![]() |
|
صفحة الدكتور فتحي الفاضلي |
|
البديل السياسي في ليببيا و دولة ما بعد الثورة
ثورة الكلمة
جذور الصراع في ليبيا
المعارضة الليبية
التبعية |
فليسقط من يسقط..
منذ انضمام النظام الليبي بقضه وقضيضه الى معسكر الطواغيت.. أصبحت محنة ليبيا.. منذ ذلك الحين.. مدخلاً للصراع بين الحق والباطل.. ومحكاً لعطاء المؤمنين.. وموقفاً للتمحيص والاختيار.. وثغرة من ثغور الابتلاء.. وميداناً من ميادين العطاء.. وموقعا من مواقع الشهادة.. وجبهة من جبهات التمكين.. ووجهة من وجهات التحدي.. وخطا من خطوط المواجهة.
وكغيرها من المحن.. اختلف عطاء الناس فيها..
فابتليت ليبيا بفئة صعدت إلى ربوة عالية علها تُعصم من غبار الطاغية.. وابتليت بشلة أخرى ارتخت في ظل ظليل ثم أخذت تزحف من ظل الى آخر.. في سكينة ووقار.. كي لا تقلق راحة الجلاد، ودس آخرون رؤوسهم.. دون خجل.. في التراب.
وانطلق غيرهم يقَيمون عطاء الرجال وهم قابعون في كهوف الذل.. فما كان لذاك الشهيد أن يكون شهيدا.. وما كان لذلك المعذَب أن يعذب.. وما كان لذاك الداعية ان يدعو.. وما كان لذاك القائل ان يقول.. ونسوا في غمرة التسويف والتأجيل والتنظير، ان تقييم العطاء لا يصح الا من مواقع العطاء.
وابتليت بلادنا بارتال من الخونة والجبناء.. وارتال من المنافقين والمداهنين والوشاة.. وجميعهم كخُشب مسندة.. اينما توجههم أطماعهم يتوجهون.. واينما يوجههم سيدهم يتوجهون.
وابتليت ليبيا بأقلام لا هم لها الا الطعن في الاسلام وتاريخ الاسلام، بما في ذلك سيرة سيد الخلق والصحابة الكرام. وسفه اصحاب تلك الاقلام عاداتنا.. وتقاليدنا.. واعرافنا.. وحاربوا وطنيتنا.. وسخروا فوق ذلك من هويتنا، ولو اطلع غير الليبيين على مساهمات هذه الاقلام، لظنوا.. كما ذكرنا في مشاركة سابقة.. ان النظام الليبي ما جاء الا على ظهور الدبابات الاسلامية، وان اسقاطه لن يتم الا عبر القضاء على الاسلام والاسلاميين اينما كانوا، ولظنوا ايضاً.. ان ابا بكر الصديق.. وعمر بن الخطاب.. وعثمان ابن عفان.. وعلى بن ابي طالب.. ومعاوية رضي الله عنهم اجمعين.. هم الذين دبروا انقلاب سبتمبر، وان اسقاط النظام في ليبيا لن يتحقق الا بالقضاء عليهم جميعاً.
ناهيك عن اقلام اخرى لا يحلو لاصحابها الطعن الا في القوى الليبية المعارضة.. في الداخل والخارج.. دون المس بالنظام ولجانه ومخابراته وممارساته.. ولو بكلمة واحدة.. ذلك النظام الذي يدرك القاصي والداني.. بما في ذلك رجال النظام انفسهم.. انه نظام يرقص خارج دوائر الفطرة والواقع والتاريخ.
كما ابتليت ليبيا.. ايضاً.. برجال تتبعوا اذناب البقر، واصبحوا اينما يميل الدينار يميلون.. فصنع المال مواقفهم وطوع مبادئهم وحدد وجهتهم.. حتى غدت ايديهم اسفل من اقدامهم.. مكبلة ببريق الدرهم والدينار.
بل من الناس من حدثته نفسه بمغانم شتى.. فصنع من محنة ليبيا مطية لتحقيق مآربه التافهة من منصب او شهرة او جاه.. او ما شابه ذلك من تطلعات ونزوات واوهام.. فتراه يحسب ان كل صيحة عليه.. وتراه لا يتحرك ولا ينطق ولا يهمس.. حتى يطعم من جوع ويؤمن من خوف، وغدا لا يتقدم خطوة، حتى يضمن الف خطوة قبلها والفا اخرى بعدها، بل اصبح يمن بكل خطوة يخطوها.. او جلسة يجلسها.. او سطر يخطه.. او كلمة ينطقها من اجل مسلمي ليبي، بل لا يهنأ له بال، حتى يمنن ويستكثر.. ثم يمنن ويستكثر.. ثم يعلن انه الاول والاخر. واصر كل متخاذل فوق ذلك، ان يوسع من دائرة التخاذل، فلعله يستر بذلك تخلفه وعجزه وخنوعه.
ليس ذلك فحسب..
بل اراد البعض تجميد الصراع ضد الظلم والظالمين من اجل ان يستمر التخاذل ومن اجل ان يظلوا على ربوة الجبناء يراقبون ارتال الرجال وهم يحققون سنن الصراع بين الحق والباطل.
واكتفى البعض برفع اكف الضراعة لقيوم السموات والارض عله يرسل "موسى" اخر فيسحق الطاغية او يقتله او يدمره.. ونسوا ان اكف الضراعة تحتاج الى سواعد تقذف بالحق على الباطل فتدمغه قولاً وعملاً. وغاصت جبلة اخرى في معركة "التمائم" وفقه "الاثواب" وغضوا الطرف عن سحق المؤمن تلو المؤمن على مقاصل الطاغية ومذابحه. وانطلقت طائفة تطالب بتجميد الصراع.. ريثما تتطهر الامة.. وفاتهم ان محاربة الطواغيت عبادة تتطهر بها النفوس وتتطهر بها الامم. وارتدى اخرون قميص الاولويات، فقضوا اعمارهم يبحثون عن اولويات الامة، حتى تراكمت في اذهانهم المحن وتداخلت وتعقدت مسالكها.. فغدوا في حاجة الى ترتيب اولوياتهم قبل اولويات الامة.
ابتليت ليبيا بكل ذلك.. ولكن.. وكغيرها من المحن..
لم ينس قيوم السموات والارض ليبيا، فامدها برجال اختاروا طريق العطاء، واختاروا طريق الصعاب، واختاروا ان يمشوا في الشمس مرفوعي الجبين عوالي الراس معرضين صدورهم لرصاص الطواغيت، ومعرضين انفسهم لمقتهم وغضبهم، فواجهوا المحنة بثبات وعناد واعلنوها صريحة: ان قضية ليبيا محنة لم تستثن من قانون الصراع الالهي.
فمن مواجهات الشهيد صالح الفارسي الى مذكرة حزب التحرير ورسائل الشهيد محمد مصطفى رمضان وصواعق الشيخ محمد البشتي ومواقف الشيخ يحي معمر بل مواقف عائلة الشيخ يحي بكاملها ومواقف الشيخ الطاهر الزاوي وتصلب الشيخ محمد محمد بن غالي واصرار الشهيد احفاف و شباب التحرير وجرأة الشهيد احمد احواس ومجموعة بدر ومجموعة فبراير وشهداء مايو وقصائد وكلمات وتضحيات الشهيد الدكتور عمرو النامي وحكمة وصبر الشيخ الشهيد المبروك غيث وشجاعة الشهيد على ابو زيد وبطولات الشهيد محمد عبد السلام الحامي وتضحيات الشهيد حمزة ابو شرتيلة واقدام الشهيد سعد الفرجاني وكثير غيرهم من شهداء ليبيا في الداخل والخارج، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر عبد الله الشيباني وعامر الدغيس ومحمد بانون ومصطفى النويري ومحمد افحيمة ومحمد فرج حمي، وشهداء وجنود وضباط المحاولات العسكرية، وشهداء ليبيا الذين اغتيلوا في اوروبا، والاف الشباب من الجهاد والاخوان والتجمع والتبليغ وحركة الشهداء ومن مختلف الاطياف والتوجهات السياسية، والذين يقبعون اليوم في دهاليز ومعتقلات وسجون ليبيا، ناهيك عن ضحايا الغدر كالاستاذ منصور الكيخيا والمقدم جاب الله مطر وعزات المقريف.
لقد ادرك الشهداء طبيعة المعركة، فاجتازوا التمحيص فكانوا شهداء، وادركت قافلة الراحلين طبيعة المعركة، فجادوا حتى كانوا من عمالقة العطاء.. وادرك غيرهم.. من الاحياء.. طبيعة المعركة فصمدوا امام تبعات هذه المحنة.. بتصلب وعناد وامل.
وكان درب العطاء مليئاً بالدموع والاحزان والالام والمعاناة، فمنهم من جاد بالكلمة، ومنهم من جاد بالمال، ومنهم من جاد بالروح، ومنهم من جمع بين المراتب بدون استثنا، بل فعل ذلك ومشاعر التقصير تملأ نفسه وتمزقها وتؤلمها.
ولم ينضب النبع..
فبعد اكثر من ثلث قرن من القهر والاستعباد والتسلط .. ما زالت قافلة العطاء تنمو وتكبر وتزداد، محققة ومصدقة لهذه السنن الالهية.. فلا تعايش مع الظلم والظالمين.. ولا تجميد للصراع .. ولا قبول لربوبية الطواغيت.
بل ازدادت الشراسة، وازداد التشدد والتصلب بشكل عجز عن ادراكه الاصدقاء قبل الاعداء، فالاف الشباب اليوم في الداخل والخارج يتصدون للظلم والظالمين.. كل من موقعه.. وكل حسب جهده.. وكل حسب طاقته بصدق وعزم وتصميم.
فلا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.. وايقنوا ان النصر مع الصبر.. ووجهوا اسلحتكم واقلامكم وكلماتكم.. نحو العمق.. واصرفوا اوقاتكم وجهودكم وطاقاتكم.. الى حيث تهتز اركان النظام. ولا تبالوا بالمنافقين والمرتزقة من غربان النظام واذياله وابواقه.. فانهم كالذباب لا يحط الا على القاذورات.. فاهتمامكم بترهاتهم ينتشلهم من تلك القاذورات من جهة، ويرفعهم عند اربابهم درجات من جهة اخرى، بل انهم كالفضلات القديمة كلما حاولت ازالتها.. كلما ازداد المكان عفونة.
فامضوا.. ايها الليبيون.. في مسيرة النضال والجهاد والكفاح.. لاتاخذكم في الله لومة لائم.. سقط من سقط.. ونافق من نافق.. وتراجع من تراجع.
امضوا ولا تبالوا بما يقول ويفعل الجبناء، فالجبناء لا يكتفون بدفن رؤسهم في الرمال، بل يدفنون.. ان استطاعوا.. كل راس يحاول ان يمشي في الشمس معززاً مرفوع الجبين مكرماً.
د. فتحي الفاضلي _________________
انظر للكاتب حول نفس الموضوع "شيء من احزان المحنة" في كتاب "ثورة الكلمة" ص61-64. وانظر كذلك "جيل الثمانينيات او جيل البديل" في كتاب " البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعد الثورة" ص 324-327.
|
|