![]() |
|
صفحة الدكتور فتحي الفاضلي |
|
البديل السياسي في ليببيا و دولة ما بعد الثورة
ثورة الكلمة
جذور الصراع في ليبيا
المعارضة الليبية
التبعية |
النظام الالهة
منذ ثلاثة عقود، والنظام يسعى، دون كلل او ملل، الى خلق فراغ سياسي شامل ليبقى.. ولو على مضض.. الخيار اليتيم لليبيا. لذلك نرى نظامنا الحالي حريصاً كل الحرص على سحق ومحق كل محاولة تهدف الى تاسيس او انشاء اي بناء سياسي مهما صغر هذا البناء. ولا يلام النظام على هذه "النوايا الطيبة"، فلابد ان نسد الطريق امام وصول حاكم ظالم، قد يسبب "لا سمح الله" في تدهورليبيا وتأخرها. ولا يلام النظام ايضاً لان جميع الانظمة، الديمقراطي منها والديكتاتوري، تمارس وبدون استثناء.. هواية السحق والسحل والمحق ضد خصومها السياسيين.. كل على قدر لحافه.. وكل حسب جهده وامكانياته وطبيعة نظامه. لكن الغريب في الامر، ان النظام الليبي بالغ في هذا الامر مبالغة فاقت الخيال، بل فرضت تساؤلات حساسة جداً حول طبيعة النظام ونواياه الحقيقية، فقد دمر النظام.. في سبيل هذا الهدف.. الدولة نفسها، الامر الذي يلغي الهدف الاصلي المفترض، اي خلق فراغاً سياسياً عبر افراغ المجتمع الليبي من قواه الثقافية والعسكرية والاجتماعية والمالية. ليس ذلك فحسب.. بل تركت هذه المبالغة سحب داكنة من الشك حول نوايا النظام الذي افرغ المجتمع من القوى السياسية، ودمر الدولة بدلاً من بنائها.
ولتحقيق هذا الهدف، اي افراغ المجتمع من القوى السياسية، اغتال النظام النخب الليبية، وحرم الشهداء من حق الدفن في ارض الوطن، وعلل ذلك باطروحات مستمدة من فلسفة الحمير، بينما يكمن التعليل الحقيقي لهذه التصرفات في خوف النظام من ان تتحول جثث الشهداء.. بل قبورهم.. الى رموز تحيي الجهاد والنضال والكفاح، وخوف النظام ايضاً.. من ان يتحول فكرهذه الرموز واطروحاتهم الى نواة لبديل قد يقبله الشارع الليبي من جهة، ويفرض نفسه على الدول المجاورة من جهة اخرى.
ويصب في هذا السياق ايضاً، ممارسات غريبة يعرفها الليبيون جيداً، منها الاشارة الى الليبيين بارقامهم ومناصبهم ومهامهم بدلاً من اسمائهم، ومنها كما قد نتذكر، لوحة الارقام التي يرفعها كل من اراد ان يساهم في "اثراء النقاش الديمقراطي الحر" اثناء انعقاد المؤتمرات الشعبية، ومنها.. والى وقت قريب.. الاشارة الى لاعبي كرة القدم برقم الغلالة، ثم التراجع عن ذلك لحاجة في نفس النظام. وما زالت الاشارة الى اغلب المسؤلين تتم بمناصبهم ومهامهم، الا النادر من الاسماء التي يشير اليها النظام من حين الى اخر، ولوقت محدد ولحاجة ما، ثم تختفي هذه الاسماء لتعود وبصورة مفاجئة، من جديد او ليعود غيرها. بل لعلنا نذكر في هذا الصدد، صور المسؤلين التي قد تنشر في صحيفة او مجلة ما، دون الاشارة الى اسم صاحبها، لا تحت الصورة ولا ضمن الخبر او المقال، وكأنما خُلق الليبيون ليكونوا نكرات وارقاماً في خدمة النظام، كلما انتهت مهمة احد الارقام، ياتي النظام برقم جديد وصورة جديدة لا اسم لصاحبها.
ولا يخفى على احد ان الهدف من هذا "الطمس الشعبي العام" هو قطع الطريق امام بروز نخبة من ذوي الرأي الصائب، حتى عبر المؤتمرات الشعبية، قد يعجب الناس بارائهم ومداخلاتهم وشجاعتهم.. او قد ينصتون اليهم اذا تحدثوا.. مما يجعل منهم نواة لنخبة في الداخل.
والغريب ان الاشارة الى البشر بالارقام بدلاً من الاسماء، هو امرُ لا يمارس الا في السجون والمعتقلات، وخاصة المعتقلات الجماعية، كمعتقل "العقيلة" الجماعي الذي اقامه الجيش الايطالى للشعب الليبي، والمعتقلات الجماعية التي اقامها "الصرب" للمسلمين والمسلمات في "البوسنة".
ويصب في هذا السياق ايضاً، هدم وازالة المواقع والمباني والمعالم، التي ارتبطت بالنضال والجهاد والكفاح الذي قاده الليبيون ضد الغزاة وخاصة الغزاة الايطاليين. وكذلك المواقع والمباني التي ارتبطت بالصراع السياسي في الفترة التي سبقت تاسيس الدولة الليبية الحديثة، وكذلك التي ارتبطت بكل حركة دينية او سياسية او اجتماعية في ليبيا، نذكر منها ضريح شيخ الشهداء عمر المختار في بنغازي، ومسجد سيدي حمودة في طرابلس، ومواقع اخرى تمثل الحركة السنوسية، حتى في جانبها الذي لا يمت بصلة الى المملكة الليبية المتحدة، او الى الملك محمد ادريس السنوسي رحمه الله.
وتمثل هذه المعالم، بجانب دورها في احياء النضال السياسي والاجتماعي، جسراً يصل اجيال اليوم بتاريخ ليبيا السياسي.. القديم والمعاصر.. الامر الذي لا يطيقه النظام الحالي لانه راهن على طمس تاريخ ليبيا ليؤسس دولة ليبية معزولة عن تاريخها الوطني والعربي والاسلامي.
ولا يدري النظام ان اليوم الذي سيكرم فيه هؤلاء الشهداء آت.. وان تكريم الشهداء سيكون في اعظم جنازة رمزية تشق جميع قرى ومدن وارياف وصحاري ليبيا.. جنازة عظيمة تمر على كل موقع سقط فيه شهيد.. وجنازة عظيمة.. ترافقها الزغاريد.. وفرحة الناس بتكريم ابنائهم.. جنازة يحتضن بعدها تراب ليبيا رفاتهم ورموزهم واجسادهم واسماءهم.. جنازة سيشهد العالم من خلالها كيف يكرم ابناء ليبيا ابطالهم ورموزهم وشهداءهم.. فالنظام.. مرة اخرى.. لم يدرك ان هذا اليوم لا محالة آت باذن الله.. لم يدرك النظام ذلك لانه تعامل مع شعب مسلم بنظريات واساليب تناسب شعوباً غير مسلمة.. اما المسلمون فلا ينسون ابطالهم مهما طال الزمن.. بل سنطلق اسماء الشهداء.. واحداً واحداً.. على اكبر ميادين ليبيا وشوارعها وحاراتها ومدارسها ومؤسساتها.. وسنبنى المعالم التي تحي ذكراهم.. وسيمر اطفالنا واحفادنا على هذه المعالم يستمدون منها العزة والقوة والكبرياء المستمدة من الله سبحانه وتعالى.. سيمر احفادنا على هذه الرموز والمعالم.. وسيتسألون.. وسنجيب بفخر.. وسنعيد باذن الله، كل ما دمره النظام من معالم ومساجد.. بل سنضيف.. معالم اخر.. ومساجد اخرى.. واسماء اخرى.. وستصبح قبور شهدائنا.. ومساجدنا.. رموز تحيي الجهاد والنضال والكفاح في اجيال اخرى قادمة الى يوم القيامة.. شاء النظام.. وشاء الغرب.. وشاء الشرق.. وشاءت الانظمة.. وشاء اليهود.. ام ابوا جميعاً.
لذلك..
ولمقابلة خطاب النظام في هذا الصدد، بخطاب مضاد، يجب على القوى السياسية الليبية مواصلة الجهد ومضاعفته من اجل ايجاد بديل سياسي يجمع الناس، فليبيا سترضخ تحت نفس النظام طالما انها تفتقد الى البدائل السياسية .. فكراً.. ورموزاً.. وتنظيماً. ثم يجب على القوى السياسية الليبية.. جتى تتكامل جهودها.. ان تصنع الوسائل الكفيلة بتحقيق البديل المنشود على ارض الواقع، على ان يكون الجهد والوقت الذي يُبذل من اجل تحقيق هذا البديل، اكثر من الجهد والوقت الذي يبذل من اجل البحث عن البديل، ومن الواضح جداً ان هذا الامر لن يبدأ في ليبيا من الصفر.
شعب تائه..
ومن الثوابت التي لا يقيل عنها النظام ولا يستقيل، تعامله مع الليبيين كشعب جاهل.. تائه.. مستعبد.. لا تاريخ.. ولا ثقافة.. ولا رموز.. ولا ابطال له، شعب في نظر النظام خال من الابداع .. والمبدعين.. بل شعب لا تقاليد ولا تراث ولا اعراف له، وشعب.. في نظر النظام.. لا دور.. ولا عطاء.. ولا مساهمات اقليمية او دولية له.. فجل ممارساته كتلة من الاخطاء.. لانه.. حسب الفقه الثوري.. شعب لا يفقه دينه وواقعه وتاريخه.. الى ان جاء النظام الحالي واخرجه من الظلمات الى النور.
بل ان الشعب الليبي في نظر النظام لا يستحق قياداته الحالية، والتي تستحقها شعوب اخرى اكثر تطوراً ورقياً وتقدماً من الليبيين"الجهال" الذين لم يفهموا حتى الان،المقاصد الطيبة الحسنة التي تخفيها قيادتهم "الحكيمة" وهي تصنع من ليبيا، بالمشانق والمقاصل والحديد، مدرسة عالمية لنشرالامن والامان والسلام، ولكن في ربوع الدول الاخرى.. ولم يفقهوا المقاصد الطيبة الحسنة التي تخفيها القيادة "الحكيمة" وهي تصنع من ليبيا وكالة عالمية لاطلاق سراح الرهائن المساكين المظلومين.. في جميع انحاء العالم.. والحمد لله.. ومن جميع الملل والشعوب والنحل.. شريطة ان يكونوا من غير المسلمين ومن غير الليبيين.. يفعل النظام ذلك بينما يدفن الليبيين في سجونه ومعتقلاته احياءاً.. دفناً مادياً.. ومعنوياً.. على مرأى ومسمع من العالم "الحر".
وحتى تلك الابداعات التي لا يمكن اخفاءها بغربال النظام، والتي يفخر بها الليبيون، كما يفخر غيرهم من شعوب الارض.. حتى تلك الابداعات.. اما ان يصفها النظام بانها سطحية.. مقلدة.. مسروقة.. انجزها اجانب.. من جنسيات غير ليبية.. او انه يطمسها.. او ينسبها اليه اذا عجز عن كل ذلك.
فمن المستحيل، تبعاً للفقه الثوري، ان يبدع الشعب الليبي خارج نطاق "النظام الالهة"، الامر الذي لم ينسب حتى الى الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، والذي قال "انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق" ولم يقل انما بعثت "لابدأ" او"لاحدد" او "لاضع" حجر الاساس لمكارم الاخلاق، بل قال "لاتمم مكارم الاخلاق". وقال صلى الله عليه وسلم، في حديث اخر: " مثلي ومثل الانبياء، كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه، واجمله الا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" (متفق عليه واللفظ لمسلم ـ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ج15 ص51)، فلم يدع صلى الله عليه وسلم انه يمثل البناء باكمله، او انه بُعث ليبدأ الكون من الصفر، كما يدعي النظام الليبي القائم.
لقد اكتسب الرسول الكريم محبة ابدية سكنت في قلوب البلايين من البشر، محبة اكتسبها بدون الاستعانة بالاقلام والابواق المأجورة، ودون ان يغدق الاموال يميناً وشمالاً ليكسب ود الناس ويشتري ذوي الضمائر الميتة، والنفوس المريضة التي تقتات على آلام الاخرين. محبة ابدية اكتسبها دون ان يرسل رجال الامن، او رجال الارهاب على اصح تعبير، ليرعب الناس ويخوفهم من بطشه وجبروته فيصبحوا من اتباعه ولو على مضض. لم يفعل الصادق الامين اي من ذلك، ومع هذا فهو قائدنا بل قائد البشرية جمعاء.. نحبه دون ان نراه.. ونطيعه دون تهديد.. نكره من يكرهه.. او ينقده.. او يتجرأ على احاديثه.. او اقواله.. او تعاليمه.. نوقره.. ونتمنى ان نطيعه في كل صغيرة وكبيرة حباً فيه وفي رسالته.. ونشعر بالغبطة والفرح والسرور، كلما مارسنا ما تيسر من سنته الشريفة.. ونحزن كلما خالفناه او عصيناه.. بل ويود بلايين البشر.. فوق كل ما سبق.. ان يفتدوه باموالهم وانفسهم.. قولاً وعملاً.. بل ومن اغلى امانينا ان نحشر معه صلى الله عليه وسلم. وكل هذا الحب والتقدير دون ان يرانا او نراه كما نوهت سابقاً.. ودون ان يتحدث الينا.. او نتحدث اليه.. مما يعتبر استمراراً لمعجزاته.. وجزء من نبوته.. وجزء من عظمته صلى الله عليه وسلم.. فلا نامت اعين الحاسدين.. ولا نامت اعين الحاقدين.. ولا نامت اعين الجبناء.
اما اليوم..
فنرى عشرات القادة والملوك.. والزعماء والامراء.. نراهم.. وهم على قيد الحياة، محاطين بمؤسسات التطبيل والتزمير والتضليل.. بما في ذلك جيش من الاقلام المريضة.. وجيش من المغنيين والشعراء والمنشدين.. وارتال من الجواسيس والمرتزقة والعملاء.. ناهيك عن البلايين التي تصرف يمينأ وشمالاً.. نرى هؤلاء القادة والملوك.. ونرى هؤلاء الزعماء والامراء.. نراهم برغم كل ما يملكون.. يبذلون الجهد الجهيد لتطويع بضعة الوف من الناس، ولكن دون جدوى.. لانهم مبغوضون من شعوبهم.. لا يحبونهم.. ولا يطيعونهم.. الا كرها، بل يتمنون هلاكهم ليستريح الناس منهم ومن ظلمهم ولتستريح البلاد من عبثهم وغبائهم.
لم يدع الرسول الكريم، والذي ذكرنا عنه اليسير واليسير جداً، انه جاء ليؤسس العالم من الصفر. اما "نظامنا هذا" فيبدوا وكأنه استلم ليبيا فوجدها قرية خاوية على عروشها.. فلا بشر فيها ولا حجر.. ولاماء ولا صحراء ولا شجر.. ولا مدن ولا ارياف.. ولا قرى.. بل لم يجد "النقاط" و"الحروف" فصنع الحروف ووضع النقاط وسيرالتاريخ وصنع الماضي والحاضر والمستقبل، يفعل النظام في ليبيا كل ذلك، بينما الليبيون ومنذ زمن "التحنو" و"الليبو" و"المشواش" والى يومنا هذا، جالسين يتمتعون بمص اصابعهم وهم يتفرجون على "النظام الالهة" وهو يصنع الكون والحياة والتاريخ. هكذا يريد ان يصور النظام ليبيا والليبيين.
بل يسرق النظام حتى تعاطف شعبنا ومساهماته مع قضايا امته العربية والاسلامية، لقد بخل النظام بالتنويه الى الدعم الذي قدمه الشعب الليبي الى اخوانهم في الجزائر اثناء حرب التحرير التي قادها الشعب الجزائري ضد فرنسا. تلك الحرب التي وقف فيها الليبيون بقضهم وقضيضهم، بما فيهم اولئك الذين لا يملكون قوت يومهم، وقفوا وقفة رائعة مميزة. وقفة، آثر فيها الليبيون شعب الجزائرعلى انفسهم، فاعطوا الغالي والنفيس. ووقفة آثرن فيها نساء ليبيا اخواتهن واخوانهن في الجزائر على فلذات اكبادهن، فاعطين حليهن ودريهماتهن وملابسهن برغم الحاجة والفاقه في ذلك الوقت، ومع ذلك لم يشر النظام في عيده الاخير الى ذلك، بل اكد في ذلك العيد، ان شعباً اخر.. ونظاماً اخر.. فقط.. هو الذي وقف مع شعب الجزائر!!!
ولم اورد هذا الامر من باب الفخر والمن والجميل، فشعب الجزائر يستحق اكثر من ذلك، وانما اوردت هذا الامر لان النظام تطرق اليه، في احد اهم اعياده، دون ان يشير الى دور الليبيين فيه.. بل اشار، كما ذكرت، الى مساهمات دولة عربية اخرى في قضية الجزائر، وليس هذا ما يضيرنا، ولكن التساؤل البديهي عن سبب هذا الطمس فرض نفسه مرة اخرى.. فهل جاء هذا الطمس لان وقفة الشعب الليبي التاريخية بجانب الشعب الجزائري حدثت قبل انقلاب سبتمبر، ولا يد.. بالتالي.. للنظام الحالي فيها، مما يناقض نوايا واهداف ومخططات النظام الذي يريد ان يصور الشعب الليبي.. كشعب لم يخلق.. ولم يحيا.. ولم يتحرر.. الا بعد انقلاب سبتمبر.
ولم يطمس النظام.. التاريخ الليبي فحسب.. بل حصر تاريخ ليبيا بكامله في العهدين "الملكي" و"العسكري" ليقتات من حين الى اخر.. وكلما لزم الامر.. على اخطاء العهد الملكي..
وليخلق مبرراً للانقلاب.. وليطمس في نفس الوقت تاريخ ليبيا باكمله.
فتاريخ ليبيا، كما يصوره النظام، يتلخص في "ملك حكم ليبيا لمدة ثمانية عشرعاماً (1953-1969م)، ثم جاء العهد الحالي وانقذنا منه"،هكذا يبدأ وينتهي تاريخ ليبيا والليبيين، ويريد النظام بذلك ان يسجن عقول الليبيين في هذين العهدين، ولا يهمه في واقع الامر من "يهاجم" ومن "يدعم" العهد الملكي بقدرما يهمه ان " تلهو"الاقلام في المقارنة بين العهدين، وان ينقسم الناس حول العهد السابق، ويتركوا تاريخ ليبيا الغني بالعطاء.. والجهاد.. والتضحية.. والمشاركة.. والابداع، وان ينسى الناس الخوض في مستقبل ليبيا. فينظرون دائماً.. الى الوراء.. وفي حيز ضيق جداً، مما يلههم عن الحاضر والمستقبل. ولا يخفى على احد ان النظام يفعل ذلك لادراكه ان التاريخ من اهم مصادر القوة للامم والملل والنحل.. يدرك النظام ذلك.. لكننا لا ندرك لماذا يفعل ذلك!! اي لماذا لا يريد النظام ان يستمد الشعب الليبي من تاريخه عوامل القوة.. وعناصر التفوق.. والتطور.. والابداع.. ليصنع مستقبل افضل، كما تفعل شعوب الارض على مدار التاريخ.. لا ندرك لماذا يفعل النظام ذلك.. فطمس تاريخ الامم امر لا يمارسه.. ضد الشعوب.. الا الاستعمار.. والاعداء.. والغزاة.
خاصة وان الشعب الليبي قد تميز.. كغيره من الشعوب التي خلقها الله.. بالمساهمة والمشاركة والعطاء.. منذ ايام الدولة العبيدية التي تصدى فيها علماء ليبيا للدفاع عن السنة النبوية الشريفة.. عبر الحورات والمناضرات.. والدعوة وحلقات العلم والكلمة الطيبة واللين.. ثم عبر التمرد على الدولة العبيدية الى ان تم اسقاطها. فكان لعلماء ليبيا دوراً بارزاً في اسقاط الدولة الفاطمية (العبيدية) وحفظ كيان السنة ـ والحمد لله ـ الى يومنا هذا. بل الى يوم القيامة ان شاء الله. وقدمت ليبيا لهذا الامرمئات العلماء والاف المجاهدين والثوار قبل مئات السنين من انقلاب سبتمبر، في معركة شبيهة بمعركة السنة التي خاضها الليبيون ضد النظام الحالي.
وقام الليبيون بعشرات المحاولات لاصلاح الدولة العثمانية، بل والخروج عليها بالقوة، كلما بالغت في الانحراف عن مسار الدولة الطبيعية. وشهدت ليبيا مولد الحركة السنوسية، ولمس الليبيون دورها الرائد في التاريخ كاحدى الحركات الاسلامية الكبرى، وخاصة في مجال الدعوة في ليبيا وخارج ليبيا، فنشرت الاسلام.. في ربوع افريقيا وغير افريقيا.. ورفعت رايات الجهاد ضد فرنسا وبريطانيا وايطاليا، وكان عطاؤها عطاءً رائعا مميزا في ميدان العلم والدولة والانسان، فكانت رسالتها الجهادية مصحوبة برسالة الاصلاح المدني والنهضة السياسية والثقافية والاجتماعية، وكانت نشاطاتها تتم على ايدي ليبية بصرف النظر عن موطن المؤسسين او مكان مولدهم، بل ان من اعظم قادة السنوسية، ولدوا وترعرعوا وعملوا وجاهدوا واستشهدوا في ليبيا.. من اجل عقيدة ليبيا ومن اجل ليبيا.. وذلك قبل عشرات السنيين من انقلاب سبتمبر 1969م.
وجاهد الليبيون ضد الغزاة الايطاليون جهاداً جعل الجندي الايطالي يناشد صليبه النجاة، وذلك قبل انقلاب سبتمبر باكثر من خمسين عاما. كما اظهر الليبيون اثناء النضال السياسي من اجل تاسيس الدولة الليبية الحديثة، مهارة سياسية فائقة يمكن ان نلمسها في تاسيس الجمهورية الطرابلسية ( 1918م) اي قبل 51 عاماً من انقلاب سبتمر في فترة الاربيعينيات، ناهيك عن تنظيم المظاهرات والاعتصامات وعقد المؤتمرات وتأسيس الجماعات والاحزاب والحركات واصدار الصحف والبيانات والمنشورات، بالاضافة الى التحرك الجاد المكثف في المحافل الدولية، تلك المهارة السياسية التي ادت الى خلق ارضية سياسية صلبة تاسست عليها الدولة الليبية الحديثة.
كما شارك الليبيون.. قبل قيام انقلاب سبتمبر بواحد وعشرين عاماً تقريبا.. اي عندما كان اغلب قادة هذا النظام يمرون بمراحل الطفولة الاولى.. شارك الليبيون.. في الجهاد ضد اليهود في حرب 1948م، واستشهد الكثير منهم، وعاد منهم الكثير، واذكر اننا كنا نشير الى من عاد منهم.. بفخر واعتزاز.
وشهد العهد الملكي نشاطات معارضة سياسية وثقافية متنوعة، منها مظاهرات الطلبة في (1963-1964م) في طرابلس وبنغازي والزاوية والجميل، وما تبع ذلك من سقوط الشهداء من الطلبة برصاص الشرطة في ذلك الوقت. كما حاولت القوات المسلحة الليبية القيام بانقلاب عسكري ضد النظام الملكي عام 1964م اي قبل خمس سنوات تقريباً من انقلاب سبتمبر، ناهيك عن الانتفاضة الجماهيرية الضخمة التي انطلقت عام 1967م في جميع مدن وقرى ليبيا، لتعبر عن التحام الشعب الليبي مع مصر وسوريا وتاييدهم في الحرب التي عرفت بحرب الايام الستة ضد اليهود. بل وتوجت تلك الانتفاضة بتمرد وحدات من الجيش الليبي، تمردت على اوامر النظام الملكي واخترقت الحدود الليبية اثناء حرب 1967م بين مصر واليهود لتشارك في الحرب بجانب الجيش المصري دون ان تبالي بالاوامر العسكرية، ثم عادت هذه الوحدات الى ليبيا بعد انقلاب سبتمبر(1969م) على اعتبار ان النظام الجديد نظاماً.. ثائر.. قومي.. غاضب.. ما جاء الا ليدمر الصهيونية والامبريالية والاستعمار.. فاحسوا بالامان وعادوا الى ليبيا.. ارض الوطن.. فقبض النظام الثوري في فترات لاحقة على بعضهم بحجج لا تخفى على القاريء.
ولم يتوقف عطاء هذا الشعب على ما سبق، فقد ابدى الليبيون معارضة عنيفة ضد النظام الحالي شملت جميع انماط المقاومة، بداية بالقول اللين والكلمة الطيبة (رسائل الشهيد محمد مصطفى رمضان) الى العمليات الاستشهادية (حركة الشهداء) مروراً بكافة اشكال النضال السياسي وما شمل ذلك من مظاهرات وانتفاضات طلابية امتدت من 1973م الى 1976م، الى تاسيس الحركات والاحزاب والجماعات المعاصرة، الى العمليات الجهادية والانقلابات العسكرية، الى غير ذلك من نشاطات متنوعة، مبسوطة في عدة مصادر لمن اراد المزيد.
ليس ذلك فحسب، بل ان الليبيين مستعدون معنوياً لما يحدث هذه الايام، فمهما تنازل النظام او انقلب او تغير تجاه الامم الاخرى.. دون ان يتغير تجاه الليبيين الى الافضل.. فلن يرضى الليبيون بذلك.. بل لن يرضوا باقل من دولة عصرية يحكمها دستور مستمد من عقيدة هذا الشعب.. ولا تنازل على مبدأ سيادة الانسان وحريته.. ولا تنازل على ان الانسان وكرامته وحريته، هي حقوق الاهية وليست هبة من احد.. وان هذه الكرامة والحرية.. مقدمة على امن الثورة.. ومقدمة على سيادة الدولة .. فلا ثورة قبل الانسان.. ولا دولة فوق الانسان.. وفوق المقدسات والحرية.. اينما اتجه النظام.. وسوى ارتفع الى الكواكب او هبط الى قيعان المحيطات.. فليبيا لليبيين جميعاً.. سماءها وارضها ونفطها وترابها وحجرها وشجرها.. وستكون باذن الله جنة على الارض، يحترم فيها الاسلام.. ويوقر فيها الانبياء.. ورسائل الانبياء.. وستكون باذن الله تعالى دولة اساسها حرية وكرامة وامن الانسان، فذلك شيء من ثوابت الليبيين.. وشيء بالتالي من ثوابت المعارضة.. سوي وضع النظام يده في ايدي "الصرب" كما فعل من قبل.. او وضع يده في يد "امريكا" و"بريطانيا" و"اليهود".. كما يحاول ان يفعل الان.. فلا يهم الليبيون.. مؤقتاً.. كل هذا.. بقدر ما يهمهم.. علاقة النظام بالليبيين.
وهكذا..
لم يخل عصر من العصور، ولا عهد من العهود، دون ان يساهم فيه الشعب الليبي مساهمة جادة مميزة في جميع المجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية، ناهيك عن مساهمات اخرى في مجال الصحافة والرياضة والعلم والادب والفن وغيرها من مجالات لا يتسع المكان للتفصيل فيها.
فما سر هذا الطمس.. الذي يمارسه النظام الليبي.. اذاً.. وبنهم مخيف.. ومنذ ثلاثة عقود.. طمس لا يبدوا على الاطلاق انه مجرد قصر نظر.. بل يبدو.. وللمرة الالف.. انه اكثر جدية وخطورة مما قد نتصور.. فليبيا تبدو كدولة مسروقة.. يراد اخلائها من شعبها.. او اخلاء شعبها منها.. واستبداله باقوام اخرين.. لا صلة لهم بتاريخ وعروبة واسلام المنطقة.
لذلك.. ولكي نواجه هذا الطمس المبرمج.. لابد ان تخصص الاقلام الليبية الحرة مساحة واسعة لابراز عطاء وابداع الشعب الليبي في جميع المجالات.. وعبر جميع العهود.. على ان يتم ذلك باسلوب علمي واقعي بسيط سلس متواصل، يركز على الحقائق بموضوعية وصدق، ولابد ان نؤمن ايماناً صادقاً.. بان ابداعات الليبيين لا تقل عن ابداعات الشعوب الاخرى، انما الفارق ان "النظام الالهة" يطمس ابداعات "شعبنا" بينما تبرز الانظمة الاخرى ابداعات "شعوبها" وتتفاخر وتتباهى بها.. بل وترفع الامم الاخرى من حدة التنافس بين الافراد لترتقي الدولة باكملها.
من يعزل من؟
هدف.. اخر.. هام.. يسعى اليه النظام بكل جهده، وهو ابراز المعارضة الليبية كجسم غريب لا ينتمي الى الشعب الليبي، والاصل ان تنجح المعارضة، ولو اعلامياً ومعنوياً، في عزل النظام لا ان ينجح النظام في عزلها.
لقد انطلقت المعارضة الليبية من الداخل، وذلك بالرغم من تكثيف اغلب نشاطها في الخارج، بل ان بعض فصائل المعارضة وتنظيماتها كانت تصول وتجول في الساحة السياسية الليبية قبل انقلاب سبتمبر بفترة طويلة جداً تعود الى اربعينيات القرن الماضي. فالمعارضة ـ اذاًـ افراداً.. ورموزاً.. وافكارا.. وطموحا.. وفصائل.. وتنظيمات.. واحزاب.. انبثقت جميعها من الداخل.. فهي ليست فقط جزء من الشعب، بل تيار عام شامل في الداخل والخارج. كما ان اغلب الشخصيات السياسية التي اسست هذه الاحزاب او عملت على احيائها، هي شخصيات ذات انتماءات سياسيه وفكرية واصول حزبية قديمة جداً لا علاقة لها بالنظام القائم سلباً او ايجابا. كما ان منتسبي ومؤسسي هذه التنظيمات، هم من الليبيون الذين نبعت اطروحاتهم السياسية والفكرية من واقع الناس في ليبيا، فهذه الرؤى الفكرية والسياسية اذا، تمثل جزء كبيراً من طموحات وامال واحلام الشعب الليبي. ومن حق الشعب الليبي، بناءاً على ذلك، ان يتعامل مع تنظيمات المعارضة، ومع افرادها، كتجربة سياسية معاصرة مستمرة، ولا يتعامل معها كحالة مؤقتة تتبناها مجموعة خاصة.
وقد لا يكون من الحكمة.. ايضاً.. وعلى المدى الطويل.. ان تحصر المعارضة نفسها تحت مصطلح "المعارضة" فقط، بل من الافضل ان تعرف بمصطلحات (بالاضافة الى مصطلح المعارضة) اقوى واعم واشمل، تجعل من القوى السياسية المعارضة "تيارا" لا "مجموعة"، حتى لا يسهل على النظام تصويرها كـ"شلة" تجمعها مصالح سياسية واقتصادية وفكرية، او كشريحة صغيرة لا تنتمي الى المجتمع الليبي.. وانها امر له علاقة بالماضي.. فيسهل بالتالي عزلها.
فالخطاب المضاد اذاُ، هو ان تبرز المعارضة الليبية نفسها على حقيقتها، اي كتيار يمثل ضمير الشعب الليبي، وينتمي اليه، ويسعى الى تحقيق طموحاته واحلامه وامانيه، بصدق واخلاص مع الله ثم مع النفس، بعيداً عن ردود الافعال، وبعيداً عن الرغبة في الانتقام، وبعيداً عن المصالح الجهوية والقبلية والعرقية، وبعيداً عن الغرور والطموحات الشخصية.
فاذا استطاعت المعارضة الليبية ابراز نفسها بهذه الصورة، فستنجح في عزل النظام وابرازه كجسم غريب عن الشعب (على مستوى اكبر مما تفعل الان) واذا لم تشن الاقلام الحرة حملة جادة.. منظمة.. مدروسة.. من اجل تحقيق هذا الهدف.. فستعزل مع مرور الزمن نفسها، دون ان يكون للنظام يداً في ذلك.
قطع الرؤؤس..
ومن ثوابت النظام، ابراز الملتزمين في ابشع صورة.. فكراً.. ومظهراً.. ووسائل، فالاسلامي في نظر النظام عدو للعلم.. والنهضة.. والفن.. وعدو.. للاعمار.. والابداع.. يحمل خنجراً تارة.. وعصاة تارة اخرى.. وهو متحفز باستمرار.. حواره تهديد ووعيد.. معقد.. لا يطيق ان يرى الناس في فرح وسعادة وسرور.. ويتحدث اغلب الاوقات عن القتل وجهنم.. والجحيم.. لا يبتسم.. بل يفضل ان يكون عبوساً كضرباً من الهيبة والوقار.. لذلك لا تراه الا مقطب الجبين عبوس.. حزين.. غاضب.. وملابسه فوق كل ذلك رثة.. وشعره على مدار العام اشعث.. ولحيته قذرة يعشعش القمل فيها.. وهو فوق ذلك.. زنديق.. منافق لا يؤمن بما يدعو اليه الناس.. وهو طالب سلطة، يستخدم الدين ليصل الى مآرب شخصية، من ضمنها بالطبع، التربع على سدة الحكم في جميع البلدان.. بعد قطع الاف الرؤؤس. وبالرغم من ان الولاء لليهود والامريكان والانجليز لم يعد من الجرائم العقائدية.. يمكننا بالرغم من ذلك.. ان نشير الى ان النظام كان يصور الاسلاميين.. على انهم خنجر غرسته الصهيونية في قلب الامة العربية النابض، بالتعاون مع امريكا وبريطانيا والموساد والماسونية والمنصرين والمبشرين والمستشرقين والمستغربين والقرامطة والعبيديين واعداء الامة العربية وما الى ذلك من مصطلحات العروبة التي كانت تهدر.
هذه هي الصورة التي يريد النظام الليبي ان يرسمها للمواطن الاسلامي، والمواطن الملتزم بصفة عامة. وهذه هي الصورة التي تبناها وشجعها النظام الليبي، حتى اصبح ترسيخها في اذهان الناس من اولوياته الاعلامية. وللاسف تبنت قوى اخرى معارضة للنظام الليبي نفس الصورة تقريباً مع اختلافات في بعض جوانبها المزرية. ولا نستطيع.. كالعادة.. ان نلوم النظام على مسلكه، لانه يعتبر القوى الاسلامية.. ويعتبر الانسان الملتزم عدوه الاول. لكننا نلوم بعض الاصوات المعارضة التي تمتلك اقلام مبدعة.. وتتعامل مع الاسلاميين.. ومع الملتزمين.. ومع دعاة البديل الاسلامي، بنفس النظرة التي يتعامل بها النظام مع هذه القوى االملتزمة.
لقد ولدت هذه الصورة المزرية للشخصية الاسلامية، عقب سقوط الخلافة العثمانية، وعندما كان البحث جارياً على قدم وساق للعثورعلى كبش فداء يبرر"فصل الدين عن الدولة" في عهد الوثن مصطفى كمال اتاتورك، فكان رجال الدين.. وكان الملتزمون.. وكان العلماء.. وكان الشيوخ.. وكان الاسلاميون.. وكان الانسان الملتزم بشعائر دينه.. هم الضحية التي رُشحت لهذا الامر على اساس ان تشويه صور الملتزمين سينفر الناس من قيم الاديان.. لكن هذه الشخصية المشوهة.. وهذه الشخصية المصطنعة.. وهذه الشخصية الممسوخة.. ماتت ومات معها من صنعها وروج لها.
فالاسلامي اليوم.. هو العامل المخلص الذي يؤدي عمله بصدق واخلاص، وهو الموظف الذي يرى ان وظيفته تكليف من الله سبحانه قبل ان تكون تكليف من الدولة.. ويرى وظيفته وسيلة لخدمة بلاده، ليرتقي بها الى مصاف الدول المتميزة بالخير والعطاء.
والاسلامي اليوم.. هو الفلاح الطيب الذي يبدع في عمله ويخلص فيه لوجه الله يدفعه.. الى ذلك.. ارضاء الله سبحانه وتعالى ثم حب الوطن.
والاسلامي.. هو المدرس الذي يراعي الله في الامانة المناطة به، والذي يقوم بعمله على افضل وجه بما يسر له الله من امكانيات.. والاسلامي هو ايضاً.. السياسي الذي يرى ان النظام والسلطة يجب ان يكونا في خدمة الشعب.. لا ان يكون الشعب والدولة في خدمة النظام والسلطة.. وان القيادة تكون في خدمة الناس.. لا ان يكون الناس في خدمة القيادة.
كما ان الاسلامي ايضاً هو الجندي الذي يدافع عن الوطن.. وهو رجل الامن الذي لا يخشى في الله لومة لائم.. فيراعي الله في كل خطوة يخطوها.. لادراكه "وان كل لاتيه يوم القيامة فرداً".
والاسلامي هو الطبيب المتفوق في جراحة القلب والمخ والاعصاب وهو المهندس وعالم الذرة والفضاء.. وهو الاخصائي الاجتماعي والمحامي والصحفي الناجح.. وهو العالم المبدع في مجاله وهو الباحث المخلص الصبور.
والاسلامي.. هو الاقتصادي البارز الذي يقوم بتدريس الاقتصاد في ارقى الجامعات الاوربية والعربية والامريكية، بل وتنشر لهم ارقى المجلات والدوريات الخاصة بالبحوث الاقتصادية بصورة شبه دائمة، وهم ايضاً ممن يدعمون البديل الاسلامي.. بل يطلبونه اليوم قبل غداً.
الاسلامي اذاً، هو الانسان البسيط الصادق مع نفسه.. المحب لوطنه.. المؤدي لواجبه باتقان وابداع.. بقدر استطاعته.. ارضاءاً لله قبل كل شيء، ثم غيرة على وطنه، ولا يجد في نفس الوقت ضير، في البديل الاسلامي.
لقد انتهت الصورة القاتمة التي حاولت قوى عديدة رسمها للشخصية الاسلامية.. وفشل استخدامها في تشويه البديل الاسلامي.. ولن تنجح.. مرة اخرى.. ما بل بحر صوفة.
ويضل بالرغم من فشل هذه الصورة المزرية في تحقيق اهدافها.. يظل شيء من الحسرة والاسى باقياً في النفوس، لان بعض الاصوات المعارضة، وكما ذكرت، لا زالت متاثرة بتلك الصورة القبيحة مادياً ومعنوياً.. ولم تحاول تلك الاصوات مواكبة العصر وتطوير خطابها السياسي ليناسب حقيقة الاسلاميين وحقيقة الملتزمين بصفة عامة، تلك المواكبة التي ستخفف بالتاكيد من حدة الخطاب ضد البديل الاسلامي، الامر الذي قد يصنع جسرا يصل بين القوى الليبية، ويفتح المسالك الضرورية لحوار موضوعي سيصب حتماً في صالح ليبيا والليبيين، وسيكون النظام الليبي هو الخاسر الوحيد من بناء هذا الجسر.
الهارب..
وما زال النظام يتغنى بخطاب قديم ممل اخر يدور حول تعارض العلم والدين، ولا زالت للاسف قوى معارضة تستخدم هذا الخطاب.. اي تعارض الدين والعلم.. كحجة ضد البديل الاسلامي.
لقد قال لي احد الذين يحسبون ان كل صيحة عليهم.. او يتمنى ان تكون كل صيحة عليه.. قال لي .. اننا نعيش في عصر "الجينات" و"التقنية" و"الاستنساخ"، فما لنا والبديل الاسلامي، ونصطدم هنا، وكما ذكرنا، بخطاب قديم ممل اخر، مستند.. ايضاً.. على مقولة نهائية خالدة، تؤكد حقيقة "التناقض بين العلم والدين".. تاكيداً.. "لا شك فيه". وهذا خطاب قد يصلح (اعلامياً) لثلاثينيات، وربما لاربيعينيات القرن الماضي، لكنه لا يصلح ليومنا هذا.
لم يدر الاخ الفاضل، الذي لم يستطع التوفيق بين عصر"الجينات" و"البديل الاسلامي"، ان طبيبا مسلما.. بل واسمه الاول.. "محمد"، هو اول من نجح.. باستخدام علم الجينات.. في اثبات براءة احد المتهمين من قتل زوجته، بعد عقود من ادانته وسجنه وموته ودفنه.
ولعلنا نتذكر المسلسل التلفزيوني "الهارب" الذي كان يبث في ليبيا على حلقات تليفزيونية، وكان ذلك الهارب يدعى "ريتشارد كمبل". لقد استوحي ذلك المسلسل من وقائع قصة حقيقية لعب فيها الدكتور محمد طاهير دوراً مميزاُ في الكشف عن المجرم بعد اكثر من ثلاثة عقود، وذلك باستخدام علم "الجينات". لقد اُتهم الطبيب "سام شبرد" بقتل زوجته "مارلين شبرد" في يوليو1954م، في مدينة كليفلاند بولاية اوهايو، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة. وبعد عشر سنوات من سجنه تقدم محاميه الجديد بالاستئناف واعيدت محاكمة "سام شبرد" وتم اطلاق سراحه في 1966م، لا بسبب اثبات براءته بل بسبب اخطاء في اجراءات المحكمة الجديدة. ومات "سام شبرد" في1970م والجميع يعتقدون انه القاتل، الا ان ابنه اصرعلى اثبات براءة والده، فطالب بعد وفاة والده بفتح ملف القضية من جديد. وهنا جاء دور الدكتور محمد طاهير الذي يعمل في القسم الجنائي العلمي، في انديانا بولس، والذي وجد نفسه امام تحد من نوع جديد، فعليه ان يثبت جرم او براءة شخص مات ودفن منذ سنين طويلة، بل واثبات براءته من قتل زوجته التي ماتت ودفنت هي الاخرى منذ ثلاثة عقود.
وقرر الدكتور محمد مقارنة عينات من جميع اصناف "الحمض النووي" (الدي. ان. اى)، التي سيستخرجها من المواد التي عثر عليها في موقع الجريمة، مقارنة دقيقة مع "الحمض النووي" الخاص بـ "سام" و"مارلين شبرد". وللحصول على عينات دون ان يفتح قبر الزوج والزوجة، قاده ذكائه الى استخدام رسائل قديمة كان "سام شبرد" يبعث بها منذ الاربيعينات الى زوجته. فاخذ الدكتور محمد يزيل طوابع البريد ويقوم بخرط وتجميع المواد العالقة في طابع البريد على اعتبار ان الزوج كان يستعمل لعابه في تثبيت طوابع البريد على المظروفات، وقد استغرقت هذه العملية مئات الساعات، قام بعدها بالجانب العلمي والاكثر حساسية من البحث، اي استخراج وتحليل ومقارنة جميع اصناف الـ "الحمض النووي" الموجودة في موقع الجريمة، مع تلك التي تحصل عليها من طوابع البريد، وقد استطاع ان يتوصل الى وجود غموض ما في النتائج مما شجع الولاية على مواصلة التحقيق، فسمحت بفتح قبر الزوج والزوجة واخراج عينات اضافية من رفاتهما، وقام الدكتور محمد بتحليل اوسع ومقارنة اكثر دقة. وهنا كانت المفاجأة، لقد استطاع الدكتور محمد، بعد التحليلات والمقارنات الثانية، التوصل الى وجود نوع ثالث من الـ "الحمض النووي" يختلف عن ذلك الخاص بالزوج والزوجة، مما يدل على وجود شخص ثالث في البيت ليلة الجريمة، واعلنت بذلك براءة "سام شبرد" رسمياً وبالدليل القاطع، بعد ادانته واطلاق سراحه وموته ودفنه بعقود، بل وبعد مقتل الزوجة باكثر من ثلاثة عقود، بفضل ذكاء وبراعة وصبر وتفوق الدكتور محمد في علم الجينات.
لقد اوردت هذه القصةلاصرار الاخ المذكور على هذا العلم بالذات (اي علم الجينات)، وانما كان يكفينا التنويه الى ان الاكتشافات العلمية الرائعة التي توصل اليها المسلمون في علم الكيمياء والجغرافيا والطب والفلك، وتأسيسهم لعلم الجبر والعلوم الاجتماعية وغيرها من العلوم الاخرى، انما تمت في ظل دولة اسلامية، فلا ادري كيف يتعارض علم "الجينات" او "الاستنساخ" او "الكومبيوتر" او ما سيتم اكتشافه بعد خمسة الاف عام، كيف ستتعارض هذه الامور مع تأسيس دولة اسلامية!! او مع احلال بديل اسلامي.
شيء اخر اود ان اشارك به القاريء الكريم، وهو ان الصفات التي اغدقتها على الدكتور محمد طاهير من خبرة وصبر وذكاء وغير ذلك من صفات، لم تات مني فقط،، بالرغم من انني اوافق عليها دون تردد، وخاصة بعد اعادة اطلاعي على دقائق وتفاصيل الجريمة والتحليلات، لاكثر من سبع مرات.. لم يأت ذلك المديح مني فقط.. بل اغدقه قبلي مقدم البرنامج الوثائقي العلمي عن استخدامات وتطور علم الجينات.. وكان المتحدث لا يخفي اعجابه بالدكتور محمد، وقد قدمه كاحد "رواد علم الجينات" وهو نفس المتحدث (المسيحي غير المسلم) الذي قال ان ذكاء محمد هو الذي قاده الى الخطوات الصحيحة التي اتخذها في تعامله مع هذه الجريمة.
وبيت القصيد هنا، ان التمسك بالخطاب القديم.. الذي يشبه خطاب النظام.. ودون مراعاة للمتغيرات والمستجدات.. ودون قراءة ثانية.. بروح جديدة وعقلية واعية معاصرة تستوعب الخطاب الاسلامي، وقراءة ثانية متأنية.. يتم خلالها مراجعة اسباب الرفض للبديل الاسلامي.. هذا التمسك.. يزيد من الهوة بين القوى السياسية الليبية، خاصة وان الخطاب "اللااسلامي" القديم هو خطاب استفزازي من جهة وغير صحيح من جهة اخرى. والله ولي التوفيق.
والى اللقاء مع "حرب الكلمة.." تحت عنوان " خلاصة من اجل الوطن".
د. فتحي الفاضلي __________________
|
|











