![]() |
|
صفحة الدكتور فتحي الفاضلي |
|
البديل السياسي في ليببيا و دولة ما بعد الثورة
ثورة الكلمة
جذور الصراع في ليبيا
المعارضة الليبية
التبعية |
البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعد "الثورة"
2- الفصل الاول
مدخل.. و شيء من دواعي الرفض
صفعة
عندما جاءت الثورة هاجت البلاد طربا وابتهاجا واستبشارا بالقادمين الجدد فاذا بالمشانق تُنصب واذا بالرصاص يخترق اجساد الليبيين واذا بجثثهم تتساقط فى مدن وقرى ليبيا على ايدي ليبيه، بتهمة الخيانة والزندقة والعمالة، وغير ذلك من اسماء ومسميات وُصف بها ليبيون مهدوا، او مهد اجدادهم الطريق للثورة فكان احفادهم اول ضحاياها.
هى اذا مأساة شعب اذل استعماراً بشعاً كان يحلم باذلال ليبيا والليبيين، فجاء الاذلال على ايدي مجموعة من ابناء هذا الشعب رباهم وعلمهم ورعاهم وانتظر الخير منهم وعلى ايديهم، فطمست هذه المجموعة فرحته واماتت انتفاضته وقتلت انطلاقته. فتكون المشانق قد عادت مع مجيء هذه المجموعة بعد اربعين عاما من الجهاد، ويكون قد عاد مع هذه المشانق السحل والقتل والمحق، فتلقى شعبنا بذلك "صفعة تاريخية" عقوبة له على جهاده ضد ايطاليا، وكانت هذه الصفعة، هي اول صفعة يتلقاها الليبيون من الثورة التي جاءت لتحررهم من الذل . لكن هذه الصفعة كانت ايضاً دافعا وسببا لمعاداة النظام ورفضه ومعارضته.
مدرسة
وهي ماسأة شعب جاءت الثورة لتصنع من بلاده مدرسة لنشر العدل والحرية والمساواة وتساهم في بناء الحضارة الانسانية بشقيها المادي والمعنوي، بما في ذلك تحرير الانسان من الاضطهاد والاستعباد في هذا العالم، فتحول الشعب، بدلا من ذلك، الى اداة لخدمة النظام، فوظف تاريخه وتراثه.. وعاداته وتقاليده.. وامواله وثرواته.. وهيئاته ومؤسساته.. وشيبه وشبابه.. ورجاله ونسائه واطفاله.. ومدارسه ومعاهده وجامعاته.. وجيشه ورجال امنه وقواته.. وظفت جميعها.. لخدمة نظام اعلن انه جاء ليحرر هذ الشعب من ربقة العبودية والاستعباد.
اطفالهى ايضا مأساة اطفال حُرموا من ممارسة حقهم الالهي فى ان يكونوا اطفالا. فترعرعوا وسط ضجيج الدبابات واناشيد القتال وطلقات البنادق وخطابات العسكر ونغمات التهديد بالسحق والشنق والتصفية والموت، بل ترعرعوا، في اغلب اوقات الثورة، وسط اجواء الخوف والصراع على لقمة العيش بينما يقتات نصف العالم على ثروة بلادهم.
شباب
هى ماًساة شباب ترعرع في اجواء الارهاب والخوف والكذب والدجل فوقف حائرا وسط الصراخ المنبعث دون توقف من مكبرات الصوت ومن الاذاعات المسموعة والمرئية، ووسط الهتافات والاناشيد التي لم تتوقف ليل نهار فعاش مترقبا مترددا محاسبا لانفاسه، لا يقدر على شىء، اينما يوجهه سيده يتوجه. فمات طموحه في بناء بلاده وقيادتها الى مصاف الدول ومات طموحه في المساهمة والمشاركة في البناء الحضاري بصفة عامة، وذلك بدلا من ان تُوفر له المكتبات والمعامل والمؤسسات الرياضية والثقافية والاجتماعية والعلمية الخالية من تسلط السلطة ليندفع الى الابتكار والابداع، فيصبح جزءاً من البناء الحضاري الانساني في العالم. وهكذا.. كان الارهاب والتخويف والدجل.. داعيا رئيسيا اخر من دواعي الرفض. مفردات
وهي مأساة شعب اضيفت الى معاجمه مفردات دخيلة على دينه وعقيدته وتاريخه وتراثه واعرافه وتقاليده بل ودخيلة حتى على طبيعته وذوقه وهويته. فاضيفت الى قواميسه، على سبيل المثال، مفردات "الزحف" و"السحل" و"التصفية" و"التصعيد" و"العنف الثوري المنظم" و"الصراع الجدلي"، و"الجماهير" التي "تدوس" على "الجماجم" و"الكلاب الضالة" و"العبيد" و"الاسياد" و"الزنادقة" وغيرها من مفردات الحقد والضغينة والبغضاء مما جادت به قريحة ماوتسي تونج وكاسترو والخمير الحمر ودستوفسكي واصحابه، ومما جادت به ثقافات اخرى لشعوب ملحدة لا تمت ثفافاتها بصلة الى ديننا، دين الرحمة. وطُمست من معاجمنا، نتيجة لكل ذلك، مفردات "البناء" و"التشييد" و"التنمية" و"العمران" و"التطوير" و"التقدم" و"الحضارة" و"العلوم" و"الدراسات" و"الابحاث" و"الرحمة" و"الرأفة" و"الامل" و"الابداع" و"السلام" و"الامن" و"الامان".
بل حتى اغانينا واناشيدنا وقصائدنا غلبت عليها مفردات الموت والدمار والاقحام والاقتحام والدفع والشد والجذب، بدلا من ان تتغنى بالحب والحرية والطموح والمستقبل والامل.
رأت الجماهير ان هذه المفردات مظهر لخطاب عنف لا خطاب ثورة، وخطاب عدو لعدوه، لا خطاب راع لامة، وخطاب دمار لا خطاب بناء، فالثورة لا تاتي الا بخير، والا فانها تتحول الى كابوس ثقيل يهيمن على قلوب الناس ويكبل حرياتهم ويقتل طموحاتهم. وتعتبر، بالتالي، كل قوة تهدف الى ازاحة هذا الكابوس قوة شرعية، تستمد شرعيتها من جوانب عديدة، ادناها حقوق البشر في ان يكونوا بشراً . لكل ذلك كانت طبيعة خطاب النظام وكانت مفرداته الدموية داعيا اخر من دواعي الرفض والمقاومة والتحدي.
امهات
هي مأساة امهات لم ولن تفارقهن الحسرة والمرارة اثر انضمام فلذات اكبادهن الى قائمة ضحايا "الثورة" التي جاءت، وكما ذكرت، لتحرر الانسان من العبوديه فحررته بدلا من ذلك من حياته. بل ابلت المعتقلات عظام اغلبهم وهدت السجون ابدانهم قبل ان ينتقلوا الى خالقهم، مما زاد المرارة مرارة، والالم الما. وذلك دون ان يسمح لاؤلئك البائسات بالقاء مجرد نظرة اخيرة خاطفة على الجثث الهامدة التي عانت كل ام الامرين في حمل اصحابها وفطامهم وتربيتهم ورعايتهم وتنشئتهم، حتى ترعرعوا شبابا يافعا نافعا، واصبحوا املا في خدمة ذويهم وقبائلهم وبلادهم وامتهم . فاذا بالثورة تختصر كل ذلك، وتختار ما لم يفكر الناس به. وعاشت من لم تتلق نبا وفاة فلذة كبدها، في قلق وتوتر ورهبة وخوف من مجهول قد ياتي دون انذار بما لا يحمد عقباه . هي.. اذا.. ماسأة انسانية قبل ان تكون ماسأة سياسية، والمآسي الانسانية من اكبر دوافع الرفض والنضال والجهاد والكفاح.
عـدل وهي مأساة القوانين التي جمدت او الغيت منذ اعلان الاحكام العرفية في 1969م، فاصبح المواطن متهما حتى تثبت ادانته واذا لم تثبت ادانته يدان حتى ينال العقوبة.
مثقفون
وهي مأساة مفكري ومثقفي وكتاب وادباء وشعراء ليبيا الذين اعدموا او اعتقلوا او سجنوا او عُذبوا بتهمة ابداء رأى يخالف رأى الثورة، فقتل بعضهم شنقا وقتل غيرهم رمياً بالرصاص وابلت المعتقلات عظام بعضهم الاخر وضرب اغلبهم بالعصي على رؤوسهم التي فكروا او ابدعوا بها. فالثورة التي جاءت لتضمن حرية الرأي اخذت تضرب رعاياها بالعصي على رؤوسهم لانهم مارسوا بها غريزة التفكير. مباديء
هى مأساة المبادئ التى استبشر الليبيون بها فاذا بها تتحول الى مقصلة ذبح عليها كل ليبي طموح صادق مخلص لدينه وشعبه وبلده، فكانت هذه الشعارات رذاذا وزبدا وصياحا وعويلا وصراخا.
فمن الدعوة العنيفة الى الوحدة الاندماجية الى الابداع فى التفرقة والتجزئة، حيث ذبح النظام "الوحدة" الف مرة ومرة، ليس بين دول العالم العربي فقط بل حتى داخل ليبيا نفسها التي جزأها النظام، ولو نظريا، الى الف قطاع ومنطقة ومربع وكميون وما الى ذلك من مصطلحات التجزئة المعاصرة.
وسقط شعارالقومية العربية عندما وقف ابطالها يتفرجون على قصف العراق ولم يجد افضلهم ما يقدمه غير نشيد يستنكر به القصف . وسقط شعار القومية ايضاً امام الجندي الاسرائيلي الذى اخذ يركل المرأة الفلسطينية ويجرها من شعر رأسها في شوراع فلسطين امام انظار العالم بما فيهم ابطال العروبة الذين وقفوا يتفرجون مع المتفرجين.
ورفع النظام شعار الامن والامان فتحولنا الى دولة مخابراتيه ابلت معتقلاتها عظام مفكريها ومبدعيها وخبرائها ومواطنيها ومناضليها وقدماء مجاهديها ممن عاشوا وجاهدوا وعملوا من اجل ليبيا ومن اجل دينها وعقيدتها وتاريخها وتراثها، فمات اغلبهم تحت الارض التي عاشوا عليها وبها ولها.
مهاجرونهي مأساة المهاجرين والمهاجرات من اهل ليبيا ممن أُذلوا وشُردوا، فوجدوا انفسهم في أتون الغربة يكافحون من اجل الخبز، بعيداً عن اوطانهم ومدنهم وقراهم واريافهم التي ترعرعوا فيها والتي كانوا يحلمون في ان يساهموا في بنائها وتطورها وتطويرها. ورضى اغلبهم بالحد الادنى من العيش ورضوا بالام الغربة ومرارتها على ان يقبلوا بالعيش في ظل النظام القائم . بل وتزداد الماساة ماساة، اذا علمنا ان من ضمن الشريحة المهاجرة من اهالي ليبيا، اخوات عشن فى المنفى سنين طويلة فارقن فيها الاب والام والاخ والاخت والعزيز والصاحبة والجارة، وفقد اغلبهن الاهل والعشيرة والرحم . وفقدن، فوق ذلك، مسيرة النمو الاجتماعي والثقاقي الطبيعي الذي يمر به الانسان بين اهله واحبابه. كان هذا الجانب اضافة اخرى لماساة ليبيا واهل ليبيا . وكان هذا الجانب ايضاً، داعياً اخر من دواعي الرفض ودواعي التغيير.
جيش
|
|