![]() |
|
صفحة الدكتور فتحي الفاضلي |
|
البديل السياسي في ليببيا و دولة ما بعد الثورة
ثورة الكلمة
جذور الصراع في ليبيا
المعارضة الليبية
التبعية |
بسم الله الرحمن الرحيم
البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعد "الثورة" 13- التيار الجهادي في ليبيا..
يشمل التيار الجهادي في ليبيا "حركة الشهداء" و"الجماعة الاسلامية المقاتلة"، ومجاميع اخرى لا تنضوي تحت اي تنظيم، بل تتبنى فكرة الجهاد بصفة عامة، كما يشمل التيار الجهادي، جميع من نادي بالجهاد كمنطلق ومنهج للتغيير، افراد ومجموعات وتنظيمات.
وقد بدأ الصدام العلني بين التيار الجهادي والنظام فى ليبيا باغتيال احد اعضاء اللجان الثورية، يدعى "احمد مصباح الورفلي" وذلك في اغسطس 1986م. وكان يعتبر ساعد النظام الايمن فى مدينة "بنغازي". حيث يروى انه كان يهين ويضرب ويظلم سكان المدينة كما يحلو له، حتى ارتبط اسمه بالقمع والتسلط والبطش وارهاب عباد الله لاتفه الامور، وخاصة الفقراء منهم، والذين كانوا يبيعون بعض الخضروات او البضائع المحلية المتواضعة على الارض، يكافحون من اجل لقمة العيش، فيقوم المدعو بصفعهم وركلهم وشتمهم ثم طردهم، وتهديدهم بـ "يد الثورة الطويلة" وحرمانهم من كسب ارزاقهم بالحلال. وكان يلاحق الشباب الملتزم ويراقبهم ويضيق عليهم ويهددهم، بصورة دائمة. كما شارك ايضاً في جرجرة جثة الشهيد "مصطفى النويري"، بعد شنقه علنا في جامعة قاريونس في1984م. وانهال في تلك الموقعة صفعاً، على احدى الطالبات، وقد اغمى عليها، او ربما صرخت، لانها لم تحتمل الوقوف امام المشهد الثوري الدموي، الذي اُجبر طلبة الجامعة على حضوره. وقد ولد "مصطفى النويري" بمدينة "صرمان" في 1954م، والتحق بكلية الحقوق ببنغازي، حيث انتخب امينا لرابطة الطلبة في بنغازي. اعتقله النظام في 1976م، ثم فصله نهائيا، فعمل في احد مصانع النسيج في مدينة "جنزور"، ثم عاد النظام واعدمه في 1984م علنا في احد ميادين جامعة قاريونس. لقد كان "احمد مصباح الورفلي"، وباختصار شديد، احد رموز اللجان الثورية، واحد رموز البطش في ليبيا، لذلك قام تسعة من منتسبي التيار الجهادي، باغتياله، ستة منهم من المدنيين، وثلاثة من العسكريين، وهم الشهداء: "احمد محمد علي الفلاح" و"علي عبد العزيز البرعصي" و"عصام عبد القادر البدري"، و"المحجوب السنوسي المحجوب"، و"سعد خليفة محمد الترهوني"، و"سامي عبد الله الزيداني"، و"صالح عبد النبي العبار"، و"علي احمد عبد الرازق العشيبي"، و"منير محمد عبد الرازق مناع"، وقد اعدمت هذ المجموعة، في 17 فبراير من عام 1987م في مدينة بنغازي. وعلق النظام على ذلك بقوله: "ان هذه دروس مفيدة للشعب". وتعتبر هذه العملية اول ضربة منظمة، وغير عفوية، يتلقاها النظام بصفة عامة، واللجان الثورية بصفة خاصة، من قبل القطاع المدني. وكانت هذه العملية ايذانا بتحرك رياح الارهاب، الذي صنعه النظام، ناحية النظام ولجانه الثورية.
اعقب ذلك قيام التيار الجهادي، بداية من يناير1989م، بعمليات مسلحة فى عدة مدن وقرى في ليبيا. ففي يناير1989م جرت حوادث متفرقة بين مجموعة من المصلين وبين مجموعة من أعوان السلطة، التي داهمت احد المساجد في مدينة "طرابلس"، مما ادى الى مقتل أحد اعوان النظام. ثم هجم اعوان السلطة بعد أيام من الحادثة الاولى، على مجموعة من الشباب الاسلامي بمسجد اخر بمدينة "طرابلس."
وفي نفس الوقت داهمت قوات مدرعة تابعة للنظام، مخيما خاصا للشباب الاسلامي في مدينة "اجدابيا" (في الفترة من 4 الى 19 يناير 1989م)، كانوا يتدارسون، في ذلك المخيم، مختلف الشؤون الاسلامية.
ثم امتدت المعارك الى مدن مجاورة، منها بنغازي والرجمة ومصراتة وبنينة. وانتهت هذه التصادمات باستشهاد عدد من الشباب الاسلامي، بعدما استخدمت السلطة المدرعات، لهدم البيوت التي تحصنوا فيها. كما فقد النظام عددا من اعوانه. وكان الشهيد "محمد ابراهيم الفقيه"، خطيب احد المساجد (في منطقة الصابري او السبالة)، من الاسلاميين الذين برزوا في هذه العمليات.
قبض النظام اثر ذلك - وبالتحديد في اكتوبر1989م- على اكثر من خمسة الاف من شباب الصحوة الاسلامية. في اكبر حملة اعتقالات تشهدها ليبيا. وبعد اقل من ست سنوات من تلك الحملة (أي فى يوليو 1995م) وقع صدام رئيسي اخر بين النظام والتيار الجهادي، استمر على درجة عالية حتى يوليو1998م. وانطلقت مع الصدام، الذي بدأ في يوليو1995م، حملات اعتقال ضخمة،اصدر التيار الجهادي اثنائها (ولاول مرة) بيانا ذكر فيه: ان النظام الليبي نظام طاغوتي مرتد، لابد من اعلان الجهاد ضده ولابد من استئصاله، انطلاقا من ان الاسلام "كتاب يهدي وسيف ينصر ويحمي"(1)، ولم يوقع ذلك البيان من قبل حزب او حركة او جماعة، بل وقع باسم "المركز الاسلامي للاعلام."
كان النظام ينكر، قبل صدور هذا البيان، وجود جماعات او حركات او احزاب ذات صلة بالاسلام والاسلاميين، فردية كانت او جماعية، جهادية او غير جهادية، وكان ينكر وجود، وصلاحية مثل هده الحركات والاحزاب والجماعات تاريخيا وفكريا وسياسيا، فالنظام ينظر الى النشاطات الاسلامية في ليبيا، كجهود فردية متناثرة لا يربط بينها رابط، بل يعتبرها (ان وجدت) مجرد ردود افعال، تدل على تهور اصحابها الذين تغلبت عواطفهم -كما يرى النظام- على عقولهم.
لكن التيار الجهادي ذو نظرة تختلف عن نظرة النظام. فالتيار الجهادي يستند على اصول شرعية وله منهج خاص به، فهو تيار منظم ذو اصول عقائدية وفكرية، وذو وسائل محددة مختارة بدقة وقصد ونية.
الجماعة الاسلامية المقاتلة- ليبيا..
فبعد خمسة اشهر من البيان السابق (اي في اكتوبر1995م) بدأت الواجهة التنظيمية للتيار الجهادي فى الظهور بوضوح، وذلك اثر صدور بيان يعلن عن تأسيس "الجماعة الاسلامية المقاتلة" بل ويعلن عن تبني الجماعة لمعظم العمليات والمواجهات المسلحة، التي جرت ضد النظام (2)، بما فيها العمليات التي قام بها التيار الجهادي قبل صدور بيان التأسيس المذكور. وقد تأسست "الجماعة الاسلامية المقاتلة- ليبيا" من مجموعتين من المجاهدين، ضمت اولهما مجاهدين ليبيين كانوا يقاتلون الملحدين الروس فى افغانستان، وهم الذين اطلق عليهم النظام لقب "الافغان الليبيين"، وضمت ثانيهما مجموعة من داخل ليبيا . وهكذا جاءت "الجماعة الاسلامية المقاتلة" كنتاج "لاجتماع مجاهدي الخارج بمجاهدي الداخل"(3). كما يعود تأسيس الجماعة الى1980م. وهي جماعة لا تعتبر نفسها تنظيما قطريا او محليا، بل تنظيما عالميا مرتبطا (ولو فكريا ومنهجيا) بالتيار الجهادي اينما وجد، فى "افغانستان" او "الاردن" او "الجزائر" او "مصر" او غيرها من الاقطار. فالحركة الجهادية الليبية الحديثة، تعتبر نفسها، امتدادا لحركة المجاهدين فى "مصر" و"الجزائر" وغيرها من اقطار العالم الاسلامي(4).
ويمكن لمس ملامح هذا الامتداد من خلال المساحات الاعلامية الواسعة التي خصصتها الجماعة (عبر مطبوعاتها) لقضايا جهادية رئيسية، ولاخبار الجهاد ومسيرته فى العالم الاسلامي، ولمسيرة ونشاط مفكري وقادة وكتاب التيار الجهادي في العالم الاسلامي.
منطلقاتها ومبادئها واهدافها..
ينتمي منتسبو الجماعة الاسلامية المقاتلة، كما جاء في بيان الاعلان عنها، الى "اهل السنة والجماعة، وما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين باحسان من اتباع ما دل عليه الدليل اعتقادا او عملا". كما تعتبر مرضاة الله عز وجل، والعمل على اقامة دينه، والتمكين له فى هذه الارض، عبر فهم الواقع وتطبيق احكام الله عليه هي الغاية النهائية للجماعة(5).
وتعتبر الجماعة الاسلامية المقاتلة ان "تحقيق التوحيد عبر قتال الطواغيت سنة لا تتبدل". بل وضعت الجماعة المقاتلة محاربة الطواغيت فى المرتبة الثانية بعد الايمان بالله سبحانه وتعالى، على اعتبار انها ستؤدي الى التخلص من الظلم والاستبداد القائم على المسلمين في ليبيا، وغير ليبيا، وستؤدي كذلك الى التمكين لشرع الله مما يضمن حياة كريمة لليبيا والليبيين(6). لذلك اعلنت "الجماعة الاسلامية المقاتلة"، الخروج على النظام، لانها ترى انه نظام طاغوتي مرتد. و"الخروج" مصطلح شرعي، يعني مقاومة النظام اواسقاطه بقوة السلاح. وترتب على قرار "الخروج"، وجوب اعداد الجماعة عسكرياً، انطلاقا من قاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب."
كما لم تنحصر نشاطات الجماعة المقاتلة على الجهاد المسلح فقط،، بل دعت الليبيين الى "الاستقامة على منهج الله سبحانه وتعالى، والالتزام باحكامه، ومفاصلة النظام المرتد، الذي تعتبره نظاما مرق من دين الله، واستعبد الناس، واكل حقوقهم، واراد ان يدمر كل ما لديهم من قيم ومبادىء"(7). وترى الجماعة المقاتلة "ان اسقاط النظام، يعني سقوط احد الطواغيت فقط، ولا يعني نهاية المطاف."(8)
فللجماعة المقاتلة (بناء على ما سبق) منهج وتصور محدد أي انها لا تنطلق من مجرد الرغبة في القتال ولا تنطلق دون خط واضح وخطوات مرتبة مسبقاً.
اصداراتها..
اصدرت الجماعة الاسلامية المقاتلة مجلتها الرئيسية "الفجر"، كما اصدرت منشورات وبيانات ومطويات عديدة، بالاضافة الى اشرطة مسموعة تناولت احداث ووقائع وقضايا عديدة، كفكر الجهاد ومنهجيته واخباره. ونشرت الجماعة في يوليو1999م، كتابا بعنوان "القذافي.. مسيلمة العصر"، كتبه "عبد الرحمن حسن"، وقدم له الشيخ "ابو المنذر الساعدي"، وكان قد نُشر (قبل اصداره) على حلقات فى مجلة "الفجر."
خـطـابـها..
بثت "الجماعة الاسلامية المقاتلة- ليبيا"، الفكر الجهادي بما فيه من تبعات، فحرضت المؤمنين على القتال، وعلى نصرة وموالاة الطوائف المجاهدة اينما وجدت. وتنظر الجماعة الى النظام الليبي كنظام مرتد، حارب الليبيين فى دينهم ودنياهم، فامم اموالهم، وافنى ابنائهم في حروب عبثية، لا طائل من ورائها كحرب تشاد واوغندا(9).
اما خطاب الجماعة الدعوي والتربوي، فقد دار حول "تحطيم الواقع الحالي للشعوب الاسلامية"، لانه واقع يتصف بالظلم والفقر والجوع والقهر والذل وفقدان الكرامة وانعدام ابسط مقومات العيش الآدمي، بشكل جعل هذه الامة مهددة بزوالها وتحولها الى كتل بشرية من الغثاء والزبد، ما تفتىء تجري لاهثة وراء فتات الفتات، فى حين تذهب كنوزها وثرواتها الى جيوب اعدائها وعملائها(10).
واعتبرت الجماعة المقاتلة هذا الواقع، واقعاً تطويعياً ظالماً، فرضه الطواغيت، وفرضته الانظمة على المسلمين، فلابد من رفضه ومحاربته وتغييره. ولم تستثن الجماعة الاسلامية المقاتلة "النظام العسكري الليبي" من الصفات السابقة، فاعتبرته، هو الاخر، نظاماً ظالماً اراد ان يفرض واقعاً تطويعياً ماساوياً ظالماً(11).
وترى الجماعة المقاتلة، ان الانظمة جميعها انظمة كافرة، يجب الخروج عليها،لا التعامل معها. فكانت مخاطبة الجماعة للانظمة، مخاطبة صريحة مباشرة وعنيفة. فالجماعة تحث على معاداة الانظمة، ومحاربتها، ومقاتلتها، وجهادها، انطلاقاً من المفاهيم السابقة، التي رأت ان الانظمة والحكام قد صنعوا واقعاً ظالماً مأساوياً، اصبح على المسلم ان يرضخ له ويعيشه ويرضاه، بل وربما يطلب منه ان يدافع عنه رغم انفه.
كما اتسم صوت الجماعة بالنقد والهجوم الشديدين، ضد التنظيمات والاحزاب والحركات والجماعات الاخرى (بما في ذلك التنظيمات الاسلامية) بل كان صوت الجماعة، صوتا نقديا، ضد حتى العلماء والاسلاميين الذين قبلوا التعامل مع الانظمة والحكومات في العالم الاسلامي.
واذا تعرض "الاخوان المسلمين" وغيرهم من الجماعات والشخصيات الاسلامية، الى مثل هذا النقد لسبب او لاخر، فقد تعرض غيرهم من التنظيمات والافراد ، الذين لا ينتمون الى التيار الاسلامي، او لم يصرحوا بانتمائهم او بعدم انتمائهم اليه، الى نقد اكثر جدية وشدة، مما تعرض له الاسلاميون افراداً وتنظيمات، فقد اعتبرتهم الجماعة المقاتلة من العلمانيين الذين يسعون الى فصل الدين عن الدولة، فهم (انطلاقاً من ذلك) لا يختلفون عن النظام القائم اصلاً، فاستبدال النظام بتلك الفصائل او التنظيمات لا يجدي، حسب خطاب الجماعة المقاتلة، نفعاً. بل ان اسقاط النظام الليبي، مع بقاء العلمانية، يعنى القضاء على احد الطواغيت فقط، وليس هدفاً نهائياً فى حد ذاته(12).
تأصيل..
تستند الجماعة المقاتلة فى خروجها على النظام فى ليبيا، على قواعد شرعية اهمها قاعدة "دفع الصائل"، وقاعدة "قتال الطوائف الممتنعة عن الشرائع". وتستند في وسائلها واساليبها على قواعد شرعية اخرى، كقاعدة "عدم الاستئسار" و"فكاك الاسير" و"الحاق اكبر قدر من الخسائر فى صفوف العدو، مع تعزيز مشاعر الخوف والرعب فى صفوفه" (13).
دفع الصائل..
يعني مصطلح الصائل (لغة): "الاستطالة والوثوب على الغير"، جاء ذلك في نهاية المحتاج الى شرح المنهاج 8/23. اما شرعاً فيعني: "كل معتد على معصوم شرعاً، من نفس او عرض او مال."
اما الدليل على وجوب دفع الصائل فقوله تعالى :"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم" (14). وقوله صلى الله عليه وسلم: "من قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون اهله فهو شهيد"(15). ووجه الدلالة: انه لما جعله صلى الله عليه وسلم شهيداً، دل على ان له القتل والقتال (سبل السلام 4/ 73).
وانعقد الاجماع على وجوب دفع الصائل على الدين والدنيا، استناداً على قول ابن تيمية "واما قتال الدفع فهو اشد انواع دفع الصائل عن العرض والدين، وهو واجب اجماعاً، فالعدو الصائل الذي يُفسد الدين والدنيا، لا شيء اوجب (بعد الايمان) من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يُدفع بحسب الامكان(16). واستدل على وجوب دفع الصائل لذلك، بوجوب الحفاظ على مقاصد الشريعة (الدين والنفس والعقل والمال والعرض). وبما ان حفظ الدين مقدم على غيره من الضروريات (بما فيها حفظ النفس) فالجهاد لحفظ الدين يعتبر واجباً (17). ولان النظام في ليبيا حارب الدين، وانكر السنة، ونشر الظلم، وافسد الدنيا، فمقاتلته ودفعه، استناداً على قاعدة "دفع الصائل"، قضية مشروعة ومشرعة.
وسائل النظام في محاربة التيار الجهادي..
حارب النظام التيار الجهادي، عبر اربعة محاور رئيسية تمثل الاول منها في: التصادم المباشر مع المجاهدين، والذي شمل محاصرة وتمشيط المدن والقرى والسهول والوديان، وما صاحب ذلك من مضايقة الاسر، واستدعاء اولياء امور المجاهدين واقربائهم، الى الاجهزة الامنية، واجبارهم على مصاحبة الجيش اثناء تمشيط الجبال والوديان للبحث عن فلذات اكبادهم، بالاضافة الى ادانة القبائل والعائلات، اذا تسترت او شاركت او تعاونت او تعاطفت او وفرت الحماية لابنائها. ناهيك عن تفتيش وهدم البيوت ونصب الحواجز الامنية والمداهمات المستمرة للمواقع والتجمعات.
يضاف الى كل ذلك، المذابح الجماعية، كمذبحة سجن "ابو سليم" (يوليو 1996م)، والتي تشابه مذبحة سجن "تدمر" في سوريا. بالاضافة الى التمثيل البشع بجثث الشهداء، ومداهمة المساجد، واعتقال المصلين، وتقسيم المدن والمناطق الى مربعات امنية، وانتشار رجال الامن في كل ركن من اركان المدن والقرى، والتضييق على المواطنين، وحشد كتائب القوات المسلحة والامن وكتائب الخدمة المدنية واللجان الثورية والاستخبارات العسكرية.
وكانت القوات المسلحة الليبية، تمارس اعمال العنف السابقة، تحت مختلف الاسماء والمسميات، من "كتائب" و"فرق" و"لجان" و"اقسام" متعددة لا اول لها ولا اخر. كما نظمت "القوات المسلحة الليبية" مناورات عسكرية، واجرت تدريبات على حروب المدن والعصابات في الجبال والكهوف والوديان، استعداداً لمواجهة المجاهدين، كما شاركت طائرات ودبابات واسلحة متنوعة عديدة في الحرب ضد التيار الجهادي.
اما المحور الثاني من محاربة التيار الجهادي، فقد تمثل في حرب اعلامية، منها اتهام منتسبي التيار الجهادي بتشكيل شبكات للمخدرات، ادت الى افساد المجتمع الليبي (مما اوجب تطهير المجتمع منهم) ووصف النظام منتسبي التيار الجهادي بنعوت واوصاف عديدة، كالـ "عملاء" و"الخوارج" و"الزنادقة" و"اعداء الوطن" و"اصحاب البدع" الذين يكسرون اسنانهم ويحملون اكياساً من الرمل يهرولون بها هنا وهناك، ويتقاتلون من اجل ان يكون الكعب في صف الصلاة ملاصقاً للكعب، ويستمتعون بقتل المسلمين الابرياء، وغير ذلك من اسماء وصفات ومواصفات.
كما عزل النظام، اعلاميا، بعض مدن وقرى ليبيا عن باقي البلاد. ووجه الى سكان المدن المعزولة برامج خاصة، في نفس الوقت الذي تتلقى فيه باقي المدن، بثاً مختلفاً عما يُبث الى المدن المنكوبة. حدث ذلك، على سبيل المثال، لمدينتي "درنة" و"بنغازي"، حيث تعرضتا لحصار اعلامي وبث تهديدي ارهابي خاص، اثر تكثيف الجماعة المقاتلة من عملياتها الجهادية في تلك المدينتين. صاحب كل ذلك تركيز ايجابي في الصحف والمجلات والاذاعات على الاسلام اللاسياسي، تمثل في بث برامج دينية متنوعة، مع فتح الابواب على مصراعيها امام الفكر "الصوفي" وتشجيعه ودعمه ومساندته.
كما شبه النظام ما يحدث في ليبيا، بما حدث في الجزائر من مجازر ومذابح ضد الابرياء، اطفالاً ونساء ورجالاً وشيوخاً، وذلك كي ينفر جموع المتعاطفين مع التيار الجهادي في ليبيا، ويخوفهم من ان ما يحدث في الجزائر، قد يتكرر في ليبيا، مما دفع الجماعة المقاتلة الى الرد رسمياً، وباكثر من بيان، تؤكد اختلاف التجربتين، وتؤكد ان الجماعة تستنكر ما حدث ويحدث في الجزائر، لكنها حصرت هذا الاستنكار في الممارسات الخاطئة، لا في مبدأ الجهاد نفسه. وكانت الجماعة المقاتلة تؤيد "الجماعة المسلحة" في الجزائر، ثم سحبت تأييدها عندما تبدلت قياداتها، وقد استنكرت الجماعة الاسلامية المقاتلة، ما يحدث في الجزائر نتيجة "لتجاوزات شرعية ومنهجية تراكمت حتى اصبحت تشكل بمجملها منعطفاً خطيراً في طريق الجهاد بديار الجزائر ضد النظام المرتد هناك"(18). بل اصدرت الجماعة الاسلامية المقاتلة، بيانات عديدة ترفض فيها القتل والذبح ونعت الناس بالكفر(19) (20) (21).
نماذج من العمليات الجهادية..
اندلعت العمليات الجهادية، كما جاء في مطبوعات الجماعة، في اغلب مدن وقرى ووديان واحياء ومناطق ليبيا من بينها: "درنة" و"الفتايح" و"بنغازي" و"البيضاء"و"مصراتة" و"براك" و"سرت" و"تاجوراء" و"زليتن" و"اجدابيا" و"طرابلس" و"ام الرزم" و"غنيمة" و"جنزور" و"عين مارة" و"وادي الانجيل" و"وادي بو مسافر" و"وادي الحصين" و"وادي الربيع". كما انطلقت الصدامات في احياء الصابري وغوط الشعال وقدح والهضبة الشرقية وعرادة وسوق الجمعة وابو سليم والماجوري وجامع القبطان والسلماني ووسط المدينة وبوعطني واحياء مدينة درنة وجبالها وكهوفها ووديانها ومناطق واحياء ومدن عديدة اخرى.
وركزت الجماعة الاسلامية المقاتلة، على اعوان النظام الذين اشتهروا بولائهم للنظام، واشتهروا بنشاطهم المضاعف ضد الشباب الاسلامي، اثناء عمليات القبض او التعذيب او التحقيق. كما كثفت من هجماتها على مقرات الامن ومكاتب اللجان الثورية، كمقر الامن الداخلي بمنطقة الماجوري، ومركز شرطة الصابري، ومدرسة الشرطة بدرنة (ثانوية الشرطة)، ومكتب محاربة الاسلاميين بقصر بن غشير، وغير ذلك من مثل هذه الم |