![]() |
|
صفحة الدكتور فتحي الفاضلي |
|
البديل السياسي في ليببيا و دولة ما بعد الثورة
ثورة الكلمة
جذور الصراع في ليبيا
المعارضة الليبية
التبعية |
اوسمة على صدر الوطن..
1- الشيخ الجليل: محمد البشتي
اقتحمت مجموعة مسلحة من افراد الامن واللجان الثورية والمخابرات مسجد "القصر" بطرابلس، والقت القبض على إمام المسجد الشيخ الجليل محمد البشتي، والذي اُخرج من المسجد بالقوة، ثم حُمل، وقد بلغ من العمرعتياً، مضروباً هو وباقي المصلين، الى مقر اللجنة الثورية في احد احياء مدينة طرابلس، يرجح انها مثابة اللجنة الثورية بشارع الزاوية.
كان ذلك يوم الجمعة الموافق 21 نوفمبر 1980م، وبالتحديد بعد الانتهاء من صلاة العصر، وانتقال الشيخ الى خلوة المسجد. واعتدوا، بالاضافة الى الشيخ، بالضرب على جميع المصلين، بما في ذلك احد الشباب (محمد الحاراتي) الذي كان يساعد الشيخ الجليل من حين الى اخر. ثم اتسعت دائرة الضرب والقبض، فشملت تلاميذ الشيخ، بل وكل من كان يتردد على المسجد. وعقدت للشيخ داخل السجن، وبين وجبات التعذيب، "ندوة تنازل"، حضرها بعض الشخصيات المحسوبة على "هنا وهناك" لم تسفر الا على اصرار الشيخ على مبادئه، بالرغم مما تعرض له، ولا يزال مصير الشيخ مجهولاً، وإن كانت الاخبار ترجح استشهاده.
وشيخنا الفاضل هو الشيخ الجليل العالم المجاهد "محمد عبد السلام البشتي" ولد في اواخر العشرينات بمدينة الزاوية، وتخرج من كلية الشريعة بالبيضاء، ورحل الى مصر لمواصلة دراسته ثم فضل ان يعود الى ليبيا. والشيخ متزوج وله احد عشر طفلاً.
كان افراد الحملة.. الاستراتيجية.. العظمى.. في اعلى حالات التحفز.. والاستعداد.. والترقب.. والحماس.. فقد اقفلوا جميع المنافذ المؤدية الى المسجد، بما في ذلك بالطبع الشارع المنكوب الذي يقع فيه المسجد. بل حاصروا المنطقة باكملها. وكانت الحملة مزودة بشتى انواع الاسلحة الخفيفة والمتوسطة، ومزودة.. كذلك.. بمختلف وسائل الاتصال.. بين افراد الحملة ومركز ادارة المعركة مع المصلين.. ثم.. بينهم وبين مركز القيادة العليا.. وبالطبع.. كانت الحملة مزودة.. بالاضافة الى كل ذلك.. بقافلة من السيارات.. من كل حجم ونوع ولون. وعندما حانت ساعة الصفر الرهيبة.. اقتحمت الحملة.. بيت الله.. وسط دهشة واستغراب المصلين.. واغلبهم.. من عابري السبيل.. الذين ادوا الصلاة في مسجد القصر لاول مرة في حياتهم.وهكذا.. اقتحم النظام الليبي.. بيت من بيوت الله.. في حركة اعلامية سينمائية درامية رديئة.. اريد بها.. دون جدوى.. تركيع ليبيا من جهة.. وفرض ارهاب الدولة من جهة اخرى.
اما عن قادة وابطال هذه العملية..
فقد اوردت مجلة "المسلم" قائمة باسماء بعض "العقول" المدبرة والعضلات المنفذة لهذه العملية "التاريخية" "الرهيبة"، ضمت كل من: النقيب بشير احميدة، والنقيب محمد المجدوب، وموفق السراج، وعلي فارس، وادريس الطويل، وموسى الزلوم، والنقيب سعد (يدعي في ذلك الوقت انه طالب في كلية التربية)، وعلي الراجلي، وعلي شتوان، وزيدان (طالب في كلية النفط)، ومحمد اللموش، ونصر المبروك، وفتحي الشواشي، وعلى زكري، ومعتوق محمد معتوق، بالاضافة الى بعض طلبة الجامعة من اعضاء اللجان الثورية.
كما اورد موقع "ليبيون من اجل العدالة" ضمن "القائمة السوداء" التي نشرها الموقع، عدة اسماء تورط اصحابها في هذه الحادثة، إما بالوشاية والتعذيب او بالقبض والقتل والتحقيق، وهؤلاء هم: حمد محمد الشريف السويني (اللجان الثورية، المؤتمر الشعبي بحي الاندلس)، واسماعيل الكرامي عقيد (الامن الداخلي- قسم المعلومات- مكتب الاتصال)، وير الميدة ( هكذا ورد الاسم - اللجان الثورية)، وجمعة بيوك (اللجان الثورية طرابلس- متورط في جريمة اعدام الشهيد كعبار احد تلاميذ الشيخ)، وسالم المشاي (متورط في جريمة اعدام الشهيدين كعبار والمدني)، وعبد الحميد الكميشي (اللجان الثورية- مجموعة التعذيب)، وعلى الشريف التاجوري (اللجان الثورية) وعلى فارس (اللجان الثورية)، وعمار عبد الحميد احتيوش ( لجان ثورية- امين العدل بالزاوية)، ومحمد على زيدان المدني البوعيشي. كما اضافت مجلة "الانقاذ"، في عددها الخاص بحقوق الانسان في ليبيا، عبد السلام الزادمة، كاحد الذين ساهموا في تعذيب رواد المسجد والشيخ وتلاميذه. هذا بالطبع بالاضافة الى العشرات الذين شاركوا في هذه العملية.
اما لماذا تم ذلك الاقتحام البطولي.. ولماذا الشيخ محمد البشتي بالذات..
فلقد وقف الشيخ محمد البشتي إمام مسجد "القصر" مدافعاُ عن السنة النبوية الشريفة.. جهاراً.. نهاراًً.. بصورة فيها من القوة والصراحة.. ما لم تعهده ليبيا في ظل النظام القائم، حتى ارتبط اسم هذا الشيخ بمعركة السنة في ليبيا. تماماً.. كما ارتبط.. اسم الامام احمد ابن حنبل.. رضي الله عنه.. بمعركة خلق القرآن.
يقول الشيخ الجليل عن هذه المحنة ".. إننا نعيش الان فتنة إنكار السنة التي هي اخطر من فتنة خلق القرآن، وكان يوجد يومها علماء أعلام عاملون مجاهدون تصدوا للفتنة ومثيريها فبينوا الزيف وردوا على الضلال، اما اليوم، فأين الرجال..".
وعندما اتهم الشيخ بالحزبية، رد قائلاُ " لسنا حزبيين ولا نعرف ما هي الاحزاب بالمعنى الذي يعنون، انما يبشرنا الله سبحانه وتعالى بأن حزب الله هم الغالبون وهم المفلحون ونحن لا نعرف سوى هذا الحزب..".
ودأب الشيخ الجليل على معارضة قرارات السلطة التي خالفت الاسلام وتعاليمه، وخالفت السنة النبوية الشريفة، في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. كما دأب الشيخ على تحذير الشعب من مغبة هذه القرارات، ومغبة هذه الرؤى، داعياً الناس الى التمسك بسنة الرسول الكريم.. واحاديثه الشريفة.. وداعياً الى إستنكار ومقاومة ونبذ الاراء الشاذة التي ابتدعها النظام الليبي عن السنة الشريفة.
حدث ذلك بينما كانت السلطة.. مثمثلة في اجهزة النظام.. من اعلام ولجان ثورية وامن ومخابرات وقادة وقيادة.. تشن أكبر حملة تضليل ضد السنةالنبوية بصفة خاصة وضد الاسلام بصفة عامة. وقد شملت تلك الحملة ما تيسر من سخرية وانكار وتهكم وتكذيب وهجوم واستهزاء، بالكلمة والصورة والرسم الساخر والنكتة السمجة المملة الوقحة التي لا تخدم إلا اعداء هذا الدين الحنيف.
وحدث ذلك ايضاً.. بينما كانت ليبيا تعيش اقصى درجات الارهاب، مع غياب الضغط النسبي على النظام.. من الداخل والخارج.. وغياب.. منظمات ولجان حقوق الانسان.. وغياب التغطية الاعلامية.. بصفة عامة.. فلا انترنت.. ولا فضائيات ومفاوضات.. ولا ترغيب وترتيبات ووعود واغراءات.. بل رعب وترهيب وارهاب وتخويف.
وحدث ذلك.. ايضاً.. والشيخ الجليل يدرك طبيعة النظام الذي كشر.. مبكراً.. وقبل حادثة مسجد القصر بسنوات.. كشر عن انيابه.. فاعدم.. واغتال.. وشنق.. وداهم.. وسحق.. ومحق.. وقتل.. وظلم.. سراً وعلانية.
وحدث ذلك ايضاً.. بينما لا يفصل مسجد "القصر" عن المثابة الرئيسية للجان الثورية، إلا جدار المسجد نفسه. فقد كان المسجد ملحقاً بقصر الملك ادريس (رحمه الله). ذلك القصر، الذي تحول الى المقر الرئيسي للجان الثورية. واحيط المسجد من جهة اخرى بمراكز الامن والشرطة والمخابرات. فالشارع المنكوب، الذي شهد تلك الاحداث، كان يعج بمؤسسات ومقار ومراكز النظام الامنية، وكان شيخنا الفاضل يدرك ذلك جيداً، ومع ذلك انطلقت كلماته مدوية، دفاعاً عن الرسول الكريم، ودفاعاً عن سنته المباركة.
ليس ذلك فحسب.. بل حدث ذلك.. والعديد من رجال الامن واعضاء اللجان الثورية والمخابرات.. كانوا لا تفوتهم خطبة من خطب الشيخ.. ولا حلقة من حلقاته.. وكان الشيخ.. برغم ذلك.. يدعو وبحضورهم.. الى مواجهة النظام والتصدي له.. وكان لا يزيده.. حضورهم.. إلا اصراراً على رسالته.. فكان يردد من على منبره واثناء خطبه.. انني اعلم انكم معنا تستمعون الان الى ما اقول.. فارجو كتابة ذلك عني: ان السنة تعتبر اصل من اصول التشريع وان منكرها كافر.. وانني لا اخافكم.. ولا أهابكم.. ولا اخشى في الله لومة لائم.. وانني اتحداكم .. من على هذا المنبر.. جميعكم.. وبدون استثناء.
وللشيخ اشرطة مسموعة.. وزعت اكثر من مرة.. وفي عدة مناسبات.. وفي اكثر من مؤتمر ولقاء ومدينة.. ونسمع في هذه الاشرطة.. صوت الحق.. صريحاً.. واضحاً.. يدرك معه المستمع ان صاحبه.. فعلاً.. لا يخشي في الله لومة لائم. وقد حوت تلك الاشرطة على عدة محاضرات وخطب واحاديث للشيخ في العقيدة والفقه والعبادات، بالاضافة الى دروس وخواطر اخرى عن حرية الرأي والعلاقة بين الدولة والمواطن. وسياتي اليوم.. ان شاء الله.. الذي تُفرغ او تحرر فيه محتويات هذه الاشرطة كتابة.. وتُنشر للجميع حتى تعم الفائدة من جهة.. وحتى يدرك القاريء طبيعة وشجاعة وجراءة الشيخ البشتي من جهة اخرى.
جانب اخر.. عجيب.. في حياة هذا الشيخ الفاضل.. لا يمكن ان نمر عليه بسهولة.. وهو ان القوة.. والجراءة.. وعزة النفس.. التي تميز بها الشيخ البشتي.. تميز بها تلاميذه ايضاً.. فمواقف تلاميذه.. وصمودهم.. وايمانهم.. هي صورة طبق الاصل.. من مواقف.. وصمود.. وجراءة.. وتصميم.. وايمان .. وقوة.. شيخهم.
ومن تلاميذه: الشاب الشهيد لطفي امقيق، الذي اصر على ان السنة النبوية الشريفة، مصدر من مصادر التشريع.. وان منكرها.. كافر.. وكان يردد ذلك وهو معلق من يديه في الهواء اثناء التعذيب، وكانوا كلما واصلوا التعذيب، كلما ردد، وبدون توقف، ما يؤمن به من مباديء وقيم وعقائد. ومن تلاميذه ايضاً: الشهيد محمد رشيد منصور كعبار، الذي اعتقل لنفس التهم العظمى (الدفاع عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم) وبقى في السجن لمدة اربع سنوات، يساومونه من اجل ان يتنازل عن مبادئه مقابل اطلاق سراحه، لكنه لم يتنازل.. رغم العذاب والتعذيب.. لم يتنازل.. حتى بعد ان هُدد بالشنق والقتل والذبح.. والسلخ. وشنق الشهيد.. فعلاً.. في حرم الجامعة لانه حمل فكراً يختلف عن فكر "الثورة" التي جاءت لتحرر الانسان من الظلم والغبن والقهر.
لقد كان الشيخ محمد عبد السلام البشتي.. اذاً.. رجل الساعة.. ورمز المرحلة.
فهنيئاً لشيخنا الفاضل.. وهنيئاً لتلاميذه.. فالرجال مواقف.. والعلماء مواقف.. وانك.. يا شيخنا.. قد احييت.. بكلماتك.. وبمواقفك.. امة كاملة.. وانك قد اعدت.. صولة احمد ابن حنبل.. ولااقول.. إلا كما قيل فيك من قبل: لن تُخذل امة انت ابن من ابنائها.. وهنيئا لك ايها الوطن.. هنيئاً لك.. بمثل اولئك الرجال الاسود.
والى اللقاء.. باذنه تعالى.. مع وسام اخر على صدر الوطن.
د. فتحي الفاضلي __________________
***
المراجع: 1- الشيخ والمسجد وجرائم الطغاة / افتتاحية "المسلم" / العددان السادس والسابع /السنة الاولى/ ربيع الثاني/ جمادى الاولى 1401هـ / ص 3-7. 2- البشتي.. مجاهداً محتسباً / "المسلم"/ شوال 1401هـ / ص 10-12. 3- من قضايا الوطن.. الشهيد رشيد كعبار ومدرسة الشيخ البشتي/ "شهداء ليبيا"/ العدد 12/ السنة الرابعة/ ذو القعدة 1404/ اغسطس 1984م/ص 21. 4- سجل الشهداء والضحايا/ "الانقاذ"/ العدد 37/السنة العاشرة/ عدد خاص عن حقوق الانسان في ليبيا/ ربيع الاول 1412هـ/ سبتمبر 1991م/ ص89. 5- جذور الصراع في ليبيا/ فبراير 1992م/ ص132-133. 6- كي لا ننسى.. الشيخ محمد البشتي في ذكراه/ فتح الله المجبري/ "المسلم"/ العدد 22/ السنة السادسة/ جمادى الاولى 1406/فبراير 1986م/ص20.
|
|