![]() |
|
صفحة الدكتور فتحي الفاضلي |
|
البديل السياسي في ليببيا و دولة ما بعد الثورة
ثورة الكلمة
جذور الصراع في ليبيا
المعارضة الليبية
التبعية |
همسات على طريق النضال..
3- الى صديقي الامازيغي.. لا للاضطهاد.. نعم للوطن الواحد
النظام الليبي يضطهد جميع الناس، بما فيهم الامازيغ، ليس لانه نظام عربي، بل لانه نظام ارهابي.
عشت وترعرت في المناطق الشرقية، وبالذات، في مدينتي درنة وبنغازي، ولم يحتل الشأن الامازيغي، حيزا في مجالسنا او احاديثنا او ثقافتنا الشعبية، في تلك المدينتين، بل في المناطق الشرقية بصفة عامة. ليس لعدم اهمية هذا الامر، بالطبع، ولكن اما لبعد تلك المناطق عن ذلك الشأن، او لاهتمام المناطق الشرقية، بقضايا اجتماعية وتاريخية مختلفة. ولا ضير في ذلك.
وعندما انتقلت الى جامعة طرابلس، تعرفت على اخوة كرام، من مدينة طرابلس، ومن مدينة زوارة، ومن الجبل، وتعرفت على الشأن الامازيغي، ولكن عبر مصطلحات مختلفة، كـ "الجبالي" و"الزواري"، وكونت صداقات عديدة مع اهل تلك المناطق. وسعدت بزيارة مدينتي "يفرن" و"تازمرايت"، وما جاورهما من مناطق. كما اصبح العديد من الاخوة، من زوارة والجبل، من غير العرب، بعد انتهاء الدراسة الجامعية، زملاء في العمل. كما تعرفت على الشهيد "محمد يحى معمر"، نجل الشيخ "علي يحي معمر" (رحمهما الله)، وقد ربطتني به علاقة وطيدة، استمرت مع اصهاره ومع ذريته، الى يومنا هذا. بل وتعرفت عن قرب، على عملاقنا الحاضر دوما الدكتور "عمرو النامي". ومن المصادفات التي اود ان اشارك بها القاريء الكريم، في هذا الصدد، ان آل "الجبالي"، كانوا جيرانا لنا، في مدينة بنغازي، كما كانت عائلة اخرى كريمة، من مدينة زوارة، جيرانا لنا ايضا، في مدينة طرابلس، وكانوا جميعهم من اجود الناس واكرمهم.
وتألمت، كغيري من البشر، لما تعرضت له السيدة ارملة المرحوم السيد محمد مادي، واطلقت على تلك الحادثة الكارثة، اسم "غزوة يفرن"، لما سببته تلك الهجمة، من ارهاب لسيدة ارملة ليبية، من قبل جيش جرار، من شباب مغرر بهم، محسوب على الدولة، ولما سببته تلك الحادثة ايضا، من خيبة امل كبيرة. فقد كنا نأمل في اصلاح بعض الامور، ولكن رأينا بدلا من ذلك، جيلا جديدا، من الشباب، يمارس نفس الغوغائية، التي افسدت البلاد والعباد، ورأينا فيهم لجان ثورية جديدة، يرتدي افرادها القبعات، بدلا من الباريهات. ورأينا في اولئك الشباب، عودة، بل إعادة، لدورة القمع والشر والارهاب، ولكن بحلة جديدة. كما كنا نرى ايضا، ان "الدولة"، كانت تستطيع ان تعالج الامر، بموضوعية وانسانية وهدوء.
اما لماذا، اخي الكريم، هذه المقدمة الطويلة؟ فمن اجل ان نستمع، بقلوب صافية، الى بعضنا البعض.
ولعلني اقول ان بعض الامازيغ، الذين ينادون بالانفصال عن العرب، قد وجدوا في غباء النظام وتسرعه واستخدامه للقوة والعنجهية والتسلط في معالجة الشأن الامازيغي، فرصة لا تعوض، فاضافوا الى قائمة المطالب الامازيغية، امور اخرى من بينها "الانفصال"، ومحاربة "الاسلام"، انطلاقا من ان الاسلام، هو الدين الذي جاء به الغزاة العرب، بل طالبت بعض تلك الاصوات، بطرد الليبيين العرب من ليبيا، على اساس ان ليبيا ارض امازيغية، احتلها اولئك العرب.
وكما وجد اصحاب هذا الخطاب، من الامازيغ، ضالتهم في عنجهية وقسوة وجبروت النظام الليبي القائم، وجد النظام ايضا، ضالته في مثل هذا الخطاب المتطرف، فوظفه بخبث، في تشويه ومحاربة الحقوق الامازيغية العادلة، ووظفه كذلك في ابعاد الاخرين، من غير الامازيغ، عن تأييد المطالب الامازيغية العادلة المعتدلة، او حتى مع التعاطف، مع مطالبهم، على اساس انها تشمل مطالب عرقية عنصرية، تهدف الى تقسيم الوطن، ومحاربة الاسلام والعرب، مع الارتباط بامتدادات خارج الوطن، لا تتمنى الخير لليبيا. ليس ذلك فحسب، بل وظفه في محاربة صوت المقاومة والمعارضة الليبية بكاملها.
وكغيري من الليبيين، لست ضد الخطاب، او المطالب الامازيغية العادلة، والتي لا تشمل محاربة العرب والاسلام، وتمزيق الوطن. ولكنني ضد الخطاب الذي يرمي الى ان النظام الليبي، يضطهد الامازيغ، ويعرضهم الى التعريب الممنهج، لانه نظام عربي، يضطهد فئة او طائفة او شريحة غير عربية. وهو المدخل الذي استعمله او استغله، اصحاب الخطاب المتطرف، لتمرير ما يمكن تمريره، بينما نعلم جميعا، ان النظام الليبي، يضطهد جميع الناس، بما فيهم الامازيغ، ليس لانه نظام عربي، ولكن لانه نظام ارهابي.
فالنظام الليبي، قمع، ومازال يقمع، كل فكرة او رأي او دعوة، قد يتجمع حولها الناس، او حتى شريحة من الناس. بما في ذلك الدعوات الوطنية والعرقية والجهوية. وبما في ذلك ايضا، القومية العربية نفسها، فقد كانت دعوته الى القومية، في بداية الانقلاب، دعوة مؤقتة، ريثما يتم تصفيتها وتصفية اصحابها، وقد تم ذلك بالفعل. بل ان النظام ضد ان يتجمع الناس، حتى حول حركة تاريخية ما، او حول علم، او دستور، او قائد، بل حتى حول "حب الوطن"، والادلة على ذلك، لا اول لها، ولا اخر.
لقد شملت قائمة ضحايا النظام، كل من البعثيين واليساريين والقوميين، والقوميين العرب، والاسلامين، والوطنين، والعمال، والموظفين، والطلاب، والمثقفين، والشرطة، والعلماء، والشيوخ، والائمة، والضباط،، والجنود، والمتعلمين، والاميين، بل واعضاء مجلس قيادة الثورة، الذين صنعوا الانقلاب، وكبار رجال الامن، الذين خدموا النظام، ووهبوا له حياتهم، من العرب، ومن غير العرب.
بل وتكفينا طلة سريعة على قوائم ضحايا الايدز، وابوسليم، والطائرات، التي سقطت او اسقطت، وضحايا الحروب، وضحايا المشانق، في شوارع مدننا وقرانا، والذين ماتوا في السجون- تكفينا طلة سريعة على هذه القوائم- لنتذكر ان ضحايا هذا النظام الاهوج، هم من جميع انحاء الوطن، من الشرق والغرب والجنوب، ومن العرب وغير العرب. جميعنا، اذا، ضحايا لهذا النظام الغبي. لذلك يجب ان نواجهه جميعا، ولكن دون ان نهدد كيان الوطن.
ان الانظمة الطاغوتية الديكتاتورية، لا يهمها، في النهاية، ان تذهب ويذهب معها الوطن. بل ان تمزيق الوطن، يعتبر نصرا مؤزرا للديكتاتوريات. ان الهزيمة الحقيقية لمثل نظامنا الطاغوتي، هو ان يذهب النظام، غير مأسوف عليه، ويبقى الوطن كما هو، بل اقوى مما كان. هذا هو الانتصار الحقيقي للقوى الوطنية الليبية.
فماذا، على سبيل المثال، لو نجحت ايطاليا، في ان تجعل من ليبيا الشاطيء الرابع لها. او ماذا لو نجحت، الدول المجاورة، وغير المجاورة، في فرض وصايتها على برقة وطرابلس وفزان، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. لو حدث ذلك، لتحولت برقة الى ولاية مصرية، او الى محافظة من محافظات مصر، الى يومنا هذا. او ربما تحولت الى مقاطعة تابعة للانجليز، وربما اصبحت طرابلس تابعة لايطاليا، او روسيا، ولاصبحت فزان تابعة لفرنسا، الى يومنا هذا. الا يعتبر ذلك، قمة الهزيمة. الا يعتبر خروج الليبيين بوطن ممزق، بعد اربعين عاما من الاحتلال الايطالي، وبعد اربعين عاما، من الجهاد والمقاومة والكفاح والمعاناة والتهجير والاضطهاد، الا يعتبر ذلك اكبر هزيمة يتلقاها الشعب الليبي. لكن اجدادنا خرجوا منتصرين، بوطن موحد، من بين براثن استعمار اهوج احمق بغيض شرس، لا يقل بغضا وشراسة وغباء عن نظامنا الحالي. ونحن ايضا، نستطيع ان نهزم النظام، وان نحافظ على كيان بلادنا.
النظام القائم سيرحل، حتما، كما رحلت الاف الانظمة الظالمة في التاريخ. وليس من العدل ان نورث لاجيالنا القادمة، وطنا ممزقا، فتعاني تلك الاجيال، اكثر مما يعاني جيلنا. ليس من العدل ان نورث لاجيالنا، مناطق وولايات، تفتقد الى مقومات الدولة، فتصبح لقمة سائغة، لمن شاء، خاصة وان العالم المجاور، وغير المجاور، ينتظر فاغرا فاه، لابتلاع ما يمكن ابتلاعه.
فهل لي ان اسأل صديقي الامازيغي، ان نتعاون في تنقية صوت المقاومة والمعارضة، من الدعوات العنصرية والجهوية، التي ستغرق الوطن في بحر من الظلم والمعاناة. وهل لي ان اسأل صديقي الامازيغي، ان نرفع معا، الاضطهاد الاجتماعي والثقافي والسياسي، عن الوطن بكامله، وان ننتزع حقوقنا العادلة، وان نحتفظ في نفس الوقت بوطن واحد موحد. خاصة وان الدعوات العرقية، والدعوات الانفصالية، والجهوية، لا تهدد النظام فحسب، بل تهدد كيان الوطن بكامله، وحتما، سيرحل النظام، اما الوطن فباق.
هل نستطيع معا، ان نقطع الطريق امام الاصوات العنصرية والجهوية النتنة. انني لا اشك بان " نعم " ستكون هي الاجابة التي ستصدر من كل قلب محب للوطن ولاهل الوطن. نعم، نستطيع معا ان نفعل ذلك. نستطيع جميعنا ان نقول لا للاضطهاد، ونقول لا للارهاب، ونقول لا للقمع، ونقول لا للتسلط، الذي يمارسه النظام في ليبيا، ونستطيع في نفس الوقت، ان نقول - معا- نعم لليبيا وطن لنا جميعا. والله من وراء القصد.
اضغط هنا للاطلاع على همسات على طريق النضال 1- فلنرتق الى مستوى المعركة اضغط هنا للاطلاع على همسات على طريق النضال 2- لا يمكن ان تكون الكلمة مقدسة اكثر من الله
كتبت في 28 مارس 2010م
د. فتحي الفاضلي __________________ لمراسلة الكاتب
لزيارة موقع الكاتب
|
|