صفحة الدكتور فتحي الفاضلي

 

 

البديل السياسي في

ليببيا و دولة ما بعد

الثورة

 

ثورة الكلمة

 

جذور الصراع في

ليبيا

 

المعارضة الليبية

 

التبعية


 بسم الله الرحمن الرحيم

 

السؤال الوقح.. ماذا يريد الليبيون؟
 

دعونا نتظاهر.. بمناسبة العيد السعيد.. ان قادتنا هبة ساقتها الاقدار الينا.. وانهم اشداء على الكفار ‏رحماء بيننا.. وان جنوبهم تتجافى عن المضاجع ..قلقاُ.. على احوال الرعية المزعجة.. واننا.. ‏نحن الليبيين.. اغبياء.. لا نعرف ماذا نريد.. وان سبب هذا الغباء المفرط.. هو البذخ والترف ‏واللهو.. الذي يرزخ فيه هذا الشعب.. المدلل.. منذ الانقلاب المعجزة.. الذي ساندته "الملائكة".. ‏حتى يومنا هذا..‏


دعونا.. وبالمرة.. نتظاهر.. باننا لم نُعبر.. يوماً ما.. بوضوح وصراحة.. عما نريد.. وان قادتنا.. ‏لا يعرفون.. فعلاً.. بعد اكثر من ثلاثة عقود.. ماذا يريد الشعب.. الذي ترعرع في اجواء الانقلاب ‏العظيم.. و"رضع" نظريات وتعاليم وتوجيهات القيادة الحكيمة.‏


دعوني.. ايضاً.. استسمحكم عذراُ.. وادعوكم الى ان نتظاهر بان الشعب الليبي.. ولد مع الانقلاب ‏‏"الالهة"، وانه كان قبل هذا الانقلاب شعباُ لا تاريخ.. ولا وجود.. ولا جهاد له.. وان ليبيا كانت.. ‏قبل هذه الثورة النادرة.. ارضاً جرداء.. قاحلة.. خالية من الشجر والحجر والبشر.. لا علم فيها.. ‏ولا سياسة.. ولا علماء. وحتى الاحداث التاريخية.. منذ التحنو والليبيو والمشواش الى الفاتح من ‏سبتمبر، بما في ذلك بالطبع، جهاد الابطال والحركة السنوسية والتمرد على الدولة العثمانية ‏واعلان الجمهورية الطرابلسية وتاريخ فزان بكامله وعمر المختار والتفاعل القديم والحديث مع ‏قضايا الامة العربية والاسلامية كقضية فلسطين والجزائر، والاحزاب والجماعات التي تأسست ‏في الاربعينيات وقادت حرب التحرير منذ اكثر من نصف قرن.. قبل الانقلاب.. ومسيرة الشعب ‏الليبي بكاملها.. تلك الاحداث والوقائع والامور.. دعونا نعتبرها.. من باب خفض الجناح لولي ‏الامر.. ومن باب القول اللين.. احداث ووقائع وقضايا لا اساس لها من الصحة. ثم.. ومرة ‏اخيرة.. وبعد الاذن من الشهداء.. دعونا نتظاهر.. بان قادتنا سيستجيبون.. فعلاُ.. لطلباتنا بمجرد ‏العلم بها. ‏


دعونا نتظاهر بكل ما سبق.. ونحاول ان نجيب على السؤال الوقح.. الذي يقول: ماذا يريد ‏الليبيون؟ ذلك السؤال الذي يقفز بيننا.. من حين الى اخر.. دون استئذان.. كالجراد. سؤال.. ‏يطرحه البعض بغضب ثوري هائج.. ويطرحه اخرون بشماتة.. ويطرحه غيرهم بغباء ممزوج ‏بوقاحة من الطراز الاول. ‏


نقول.. اجابة على هذا السؤال.. باننا نريدكم ان ترحلوا عنا . فارحلوا.. قدماء وجدد وقادمون.‏


فنحن.. وكما تعلمون.. شعب بسيط ساذج من الطبقة العاشرة بعد الالف.. ومن الواضح جداُ.. اننا لا ‏نستحق قادة عظماء حكماء امثالكم.. فارحلوا عنا.. وابحثوا لكم عن شعب اخر.. تستحقونه ‏ويستحقكم.


وبعد رحيلكم.. مباشرة.. وقبل ان يرتد الى اي منكم طرفه.. ‏


سيصدع الاذان من جميع مآذن ليبيا ومساجدها.. في نفس اللحظة.. وفي كل قرية وريف ‏ومدينة.. وسنكرم الحبيب صلى الله عليه وسلم.. تكريماُ.. لم يشهد له التاريخ الاسلامي مثيل.


ثم سنكرم.. بمجرد رحيلكم.. شهداءنا، في اعظم جنازة رمزية تشق.. كما نوهنا من قبل.. جميع ‏قرى ومدن وارياف وصحاري ليبيا، جنازة عظيمة ستمر على كل موقع سقط فيه شهيد من ‏الشهداء.. وسيرافق هذه الجنازة الزغاريد والافراح.. برحيلكم.. من جهة.. وبتكريم ابناء ليبيا.. ‏من جهة اخرى. ‏جنازة، يحتضن بعدها تراب ليبيا رفات الشهداء ورموزهم واجسادهم واسماءهم.. جنازة.. ‏سيشهد العالم.. ويعرف.. من خلالها كيف يكرم ابناء ليبيا ابطالهم ورموزهم وشهداءهم.

 

 

 

 

 

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


وسنطلق.. اسماء الشهداء.. واحداً واحداً.. على اكبر ميادين ليبيا وشوارعها وحاراتها ومدارسها ‏ومؤسساتها.. وسنبني المعالم التي‎ ‎تحيي ذكراهم.. وسيمر اطفالنا واحفادنا على هذه المعالم ‏يستمدون منها العزة والقوة والكبرياء المستمدة من الله سبحانه وتعالى.. سيمر احفادنا على هذه ‏الرموز والمعالم.. وسيتساءلون.. وسنجيب على تساؤلاتهم واستفساراتهم.. بفخر.. وتقدير.. ‏واعتزاز. ‏


سنعيد باذن الله، كل ما دمرتموه من معالم ومساجد.. بل سنضيف.. معالم اخرى.. ومساجد ‏اخرى.. واسماء اخرى.. وستصبح قبور‎ ‎شهدائنا.. ومساجدنا.. رموزا تُحيي الجهاد والنضال ‏والكفاح في اجيال اخرى قادمة الى‎ ‎يوم القيامة ان شاء الله.

 ‏
‏سنفتح ابواب السجون والمعتقلات.. ونحرر ابناء ليبيا.. سيلتم بعدكم الشمل.. سنمسح دموع ‏الثكالى.. سنستقبل شهر الايمان والقرآن.. بدون كد ومشقة وتنغيص.. سيفرح اطفالنا كما يفرح ‏اطفال المسلمين.. سنحطم.. بعد اذنكم.. البوابات والسجون.. ونقيم بدلاً منها حدائق ومكتبات ‏ورياض للاطفال.. سنعيد بناء مدارسنا وجامعاتنا ومعاهدنا.. سنكون منارة علم.. ومنارة امن ‏وامان.. وسلام.. ستكون مستشفياتنا مستشفيات.. ومصحاتنا مصحات.. ياتيها من ادنى الارض ‏واقصاها الناس.. لن نتفرس بعدكم في وجوه الطيبين.. ولن نحصي ركعات المصلين.. ولن ‏نحصي سجودهم وتسبيحهم وابتهالاتهم.. ستنتشر البسمة.. على الوجوه الطيبة.. سنشارك العالم ‏بحضارتنا وتراثنا وتاريخنا.. لن نطمس ابداعات المبدعين.. حتى لو تفوقوا على ابناء ولي ‏الامر.. دون اذن من ولي الامر. لن ندافع عن الطغاة.. بل ستكون بلادنا مأوى لاهل الحق والخير ‏والعدل.‏


‏الشعب الليبي.. وبعد اذنكم.. يريدكم ان ترحلوا.. وبعد رحيلكم..

 ‏
سوف نمثل بلادنا.. في كل محفل.. برشاد وهيبة ووقار.. فلن تكون ليبيا.. بعدكم.. مادة.. للضحك ‏والتندر والاستهزاء.. لن يرى العالم.. بعدكم.. قادة ليبيا وهم محاطين بملكات الجمال العاهرات.. ‏بل سيرى العالم صورة المختار.. مكبل.. كالاسد.. في الاغلال.. ومحاط بجند الفاشست والاعداء ‏والكفار.


بعدكم..


ستتحول اذاعاتنا وصحفنا ومجلاتنا.. الى منارات ادبية وثقافية وعلمية.. لن تصبح ابواقا.. تسبح ‏بحمد الاوثان.. سنكرم ابناء ليبيا وبناتها.. قبل ان نطبل ونكرم ونزمر لابناء الاخرين وابطالهم.. ‏لن تتدخل بلادنا لتحرير الطغاة.. لن تتطوع لاطلاق سراح الملل والنحل.. بينما يُدفن الليبيين ‏دفناً.. ماديا.. ومعنوياً.. في سجون.. لا ترضى ان تتبول فيها خنازير الشرق والغرب.


الشعب الليبي يريدكم ان ترحلوا.. وبعد رحيلكم.. سيحل محلكم.. بديل.. اخبرناكم عنه.. واخبركم ‏عنه اخرون.. بديل..


يوقر كتاب الله، والانبياء صلوات الله عليهم اجمعين، ويوقر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ‏اجمعين، وائمة المذاهب والعلماء والشيوخ، ويحترم.. هذا البديل.. عقيدة الناس ولا يخوض فيها ‏ولا يستهزيء بها او بمقدسات المسلمين، فلا مكان.. بعدكم.. للاستهزاء بالقرآن الكريم او البسملة ‏او بدين الرحمة او بالانبياء الكرام او بالاحاديث الشريفة او بالصحابة الكرام او العلماء الاجلاء ‏او بشعيرة من شعائر الاسلام او بالحجاب او الصيام او باي ركن من اركان الاسلام واصول ‏الدين وفروعه، فهي جميعها قيم ومقدسات وشعائر لها في قلوب المؤمنين قدسية ومكانة ومحبة ‏وتقدير.‏


ارحلوا فسيحل بعدكم..


بديل يحترم القوات المسلحة ويحترم دورها ويصلح من وضعها ويجعلها اداة لحماية الجماهير لا ‏اداة لقمعها. وبديل يوفر للمواطن الامن والامان، فمؤسسات الامن ما وجدت الا لتكون في خدمة ‏المواطن لا خدمة النظام. وبديل يحفظ للانسان في ليبيا قيمته ومكانته وكرامته، تلك القيمة ‏والمكانة والكرامة التي استمدها من قيوم السموات والارض "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في ‏البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً.. الاسراء/70".‏
 

وبديل يعتبر ان قيمة ومكانة وكرامة الانسان، ليست منة من احد، بل هبة من الله سبحانه وتعالى. ‏وحق من حقوق المواطن، فهي قيمة مقدمة على سيادة الدولة، فما وجدت سيادة الدولة الا لحماية ‏الانسان وحفظ كرامته وضمان حرياته، فلا وطن بلا انسان. بل ان قيمة المؤمن عند الله سبحانه ‏وتعالى اعظم من الكعبة نفسها، كما ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 ‏
وبديل سياسي يقدر مبدعي البلاد ومثقفيها وكتابها وادبائها واساتذتها ومدرسيها وطلبتها ويقدر ‏الاطباء والمهندسين والمتعلمين والنخب بصفة عامة، بل يفتح الطريق لابداع المبدعين وانتاج ‏المنتجين في اي مجال من مجالات البناء المادي والمعنوي، ولا يمسخ او يطمس او يتجاهل ‏الانسان في ليبيا، بل يدعو الناس باسمائهم لا بارقامهم او مناصبهم او وظائفهم.

 ‏
وبديل يمارس العنف (ان كان لابد من ذلك) ضد اعداء الامة، لا ضد الشعب، فيوجه رصاصه ‏وحرابه وحبال مشانقه الى اعداء الامة العربية والاسلامية، واعداء الليبيين، لا الى صدور ‏المسلمين ورقابهم تحت مختلف المصطلحات والتهم والمفردات، فجميعنا ابناء ليبيا وجميعنا نحب ‏ليبيا، ولا احد من النظام او اعوانه يزايد على احد بذلك.

 ‏
وبديل يحشر في سجونه، الجواسيس واعداء البلاد، لا ابناء البلاد ومواطنيها. وبديل يكون فيه ‏امن وحرية وكرامة المسلم مقدمة على غيره من منتسبي الملل والامم والنحل الاخرى، فلا يقبع ‏المسلمون ليبيا في المعتقلات والسجون بينما يسير الملحدون والكفار في بلادنا مرفوعي الجبين ‏اعزاءا احرارا يتمتعون ببلادنا وبشمسها وهوائها وشواطئها.


وبديل يسخر ثروة البلاد لخدمة البلاد، لا خدمة بلدان الغير، ويكون النظام فيه في خدمة الاقتصاد، لا ان يكون الاقتصاد في خدمة النظام. وبديل يجاري فيه التعليم العصر، شكلاً ومضموناً، من القلم والدفتر الى اعلى انماط واشكال التقنية العلمية الحديثة المعاصرة. ‏


ثم بديل يكون فيه الدستور، جسراً يربط بين النظام وقيم الامة، من عقيدة وارادة وطموح وتراث ‏وتاريخ واعراف وتقاليد الامة.

 ‏
هذا ما يريده الشعب الليبي..

 ‏
‏ فهيا ارحلوا.. ارحلوا.. بكل ما تخفيه لفظة "الرحيل" من مشتقات ورموز ومصطلحات.. ‏وسنلتفت الى اليسار ونبصق ثلاث مرات.. ولن نخبر احد بما حدث.. فقط ارحلوا عنا وعن ‏بلادنا.

 

د. فتحي الفاضلي

_________________

لمراسلة الكاتب

fathifadhli@yahoo.com

ffadhli@hotmail.com