![]() |
|
صفحة الدكتور فتحي الفاضلي |
|
البديل السياسي في ليببيا و دولة ما بعد الثورة
ثورة الكلمة
جذور الصراع في ليبيا
المعارضة الليبية
التبعية |
بسم الله الرحمن الرحيم
ليبيا التي نقاتل من اجلها..
المعارضة خندق واحد.. فلماذا انقسمنا.. الى إصلاح وإسقاط.. وداخل وخارج.. ومسالم ومحارب.. ومنظم ومستقل.. وعرب وغير عرب.. وشرق وجنوب وغرب . لماذا صنعنا كل ذلك.. بينما سنؤكل جميعا.. يوم يؤكل اولنا.
ان المعارضة الليبية اليوم، وبعد مسيرتها الرائعة، عبرالعقود الثلاثة السابقة، في حاجة الى نقلة نوعية جديدة، تنقلها، من مجموعة من المؤسسات والتنظيمات والمستقلين والجماعات، الى تيار وطني شامل، يضم المستقلين والتنظيمات وجميع فئات الشعب في الداخل والخارج.
لقد كان الهدف الرئيسي للنظام في فترة السبعينيات، هو السيطرة على مؤسسات وكوادر ومجالات العلم والثقافة والفكر، بما في ذلك المدارس والجامعات والمعاهد، والمكتبات واكشاك الصحف والمطابع والمجلات . وبما في ذلك ايضا، الطلبة وهيئة التدريس والمتعلمين، والنخب والكتاب والمثقفين . لذلك كانت محاكمات الصحفيين والمذيعيين(يناير1972م)، والقمع المنظم الذي تعرض له كُتاب وطلبة ومتقفي ليبيا ونخبها في اوائل السبعينيات، وندوة الفكر الثوري (1972م)، وخطاب زوارة (ابريل1973م)، واصدار الكتاب الاخضر، والحرب الغبية ضد السنة النبوية الشريفة، نماذج ومظاهر لتلك الحرب التي شنها النظام على العلم والثقافة والفكر.
ولذلك ايضا، احتل التصادم، بين الطلبة والنظام، مسرح المقاومة في عقد السبعينيات. ذلك التصادم، الذي تمثل في مظاهرات واعتصامات ومسيرات وصدامات دموية، جرت بين الطلبة والنظام في ساحات ومدرجات وردهات الجامعات الليبية، وفي شوارع وميادين مدينتي بنغازي وطرابلس.
لقد دارت مطالب الطلبة في تلك الفترة، حول "الحريات" بصفة عامة، و"حقوق الطلبة" بصفة خاصة. وبالرغم من ان الحركة الطلابية، لم تخل في تلك الفترة، من الدفع والتوجيه، من قبل قوى سياسية حزبية مؤطرة، لا تنتمي الى القطاع الطلابي، الا ان الحركة الطلابية، اختارت، بارادتها، ان تكون الواجهة والوقود لتلك الفترة.
ومن جهة اخرى، لم يخلوالقطاع العسكري من المقاومة في السبعينيات، فكانت محاولة "آدم الحواز" و"موسى احمد" ومحاولة "سبها" ومحاولة الرائد "عمر المحيشي"، والاخيرة اقرب الى "الانشقاق" منها الى "الانقلاب"، حيث شارك فيها او تستر عليها، اعضاء من مجلس قيادة الثورة، والعديد من الضباط الوحدويين الاحرار، الذين قاموا بادوار رئيسية في انقلاب سبتمبر.
وانتهت السبعينيات بان اقتسم الطرفان (الطلبة والنظام) ساحة العمل السياسي، فاختلى النظام بالداخل، وسيطر القطاع الطلابي على الساحة السياسية في الخارج، واصبح هو المحرك والوقود والواجهة والنواة الاساسية لتنظيمات المعارضة الليبية، بمعاونة فئات من المثقفين والسياسيين والعسكريين ورجال الاعمال الليبيين في الخارج.
|
|
ومع نهاية السبعينيات ايضا، سقطت اغلب شعارات الانقلاب الاجتماعية والثقافية والسياسية . وبدأ اغلب الشعب الليبي، الذي خرج في اول يوم للانقلاب مرحبا به، بدأ، في فترة قصيرة جدا في عمر الشعوب، يتطلع الى سقوط الانقلاب، ولو بانقلاب مماثل. كما ادرك اغلبية الناس في ليبيا، ان اطروحات النظام ووسائله يراد بها حاجة في نفس "قارون"، لانها لا تصب في مصلحة الوطن، لغرابتها من جهة، وتوقيتها وطريقة فرضها على الناس من جهة اخرى . لقد شعر المواطن الليبي مع نهاية السبعينيات، ان خلف كل شيء معلن، يكمن شيئا ما مبطّن، لا يصب في مصلحة الوطن.
اما الثمانينيات فقد اتسمت بتطور المقاومة، من مقاومة يمثلها تيار عام غير منظم، وغير مؤطر، الى مقاومة منظمة. يمثلها كم هائل من فصائل واحزاب المعارضة، حيث تأسس، في الفترة الممتدة من 1980م الى 1987م، اكثر من عشرين فصيلا معارضا. مثلت، هذه الفصائل، مختلف التيارات الفكرية والسياسية والثقافية. ولم يكن اغلبها تنظيما، بالمعنى المتعارف عليه (من حيث العدد والعدة)، لكن بعض هذه الفصائل والتنظيمات، كان على درجة عالية من الجدية، مما حدى بالنظام الى التعامل معها بجدية مماثلة. وبيت القصيد هنا، ان عقد الثمانينيات، كان عقد "تأطير" المقاومة.
لكن فترة الثمانينيات لم تشتهر بذلك فقط،، بل اشتهرت بامرين اخرين هامين، اولهما: انتشار الصحوة الاسلامية، في اتون المحنة، اي عندما كان النظام في اوج قمعه وارهابه وتنكيله بالناس، وثانيهما: تصعيد التصادم بين النظام والمقاومة، الى ان وصل الى الصدام المسلح (مايو 1984م)، ومحاولة الجزائر(1985م)، وحشود تشاد، واغتيال "مصباح الورفلي" (1986م)، احد اعوان النظام، على ايد مجموعة من التيار الاسلامي، عُرفت بين اوساط المقاومة، باسم "مجموعة فبراير"، وتصادمات ومداهمات المساجد في بنغازي وطرابلس(1989م)، وتصادم النظام قتاليا، مع مجموعة من الشباب باحد المخيمات بمدينة اجدابيا (1989م)، وتصادمات بنغازي والرجمة ومصراتة وبنينة (1989م)، وما تبع ذلك من موجة، بل موجات من القبض على الاسلاميين بصفة خاصة، وعلى الشباب الملتزم بصفة عامة، حتى وصل الامر، الى القبض على الاف الملتزمين في حملة قمعية واحدة.
كان النظام، قبل الثمانينيات، هوالطرف الوحيد الذي يحمل السلاح، والطرف الوحيد الذي يمارس العنف، لكن المقاومة غيرت هذا المسار، حتى اصبح العنف المسلح، احد الخيارات الرئيسية للمقاومة المدنية، وذلك نتيجة للارهاب المنظم الذي مارسه النظام منذ مجيئه.
كان اكبر فشل يتعرض له النظام في الثمانينيات، هو فشل اطروحاته العقائدية، وعجزه عن الاتيان ببديل ثقافي، يؤمن به الناس في ليبيا . والدليل على هذا الفشل المخجل، يكمن في ان الشباب الذين صادموا النظام قتاليا، هم من الجيل الذي تربى تحت سمع وبصر، واعلام، ومعسكرات، وطبول، وابواق، ومزامير، وخيام، واموال، ومخابرات، واذاعات، وبنادق، واحذية، واسوار، وسجون، وقمع النظام.
وهكذا انتهت الثمانينيات بتأطيرالمقاومة، وانتشار الصحوة الاسلامية، بما في ذلك التيار الجهادي، وبروز الاسلام كاحد البدائل السياسية في ليبيا، وبروز الخيار المسلح، كخيار رئيسي للمقاومة المدنية، بالاضافة الى فشل فكر واطروحات وعقائد النظام، نظريا وعمليا.
كما يمكننا القول، ان الثمانينيات، تعتبر سنوات "الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا" في الخارج، حيث صنعت اغلب الاحداث السياسية والاعلامية والقتالية، بينما طغى التيار الاسلامي على ساحة المقاومة في الداخل.
اما التسعينيات فقد سيطرت قضية " لوكربي" على اجوائها، كما شهد عقد التسعينيات، تراجع، او شيء من الهدوء، في الصوت الاعلامي المعارض في الخارج، وقد يعود ذلك الى الحصار، وتأثيره على الناس، واستغلال النظام لهذا الظرف، مما دفع بالاعلام المعارض الى التركيز على معاناة الشعب الليبي، اكثر من التركيز على ممارسات النظام. كما شهد عقد التسعينيات، انقسامات وانشقاقات داخل فصائل المعارضة، مع حل بعضها، وتجميد البعض الاخر لنشاطها، وانسحاب اخرين، وانضمامهم الى قافلة المستقلين.
وبصفة عامة، ساد قبيل منتصف هذا العقد، شيء من الجمود على ساحة المقاومة، زاد منه فشل انقلاب 1993م، الذي تعارف على تسميته بـ" انقلاب ورفلة "، بل كادت روح المقاومة ان تخمد في تلك الفترة . إلا ان بروز "حركة الشهداء" و"الجماعة المقاتلة" او التيار الجهادي بصفة عامة، في النصف الثاني من هذا العقد، اعاد روح المقاومة من جديد، وخلق نقلة نوعية في ساحة المعارضة برمتها، بل جدد الامل في الاطاحة بالنظام، او التسبب في ذلك، على اقل تقدير.
كما انتقل الملف الليبي في الخارج، نقلة نوعية جديدة، بسبب بروز "حركة الشهداء" و"المقاتلة"، واكتشاف تنظيم "الاخوان المسلمين"، بحجم (نسبي) لا يطيقه النظام، ومحاولة اغتيال رأس النظام في التسعينيات، اضف الى ذلك ان الصدام المسلح الذي جرى في التسعينيات، كان اوسع من صدام الثمانينيات من جهة، ومحصور في القوى الاسلامية من جهة اخرى، وشمل اغلب المدارس الاسلامية من جهة ثالثة . نبهت هذه التطورات، الغرب، الى احتمال سقوط النظام على ايدي لا تتعامل معه بسهولة، ففضل ان يخفف من الضغط على النظام الليبي، او يرفع عنه الحصار بكامله. ساعد على ذلك، التفسيرات التي كان النظام يقدمها، حول اسباب نمو التيار الاسلامي في ليبيا (المسلح وغير المسلح)، فالنظام، وبعض الدول العربية (لا الافريقية) ذات المصالح الحيوية مع ليبيا، ربطوا الصحوة الاسلامية المفاجئة والقوية في ليبيا، بالحالة المزرية التي سببها الحصار، كما كان النظام، يؤكد "لاحبابه" و"احباب" النفط من العرب والغرب، ان هذه الصحوة، ليست خطرا من الناحية الفكرية او الثقافية فقط، بل يمتد خطرها الى ابعد من ذلك، فكانت الوساطة.. والاتفاق.. والصفقة.
بعد انشقاقات التسعينيات، واختفاء الصوت الاعلامي المطبوع نهائيا تقريبا، وهدوء حركة الشهداء، وتراجع "الجماعة المقاتلة"، والقبض على الاخوان المسلمين، وحل قضية لوكربي (مؤقتا على الاقل)، بالاضافة الى احداث سبتمبر2001م وتداعياتها..
بعد كل ذلك..
جاء العقد الاول من الالفية الثالثة، يحمل راية "الحل السلمي"، الذي فرض نفسه على الساحة، مصحوبا بتراجع (اعلامي) للمقاومة المسلحة، وللصوت القتالي او الجهادي، بل مصحوبا بتراجع في الحلول التي تستند على العنف بصفة عامة، على اعتبار ان هذه الاساليب، ستولد الارهاب، وستحاربها، بالتالي، قوى عديدة، بما في ذلك، المجتمع الدولي وتوابعه.
لذلك..
طغت على الساحة السياسية مفردات "المجتمع المدني" و"السلم" و"السلام" و"الحوار" و"الاصلاح". واتجهت المعارضة، الى مقاومة النظام عبر مؤسسات "المجتمع المدني "، كلجان ومنظمات "حقوق الانسان"، والدعوة الى "الاصلاح "، والتركيز على المطالب "الدستورية"، والحديث عن "الشرعية"، وقيادة الدولة بوسائل واسس "مدنية"، وغير ذلك من اصوات ودعوات، تصب في نفس الاطار.
ولذلك ايضا..
طغت نشاطات منظمات حقوق الانسان كـ"الرقيب" و"التضامن" و"الاتحاد الليبي للمدافعين عن حقوق الانسان" و"الرابطة الليبية لحقوق الانسان"، وغيرها، على مسرح المعارضة، وكثفت هذه المؤسسات، من تحركاتها فاحتلت نشاطاتها الساحة السياسية في هذه الفترة، كما احتل مطلب "الاصلاح" مساحة لا بأس بها، من الحيز السياسي للمعارضة الليبية، مقارنة بالماضي، بين مؤيد ومعارض لهذا الاتجاه، تماما كما حدث ويحدث مع كل تجديد او تغيير او تطوير، في وجهة او خطاب المعارضة الليبية، منذ السبعينيات الى يومنا هذا.
كما واصلت القوى التي تطالب باسقاط او تنحية او رحيل النظام، التمسك بمطالبها، الا انها تحرص، هذه الايام، على ضرورة ان يتم ذلك (الاسقاط او التنحي او الرحيل) بـ " الوسائل السلمية"، بعيدا عن العنف والبنادق والدبابات، وذلك استجابة للموجة "السلمية " السائدة، بل ان مصطلحات "التنحي" و"الرحيل"، هي في الواقع، مصطلحات مستجدة نسبيا، على خطاب المعارضة الليبية، طغت، الى حد ما، على مفردات "الانقلاب" و"الاسقاط".
لم يستطع النظام، هذه المرة، ان يغرد، خارج السرب، ليتفادى موجة التغيير العام، وكلما حاول ذلك، كلما لطمه اللاطمون. بل فقد المقدرة حتى على التغريد القبيح، فلم يجد المفر من الاستجابة الى موجة" الديمقراطية القسرية".
اما على المستوى الداخلي، فقد شاهدنا على شاشة الفضائية الليبية، مسرحيات ركيكة، حاول النظام من خلالها، إقناع العالم، بان النظام السياسي الليبي، نظام ديمقراطي، مؤسس على حرية الرأي.. والتعبير.. والحوار.. بين مختلف القوى السياسية الليبية.. وان في ليبيا.. رأيا.. ورأيا اخر.. وان النظام.. لا يصدر قرارا.. ولا يخطو.. خطوة.. الا بعد.. تفكير.. وتدبر.. وتدبير.. وبعد.. كر.. وخصومة.. وفر.. وصدام بين "العديد" من القوى السياسية الليبية ذات "العديد" من الرؤى السياسية.. داخل المؤتمرات الشعبية.. لينتهي كل ذلك بتصويت.. نزيه.. نابع من ديمقراطية صافية نقية وافية.. هكذا يريد ان يوحي النظام للعالم الخارجي.
بل تمادي النظام.. فاراد ان يثبت.. ان صراعا ما.. يدور.. بين اجنحة ما.. وان النظام منقسم على نفسه.. الى.. حمائم.. وصقور.. وحرس قديم.. واخر جديد.. وجناح ثوري.. واخر اصلاحي. واعوان المجتمع المدني.. واعداء المجتمع المدني.. وان النظام يساند الجانب الاصلاحي.. وانه لولا صعوبة اجتثاث الجناح الثوري من جذوره.. لتحولت ليبيا.. اليوم قبل الغد.. وبمساعدة رؤؤس النظام.. الى مجتمع مدني تقوده المراكز والمؤسسات المدنية . ليس ذلك فحسب.. بل ان النظام يشجع حالة من الصراع الديمقراطي "الوهمي"، بين تلك الاجنحة "الوهمية"، لانه يدرك، ان مثل هذا الصراع، يدل على هامش من الحريات السياسية في ليبيا . والغريب في الامر، ان طبيعة النظام لا تسمح بنمو الاجنحة، فجميعها مقصوصة، بل لا يُصنف احد، حتى تبعا لاي من الاجنحة الوهمية، الا اذا قص جناحيه.. واطرافه.. ورجليه.. واغمض عينيه.. والجم لسانه.. وسد اذنيه.. ونزعت اظافره.. وحوافره.. ومخالبه.. وروض ترويضا ثوريا كاملا.
وتاكيدا على جدية النظام، ورغبته في تحويل المجتمع الليبي الى مجتمع مدني، امر ممثليه، في عدة دول، بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية، ان ينظموا لقاءات وحوارات مع الجاليات الليبية. كما اطلق النظام، تصريحا وتلميحا، الوعود التي تؤكد استعداده لمساعدة افراد "الجالية الليبية في المهجر"، وتحسين اوضاعها . بل ما زال ممثلي النظام، حتى يومنا هذا، يقحمون انفسهم في نشاطات الجالية الليبية وتجمعاتها في الخارج، عبر شتيء الصور . والامثلة على ذلك عديدة، لا تحصى ولا تعد . بل ان مصطلح او مسمى "الجالية الليبية في المهجر"، هو تصنيف جديد "لطيف" يتناسب مع الموجة "الحمائمية" العالمية الجديدة، ويتناسب مع موجة "الديمقراطية القسرية" و"قبول الاخر"، وهو ايضا، تطور فريد، انتقل فيه الليبيون من خانة الـ "كلاب الضالة" و"الخونة" و"الزنادقة" و"العملاء"، الى خانة "الجالية الليبية في المهجر".
كما قد يصب في هذا الاطار ايضا، السماح لليبيين بالاحتفاظ باكثر من جنسية، وكذلك السماح بتنظيم المظاهرت في ليبيا، ليس لتأييد النظام، وليس لمهاجمته ايضا، بل للاحتجاج على امر ما، لا يخص "القائد" و"النظام"، وابراز هذه المظاهرات، كمبادرات من الشعب، لا يد للسلطة فيها . ويصب في هذا الاطار ايضا، ،غض الطرف عن بعض كتابات (ثقافية) ومشاركات اًرسلت من الداخل، ونشرت في مواقع عديدة على صفحات الانترنت المعارضة، والجديد في هذا الامر انها نُشرت باسماء اصحابها، وما كان النظام يتغاضى، في الماضي القريب، عن كتابات ومشاركات ثقافية، اقل حدة مما رأينا وما زلنا نرى.
وتوجت نشاطات النظام في هذا الاتجاه، بحوار علني، بثته احدى القنوات الفضائية، جرى بين احد المعارضين البارزين، المحكوم عليه بالاعدام غيابيا في ليبيا، والمفترض انه من بين المطلوبين دوليا على قائمة الانتربول، وبين احد اعوان النظام الذي ما كان يجرؤ على التلفظ باسماء المعارضين، دون ان يلحقها بسيل من اسماء الحيوانات، يتبعه سيل اخر من الاتهامات. حدث ذلك ، بينما من ثوابت النظام، والى عهد قريب، اهمال المعارضة، وانكار وجودها، ووصفها باوصاف ونعوت، تُخرج منتسبيها من دائرة البشر، بل ان من اهم ثوابت النظام، والى عهد قريب، استخدام عملاء من جنسيات غير ليبية، لتمثيل النظام في حواراته العلنية، مع وضد المعارضة الليبية، تاكيداً لعدم اعترافه بالمعارضة وتجاهلها وانكارها.
النظام، هذه الايام، وباختصار شديد، يمارس، مع المعارضة، عملية "تطبيع"، يأمل من خلالها ان تذوب المعارضة في اتون "الفقه الثوري"، كخطوة لانهائها الى الابد.
ليس ذلك فحسب.. بل ان هذا "التطبيع" متعدد الاهداف، لا يكتفي بانهاء المعارضة، بل يحقق هدفان رئيسيان اخران، اولهما: اشارة من النظام (لمن يخاف منهم ويسمع لهم) الى رغبته في الدخول في "السلم كافة"، اي ركوب موجة "الديمقراطية" " والحريات " والصبغة المدنية بصفة عامة. ففتح باب الحوار مع " العملاء" و"الكلاب الضالة" و"الخونة"، يعتبر اشارة الى قبول الرأي الاخر، وقبول السلم والتسامح والاصلاح والسلام . وثاني هذه الاهداف، من وراء هذا التطبيع: هو تهيئة الاجواء للبديل القادم.
فالبديل القادم، لابد ان يسير على ارضية نظيفة.. صافية.. نقية.. دون ازعاج.. ومطبات.. فملفات.. الايدز.. وتشاد.. والمعارضة.. ولوكربي.. وافحيمة.. وفلسطين.. والطائرة الليبية.. والصدر.. وتطبيع العلاقات مع اسرائيل.. وقضية تي. يو.. الفرنسية.. وابوسليم.. جميع هذه الملفات وغيرها.. لابد ان تقفل الى الابد.. لضمان الحياة الطويلة.. الميسرة.. المديدة.. للنظام.. ووريثه.. "القادم الحاضر".
فتطبيع المعارضة، جزء من تهيئة الرأي العام الليبي، لقبول إرادي لمبدأ التوريث، الذي نفاه النظام نفيا سطحيا رقيقا ناعما، هو اقرب الى التأكيد منه الى النفي، تمثل في تصريحات ومقولات عديدة على نمط "انا لست رئيسا"، منها على سبيل المثال، تصريحات تقول: "ان الحديث عن هذا الامر لم يحن وقته بعد"، وتصريحات اخرى تتحدث عن الفرق بين "الزعامة" و"الرئاسة"، تقول: "من السهل ان تكون رئيسا، ومن الصعب ان تكون زعيما"، واخرى تؤكد على الفارق بين منصب ومهام "الرئيس" ومنصب ومهام "المفكر" و"القائد" و"الزعيم"، في محاولة لتبسيط منصب الرئاسة والتقليل من شأنه من جهة، والحديث عن التوريث بحساسية مفرطة لا تشير الى موت "القائد" ولا تذكرنا بهذا الموت من جهة ثانية، وقبول "الزعيم" و" الرئيس" معا، وفي نفس الوقت، من جهة ثالثة.
والحقيقة.. ان التوريث الفعلي، قد بدأ، وربما انتهى، بينما الوارث والموروث ما زالوا احياء يرزقون، ولن يكون هناك قرارا صريحا بهذا الامر.. ولن يتم الاعلان عنه.. ولا يوجد في اجندة النظام يوم او تاريخ محدد.. او مراسم.. او حفلة.. يعلن فيها "التسليم" و"الاستلام".
وحتى تتم البيعة والقبول والرضى الارادي، نجد ان البديل "القادم الحاضر" يتحدث عن ضرورة اطلاق سراح السجناء فورا، وعن دعم حرية الرأي والصحافة والتعبير، ودعم الثقافة والمثقفين، والغاء اللجان الثورية، واصلاح الدولة ومؤسساتها المدنية، واصلاح التعليم، والقطاع الصحي، وتأخر الرواتب والقبض على المواطنيين بدون سبب، وغير ذلك، من قضايا واماني وطموحات، يتحدث عنها الشعب الليبي منذ ثلاثة عقود ويزيد . بل من مظاهر ذلك، الحرص على مخاطبة "الوريث" كمرجعية، يستنجد بها الناس عندما يُظلمون.
البديل والوريث "القادم الحاضر" يريد ان يوحي انه الفارس الذي سيتعامل مع هذه الامور، وانه لولا الجناح المتطرف، الذي يقف ضده، لحقق كل طموحاتنا . يريدنا ان نتقبل.. نفسيا.. وبارادتنا.. مجيئه.. وحضوره.. وقدومه.. يريدنا.. عبر "اغلب" تصريحاته.. ان نقول.. متى ياتي البطل الذي منعته قوى الشر.. او منعه الجناح المتطرف.. من تحقيق طموحاتنا.. هذه هي الالية النفسية التي يمهد بها النظام القبول الارادي.. للفارس القادم . وتطبيع المعارضة، ثم القضاء عليها، جزء من هذه الالية.
وهكذا..
جنح النظام، نظريا، الى خطاب الاصلاح والسلم والحوار، ومساندة المجتمع المدني، وتطبيع المعارضة، والتهيئة العامة للوريث، عبر السماح بهامش، محدود جدا، من حريات سياسية وثقافية، تحت سيطرة النظام وبمباركته. وجنحت، المعارضة من جانبها، الى مقاومة النظام عبر اتجاهات وقنوات مدنية سلمية.
هذه هي مسيرة المقاومة واستجابتها للتغييرات المحلية والعالمية، وتطورها حسب تطورات الاوضاع والاحداث، منذ السبعينيات الى يومنا هذا. ولا يخلو الامر.. بالطبع.. من خروج عن النمط الذي سردنا به الاحداث، فبالرغم من ان الثمانينيات، كانت تعتبر، على سبيل المثال، عقد تأطير المقاومة، الا انه اعلن عن اول تنظيم (التجمع الوطني الليبي) في عام 1976م . وبالرغم من ان الثمانينيات كانت ايضا، سنوات الخيار المسلح او خيار العنف ضد النظام، الا ان السبعينيات، شهدت ايضا صدامات مسلحة، اتسعت رقعتها، كما رأينا، في التسعينيات. وكذلك، الامر بالنسبة للانشقاقات والمقترحات السلمية وتأسيس التنظيمات، فلم يخل عقد من العقود من مثل هذه النشاطات، ولكننا تحدثنا في هذا المقال، عن نمط المقاومة الذي ساد في كل عقد من العقود. وكذلك الامر بالنسبة للنظام، فقد تحدثنا عن النمط الذي ساد في فترة من الفترات فقط، لكن النظام، وقع اكثر من مرة في فخ "طبيعته" و" تناقضه"، حتى لاهدافه المعلنة، فمارس الاغتيال والدجل والقمع المنظم، حتى في الاوقات التي امتطى فيها الموجة الحمائمية العالمية. الامر الاخر الذي اود ان اشير اليه، هو ان الجانب الاعلامي والثقافي المعارض كان متواجدا وبكثافة، عبر جميع العقود، لكنني احببت ان اعود الى هذا الامر في وقت اخر، ان شاء الله.
ويمكننا.. مرة اخرى.. ان نقول.. بعد هذا السرد..
ان المعارضة اليوم، في حاجة ماسة الى نقلة نوعية جديدة، تنقلها من مجموعة من المؤسسات والتنظيمات والمستقلين والجماعات، الى تيار وطني عام.. شامل.. يضم.. التنظيمات.. والمستقلين.. وفئات الشعب جميعها.. في الداخل.. والخارج.. بدون استثناء . تيار توحده مطالب مركزية، تتوحد من خلالها، نظرتنا الى النظام، ونظرتنا الى كيفية مقاومته، على ان يُصبغ هذا التيار بشيء من |