين او متحدثين في مؤتمرات ومناسبات اجتماعية وسياسية ودعوية عديدة. نذكر من هؤلاء، على سبيل المثال، الشيخ الشهيد محمد بن غالي رحمه الله، والذي مثل الجماعة فى لقاءات ومؤتمرات عامة وخاصة[1]، والاخ "محمد الحفصي" الذي ورد في احد اعداد مجلة "المسلم" (لسان حال الجماعة الاسلامية) كممثل للجماعة، وقد ورد اسمه ضمن بيان صدر بخصوص اغتيال الشيخ الشهيد "المبروك غيث المدهون" (رحمه الله)[2] كما ورد كذلك اسم الاخ "رشيد المنتصر" كمسؤول عام للجماعة الاسلامية الليبية وذلك ضمن حوار اجرته معه مجلة "المسلم" حول حرب الخليج ومؤثراتها وتاثيراتها .[3] كما برز الاستاذ عبد الله ابوسن ممثلاً للجماعة في مناسبات اخرى عديدة .[4] 

 

منطلقات الجماعة ومبادؤها واهدافها

 

تؤمن الجماعة الاسلامية الليبية، كما جاء في ادبياتها، ان الاسلام دين ودولة، فتؤمن به منهجا متكاملاً للفرد والاسرة والمجتمع والدولة، لا يحده مكان ولا زمان. وتؤمن به تشريعاً ودستوراً وفكراً وتنظيما، انطلاقا من قوله تعالى "ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الاخرة من الخاسرين.. آل عمران/85". وتؤمن الجماعة ان الحاكمية لله وحده، لا حاكمية طبقة اوجماعة او فرد. 

 

فغاية "الجماعة" ان تمكن للاسلام دينا ودولة،[5] كما اراده الله سبحانه وتعالى. فازالة النظام الحالي، واقامة نظام اسلامي راشد بدلاً منه يعتبر، لذلك، واجبا شرعيا يجب القيام به.

 

كما ان محاربة النظام للاسلام، وانكاره للسنة، وتنكيله بالدعاة، واستهتاره بالقيم والاخلاق، ومصادرته للحريات، واضطهاده للناس، واستهتاره بكرامتهم،التي وهبها الله سبحانه وتعالى لهم، تعتبر من الدوافع الاساسية التي دفعت الجماعة الى معاداة النظام والوقوف ضده.[6]

 

وتؤمن الجماعة بان ليبيا جزء لا يتجزأ من الامة الاسلامية، تتاثر وتتفاعل، سلبا او ايجاباً، بما يدور فيها من احداث وقضايا . فيكون واقع الانحطاط الذي تمر به الامة الاسلامية هماً اخر من هموم الجماعة.[7]

 

وتعتبر الجماعة ان النظام فى ليبيا نظام محارب للاسلام، ومصادر للحريات، ومضطهد  للشعب. وترى ان منع الاحزاب، والهيمنة على القضاء، وعلى المؤسسات، والاتحادات، والنقابات، وقمع الحريات، واغتصاب حقوق الانسان، والتعصب الجهوي، ومنع التجارة، وتأميم الاموال، ومصادرة الممتلكات، وسرقة وبعثرة اموال ليبيا، والرشوة والوساطة، وتحطيم الاسرة، ونشر الفاحشة، والرذيلة، وانتهاك حرمة البيوت، واقتحامها، وتعذيب الناس، والقوانين الظالمة، اسباب شرعية لمعاداة النظام، ومحاربته، واحلال البديل الراشد بدلاً منه.[8]

 

ولتحقيق ذلك، تعمل الجماعة على نشر الوعي الاسلامي، والدعوة الى وحدة المسلمين، ونبذ الخلافات، والقضاء على اسباب الفرقة، واعداد القوة التي تشمل، بالاضافة الى العدة والعتاد، بناء الانسان المؤمن القوي، ليشارك في بناء الامة، ويشارك في التنافس الحضاري القائم بين مختلف الحضارات. وبذلك تقدم الجماعة، الاسلام بديلاً حضارياً للعالم.[9]

 

وتدرك الجماعة ان اهدافها هذه، لن تتحقق الا ببناء الفرد المسلم، والاسرة المسلمة، عقائديا واخلاقياً وحركياً، حتى يمكن الوصول الى مجتمع اسلامي، تظلله عدالة سماوية، تفوق العدالة البشرية. على ان يحمي هذا المجتمع، نظام يسوده العدل والحرية والامن والرخاء والمساواة والامان. ونظام يدعو الى التحرر من التبعية السياسية، والعسكرية، والاقتصادية. ويقيم علاقاتة الدولية على اساس المسالمة والمودة بينه وبين من لا يحاربونه، ولا يحادونه، ولا يؤذون رعاياه من المسلمين. ونظام، يرى كذلك، ان حقوق الانسان وحريته يجب ان تنبع من روح واساس النظام نفسه، فيكفل بذلك فتح المجال لتعدد الاراء، والاجتهادات، وحرية الصحافة، وحق التعبير، وحرية الكلمة، المسموعة، والمقرؤة.[10] ونظام سياسي يتم تبادل السلطة فيه سلمياً، كما يتم فيه الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.[11]

 

ثم نظام يضمن التكافل الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية، التي ترفض ان تكون هناك شخصية او اسرة او جهة او قبيلة او جماعة مقدسة فوق القانون . بل يكون، لجميع المسلمين، حقوق وتبعات متساوية بدون تمييز، بالاضافة الى حماية حرية العقيدة وحرية العبادة حتى لغير المسلمين، مع ضمان وحماية حق المواطن في الثروة العامة.[12]

                      
خطابها

 

ركز خطاب "الجماعة الاسلامية الليبية" على تاريخ الاسلام ومسيرته المعاصرة في ليبيا. واهتمت  الجماعة بمحنة الاسلام والمسلمين فى ليبيا، ودعمت وتعاطفت مع مواقف الاحزاب والجماعات والتيارات والشخصيات الاسلامية، كالشهيد الشيخ "محمد البشتي" والشهيد الشيخ "المبروك غيث المدهون" والشهيد "محمد مصطفى رمضان" والشيخ "الطاهر الزاوي" والشيخ "علي يحيي معمر" وابنائه. بالاضافة الى تعاطفها مع منتسبي التيارات الاسلامية الاخرى، كحزب التحرير، وجماعة الدعوة والتبليغ، وغير ذلك من التيارات الاسلامية . كما ركز خطاب الجماعة على عالمية الاسلام، عبر استعراض ساحات العمل الاسلامي في العالم.

 

وابرزت الجماعة الاسلامية الليبية، على صفحات صوتها الرئيسي مجلة "المسلم"، قضايا حساسة للغاية كالـ"الحل الاسلامي" و"الصحوة الاسلامية" و"تبعية الامم" و"حملة الغرب على الاسلام" و"سقوط الخلافة" و"الماسونية" و"الاستشراق" و"فقه الدعوة" و"مفهوم الدولة فى الاسلام" و"اركانها" و"خصائصها" و"اهدافها" و"غاياتها" و"وظيفتها"، وغطت، اخبارياً وتحليلياً، مسيرة الجهاد والمجاهدين في فلسطين وافغانستان والشيشان وكشمير وليبيا، بالاضافة الى قضايا الاسلام في المغرب وتونس ومصر والسودان وغيرها من بلاد الاسلام.

 

وتطرقت الى ممارسات الانظمة ضد الاسلام والاسلاميين، وحاربت، فوق ذلك، الاتجاهات المضادة للاسلام والمسلمين، كالاشتراكية والشيوعية والقومية وغيرها من الافكار والمناهج والاتجاهات.

 

ونشر اعلام الجماعة ابحاث ومقالات ومقابلات لقيادات وعلماء واساتذة الاخوان المسلمين، كالشهداء "حسن البنا" و"سيد قطب" و"عبد القادر عودة" والشيخ "ابو الاعلى المودودي" و"عمر التلمساني" و"يوسف العظم" رحمهم الله جميعاً. فطرحت افكارهم، وآراءهم، وقدمت لكتبهم، على صفحات "المسلم"، وخاصة "في ظلال القرآن" للشهيد "سيد قطب" و"الاسلام بين جهل ابنائه وعجز علمائه" للشهيد "عبد القادر عودة" و"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" لـ"ابي الحسن الندوي" و"الماسونية" و"الاسلام فكرة وحركة وانقلاب" للاستاذ "فتحي يكن". ونشرت الجماعة، بجانب ذلك، مقابلات عديدة مع قيادات ومفكرين وكتاب وعلماء اسلاميين، لا ينتمون لجماعة الاخوان المسلمين.

 

تطور خطاب الجماعة

 

سيطر على خطاب الجماعة في اواخر السبعينيات الصوت الوعظي المباشر. ثم قللت الجماعة من ذلك في اواسط الثمانينيات واواخر التسعينيات ورجحت، بدلا من ذلك، الجانب السياسي، بالاضافة الى فتح ابواب مطبوعاتها امام تنظيمات وشخصيات ذات فكر ومنهج ورؤى تختلف عن فكر ومنهج ورؤى الاخوان المسلمين.[13]

 

اما خطاب الجماعة تجاه الاحزاب والجماعات الاسلامية الاخرى، كالتحرير والتبليغ والتيار الجهادي، وغيرها من الهيئات، والشخصيات الاسلامية، فقد كان خطاباً موضوعياً يغلب عليه مزيج من المباركة والتعاطف، ولكن دون تبني وسائل واساليب تلك الاحزاب والجماعات والشخصيات.

 

ويمكن لمس ذلك من خلال التغطية الاخبارية الايجابية، لمحن ونشاطات وتحركات منتسبي التيار الاسلامي الليبي باختلاف اتجاهاتهم ومناهجهم. ويظهر ذلك ايضاً، عبر مشاركة تلك الجماعات والافراد الامهم ومعاناتهم مادياً ومعنوياً. وكانت الجماعة، بالرغم من هذا التعاطف، حريصة على توضيح وجهة نظرها الخاصة، وبما يناسب منهجها، كلما تطلب الامر ذلك. وتعتبر الجماعة الاسلامية متعاطفة مع شباب الجهاد في "محنتهم" و"الامهم" و"معاناتهم". ولكن الجماعة  تصر على ان لها رؤية مختلفة في امر الجهاد. فهي ترى ان الجهاد واجب يحتاج الى اعداد وتنظيم دقيقين، ويحتاج كذلك الى تحريك كافة القوى السياسية والاعلامية والمادية والبشرية والعسكرية المتاحة لدعم الجهاد، والقيام بمتطلباته، بل ترى الجماعة ان دراسة النتائج التي قد تترتب على القيام بالعمل المسلح ضد النظام، هو امر لا يقل اهمية عن الجهاد نفسه.

 

وللجماعة مجال متسع للتعامل مع التنظيمات السياسية الاخرى التي لا تتبنى الاتجاه الاسلامي، ولكنها تؤكد في كل مناسبة، انها ذات غايات ووسائل غير محدودة باسقاط النظام[14] .  وتحذر من التعاون، ثم من التورط، مع دول وانظمة قد تكون هي التي جاءت بالنظام الحالي، او هي التي تدعمه وتسانده على الاقل، وتحذر الجماعة من محاولة استغلال او استعمال التنظيمات الاخرى، ولو في مرحلة معارضتها للنظام، كورقة ضغط في ايدي دول وحكومات اخرى . كما تحذر، في خطابها السياسي، من تورط المعارضة مع دول وانظمة، قد تورط ليبيا في تبعية للشرق او الغرب، فتخرج ليبيا من مأزق، لتقع في مازق اعقد منه.  

 
من عوائق الجماعة الاسلامية الليبية

 

تقفز صعوبة التوفيق بين العالمية والقطرية، على قائمة العوائق التي تواجه، او قد تواجه، الجماعة الاسلامية الليبية. ففي ظل انظمة تحارب الاسلام والاسلاميين، وتطعن في الدين، عقيدة وشعائر وسنن واحاديث، وتمارس التسلط والقهر ولاستبداد، وتهضم حقوق رعاياها، وتكتظ سجونها بالابرياء والمظلومين، وتحكم مواطنيها بالحديد والنار، في ظل انظمة مثل هذه، يزداد الضغط على الاخوان المسلمين كي يتفاعلوا مع الواقع، والا سيصبحون، في نظر الشعوب، جماعة تعيش في واقع لا يمت بصلة الى واقع مجتمعهم القطري، فتنعزل عن الناس ويصبح خطابها او صوتها اقرب الى الترف الفكري، منه الى الواقع العملي. وعلى الجماعة ان تصل الى معادلة ما، تجمع بين التفاعل مع الواقع القطري والتعامل معه، دون المساس بمنهجها واستراتيجياتها العالمية . ولعل الجماعة تحاول ان تفعل ذلك، كما قد نلمس من وراء تغيير اسمها من "الجماعة الاسلامية- ليبيا" الى "الجماعة الاسلامية الليبية".

 

والجماعة، من جهة اخرى، وبرغم دعوتها العالمية، لا يحارب منهجها مبدأ الوطنية، فقد تبنت مفهوم الوطنية حسب وجهة نظر الاخوان المسلمين . يذكر احد مسؤولي الجماعة الاسلامية، وعلى سبيل المثال، ان"القومية والوطنية هما من دعامات النصر اذا قاما على اساس العقيدة"[15]. بل تعتبر الوطنية، في فكر الاخوان المسلمين بصفة عامة، وفي فكر الجماعة بصفة خاصة "واجباً اسلامياً". تقول فقرات من مقال نشر في مجلة "المسلم" حول الوطن والوطنية: "ان المسلم وحده هو الوطني، وليس احد اولى منه بهذه الصفة، على اعتبار ان انقاذ اي جزء من وطننا الاسلامي الكبير، هو من صميم الاسلام". واذا كان احد دوافع العمل الوطني هو "حب هذه الارض وألفتها، والحنين اليها، والانعطاف نحوها، فذلك امر مركوز في فطر النفوس من جهة، مامور به في الاسلام من جهة اخرى، وان بلالاً، الذي ضحى بكل شىء في سبيل عقيدته ودينه، هو بلال الذي كان يهتف في دار الهجرة بالحنين الى مكة، في ابيات تسيل رقة وتقطر حلاوة تقول: 

 

                    

الا ليت شعري هل ابيتن ليلة             بواد وحولي اذخر وجليل

وهل اردن يوما مياه مجنة               وهل يبدون لي شامة وطفيل[16]

 

بل وجرى دمع الرسول صلى الله عليه وسلم حنينا الى مكة عندما سمع وصفها من اصيل وقال " يا اصيل دع القلوب تقر".

 

وتقول هذه الفقرات ايضاً "فلا شك ان المغتربين عن بلادهم يشدهم الحنين الى العودة الى تلك الارض الطيبة حيث الاهل والاحبة، وتشدهم العودة الى بيوت تربينا فيها والى مدن وقرى احتضنت طفولتنا وشبابنا، والى مساجد كنا نصلي فيها. ان هذا الحنين الى تلك الشمس الدافئة والهواء النقي وصوت المآذن مدوية "لا اله الا الله"، انه نفس الحنين الذي شد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مكة".[17] تلك كانت فقرات اوردتها كنموذج لما نشرته "المسلم"، لسان حال الجماعة الاسلامية الليبية، حول الوطن والوطنية بالرغم من طبيعة دعوتها العالمية.

 

اما العائق الرئيسي الاخر فيكمن في كثرة اعداء الاخوان المسلمين بصفة عامة واينما كانوا. فهم يطرحون مشروعاً يهدف الى تقديم الاسلام للعالم كدين ودولة، اي انهم يقودون بذلك صراعاً حضاريا، والصراع الحضاري لا يرتبط بجيل او زمن او عصر محدد، ولا يرتبط باحداث او وقائع انية . والاخوان المسلمون يورثون "فكرتهم" و"منهجهم" من جيل الى جيل، مما يحقق عامل الاستمرار (احد اهم عوامل التطور والنمو)، فيصنعون، بذلك، جسراً فكرياً وثقافياً يربط بين مختلف لاجيال. ولان قطع الجسور بين اجيالنا، وعزل ماضيها عن حاضرها ومستقبلها، ولو فكرياً او ثقافياً، من اهم استراتيجيات الغرب والشرق، حتى يبدأ كل جيل من الصفر، بدلاً من ان يكمل مشوار الجيل السابق له، فتنقطع بالتالي عوامل النمو والتطور، وتعود جماعتنا ومجتمعاتنا وبلداننا بل وامتنا الى الوراء، كلما حاولنا ان نتقدم خطوة، فلا تقوم لنا بذلك قائمة.

 

ادى الصراع الحضاري (عبر الربط الفكري او الثقافي بين الاجيال) الى كثرة، بل الى تكاثر اعداء الاخوان المسلمين اينما وجدوا، بما في ذلك ليبيا، فالجميع ينظر اليهم (او الى فكرتهم على اقل تقدير) كعدو "استراتيجي" لا كعدو "مؤقت"، مما اوجد اجماعاً على ضرورة محاربتهم وضربهم باستمرار، مارست تلك الجماعة نشاطات مضادة لتلك الانظمة، او لم تمارس، فاعداء الجماعة يتحسبون جداً من تاثيراتها المستقبلية.

 

ادى ذلك، وكنتيجة متوقعة، الى كثرة الضربات التي تعرض لها الاخوان المسلمون في العالم، دون ان يحملوا سلاحا، ودون ان يقاتلوا. فنسمع لذلك، ومن حين الى اخر، وبصورة دورية، عن حملة اعتقالات، تعرض لها الاخوان المسلمون، في قطر ما من اقطار العالم الاسلامي، دون سبب. ومن امثلة ذلك، الحملة التي تعرض لها الاخوان المسلمون في ليبيا، عقب احداث مايو 1984م، والتي اصطدمت فيها مجموعة فدائية تابعة "للجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا" مع قوات النظام في ليبيا . تعرض الاخوان المسلمون بعد احداث باب العزيزية، الى اعنف حملة اعتقالات، صاحبها هجوم اعلامي مكثف، كهجوم عبد الناصر على تنظيم الاخوان، عقب المحاولة الوهمية لاغتياله والتي عرفت بمحاولة المنشية.[18] جرت تلك الحملة مع علم النظام وادراكه، ان "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا" كانت وراء احداث مايو. اما الواقعة الثانية التي تثبت ان الجماعة مستهدفة باستمرار من الداخل والخارج، سواءً مارست الجماعة اعمال عنف او لم تمارس، فتتمثل في حملة الاعتقالات العنيفة التي تمت عقب محاولة الاغتيال التي تعرض لها  معمر على يد "الجماعة الاسلامية المقاتلة- ليبيا" في يونيو 1998م، مع علم النظام وادراكه، مرة اخرى، ان التيار الجهادي وراء محاولة الاغتيال المذكورة.[19]  مما يؤكد ان الجماعة على قائمة المطلوبين بصورة دائمة وان حملات الاعتقال تتم كلما تهيئت الظروف لذلك.

 

اصدارات

 

تصدر الجماعة الاسلامية الليبية مجلتها المركزية "المسلم" والتي نشر العدد الاول منها فى سبتمبر 1980م. وهي اول مجلة اسلامية ليبية تصدر ضد النظام العسكري. كما تصدر الجماعة نشرة دورية باسم "ليبيا.. لسان حال الشباب المسلم" بالاضافة الى عدة منشورات وبيانات ومطبوعات مختلفة اخرى. واصدرت الجماعة بجانب كل ذلك مجموعة من الاشرطة المسموعة والمرئية تحدثت فيها عدة شخصيات اسلامية ليبية، من بينها بعض الشيوخ والائمة الافاضل كالشيخ الشهيد "محمد البشتي" رحمه الله وشخصيات اسلامية اخرى تناولت قضية ليبيا من وجهة نظر اسلامية عبر محاضرات ودروس ولقاءات عامة مختلفة. كما اشترك منتسبو الجماعة فى ندوات ومؤتمرات ومحاضرات ومناظرات حول الاسلام والمسلمين في ليبيا، وذلك عبر لقاءات اسلامية عامة فى المساجد وفى مختلف انحاء العالم. وتبنت الجماعة الاسلامية، بجانب ذلك، نشر وتوزيع كتب اسلامية ليبية معاصرة، منها، على سبيل المثال، بعض فصول كتاب "الشعوبية الجديدة.. فصول في التاريخ والسياسة" للشهيد "محمد مصطفى رمضان" والذي نُشر في عام 1971م، فكان بذلك اول كتاب ينشر في ساحة الصراع الفكري بين النظام الحالي وخصومه السياسيين.

 

كما كان لمنتسبي الجماعة مشاركات عديدة حول محنة الاسلام والمسلمين، وتوضيح قضية الاسلام في ليبيا، وذلك عبر ادبيات ومطبوعات اسلامية غير ليبية، كمجلة "المجتمع" ومجلة "الدعوة"، ومجلة "الامل"، وصحيفة "الزيتونة"، واغلب المجلات والصحف الاسلامية تقريبا.  

وبصفة عامة، وضعت "الجماعة الاسلامية الليبية"، لمساتها على المسيرة السياسية المعاصرة في ليبيا، عبر ترسيخ الاسلام السياسي كبديل حضاري ينافس البدائل الاخرى، فتكون قد ساهمت، مع غيرها من التنظيمات الاسلامية، بتقديم بديل لليبيا يحقق، حسب وجهة نظر الجماعة، الاستقرار السياسي ويحقق الامن والتقدم والامان لليبيا واهل ليبيا.

 

  نماذج من شهداء ورجال الجماعة، والاخوان بصفة عامة

 

ضمت الجماعة الاسلامية الليبية عدة شخصيات قيادية هامة، كما ضمت، بالاضافة الى ذلك، عشرات من الشخصيات البارزة في المجال الفكري والسياسي، ممن بداوا حياتهم الفكرية والسياسية من داخل حلقات الجماعة، ثم قدر لهم ان يواصلوا نشاطهم السياسي بصورة مستقلة، او عبر قنوات اخرى. وساقدم في هذا المقطع، الشهيد الدكتور "عمرو خليفة النامي" والشيخ الشهيد "محمد بن غالي"، والشهيد "عبد الله الشيباني" والاستاذ "محمد رمضان هويسة" والشهداء "محمد المجراب" و"فرحات حلب" و"الشارف الغول"، كنماذج لشهداء الجماعة ورجالها.

 

الدكتور عمرو خليفة النامي

 

ولد الدكتور "عمرو خليفة النامي"، حسب اغلب المصادر، في عام 1939م، بنالوت بجبل نفوسة. وانهى دراسته الابتدائية والاعدادية بمدينة "نالوت". ثم انهى دراسته الثانوية في مدينة "غريان" . تخرج عام 1962م من كلية الاداب بالجامعة الليبية ببنغازي، قسم اللغة العربية. وحصل على درجة الدكتوراة في الدراسات العربية والاسلامية من جامعة كمبردج عام 1971م. 

 

ويعتبر الدكتور عمرو النامي من القيادات الاسلامية البارزة. وقد نشط في مجال الدعوة الاسلامية وقام بتدريس مادة الثقافة الاسلامية في اوائل السبعينيات في جامعتي طرابلس وبنغازي . والدكتور النامي كاتب واديب وشاعر وباحث. وله عدة اعمال ثقافية وادبية رائعة من بينها كتاب عن "ظاهرة النفاق". كما كان رحمه الله يشارك في تنقية ووضع المناهج الدراسية في ليبيا كلما سنحت له الفرصة لذلك. كما نظم قصائد عديدة رائعة اشهرها قصيدة "اماه" وقصيدة "&