صفحة الدكتور فتحي الفاضلي

 

 

البديل السياسي في

ليببيا و دولة ما بعد

الثورة

 

ثورة الكلمة

 

جذور الصراع في

ليبيا

 

المعارضة الليبية

 

التبعية


ليبيا الجديدة: البديل السياسي القادم  

 

تنوعت التصورات التي طرحها الليبيون بمختلف انتمائاتهم السياسية والفكرية والثقافية، حول البديل السياسي لليبيا الجديدة، وهذا العرض المتواضع، الذي اضعه بين يدي القاريء الكريم، هو عصارة دراسة مستفيضة للمباديء والمفاهيم والافكار والمطالب والمنطلقات التي طرحتها مختلف القوى السياسية الليبية، افرادا واحزابا وجماعات، وعلى مدى اربعة عقود كاملة. ويمثل ما جاء في هذا العرض، اهم المشتركات الرئيسية، بين مختلف القوى السياسية الليبية، تلك المشتركات التي سيساهم تحقيقها على ارض الواقع، وبدون شك، باذن الله، مساهمة فعالة، في تحقيق الحد الادنى من الاستقرار السياسي في ليبيا.

 

فمن المشتركات الرئيسية، بين مختلف القوى السياسية، منظمات وافراد واحزاب وجماعات وجبهات، ان البديل الجديد، يجب ان يتركز حول اقامة دولة مدنية ديمقراطية عصرية تستند على "دستور" عصري دائم، يفصل بين السلطات الثلاثة، "التشريعية" و"التنفيذية" و"القضائية"، على ان تكون هذه الدولة، دولة مؤسسات تعمل على تأسيس وبناء واقامة وطن مستقل، يتمتع بالسيادة الوطنية، والوحدة الوطنية، ويحافظ عليهما. ويكفل البديل القادم، بجانب ذلك، العدل، والمساواة، والامن، والحرية، والامان، والرخاء، ويرفض التعصب "القبلي"، و"الجهوي"، و"العرقي".

 

كما يجب ان يستوعب البديل السياسي الجديد مبدأ "التعددية السياسية"، ويضمن حق وحرية العمل السياسي والثقافي والاجتماعي، بما في ذلك حق تأسيس وتكوين الجماعات، والاحزاب، والجمعيات والتنظيمات السياسية والثقافية والاجتماعية. وذلك بالاضافة الى بناء وحماية مؤسسات سياسية، تضمن تبادل السلطة تبادلاً سلمياً، عن طريق الانتخابات الحرة، مع ضمان حريات الانسان الاساسية، بما في ذلك ضمان وحماية الحقوق والحريات العامة، كحرية الصحافة، وحرية النشر، وحرية الرأي والتعبير، بجميع الوسائل السلمية المشروعة.

 

كما يجب ان يهتم البديل السياسي القادم، بالجماهير، اهتماماً خاصاً، فقد رأينا، ان اغلب القوى السياسية، افرادا وجماعات وتنظيمات، قد اتفقت على اقحام "الجماهير" في برنامج الدولة السياسي المنتظر، بشكل او اخر، مع  بعض التفاوت، كل حسب منهجه ووجهته ومدرسته ورؤيته. فقد دعت بعض القوى السياسية الى "التربية العامة"، ودعا غيرها الى بث "الوعي السياسي"، ودعا اخرون الى "الوعي السياسي الثوري"، ودعا البعض الاخر الى دعم "التيارات الوطنية الديمقراطية"، ودعا اخرون الى "الوعي الجهادي"، وبعضهم الى دعم "الاتحادات والنقابات والتجمعات"، و"تربية الجنود والطلبة تربية وطنية"، والى دعم "الحوار الديمقراطي"، والى غير ذلك من صيغ واشكال والفاظ ومصطلحات، يتحدث اغلبها عن "التعامل مع الجماهير"، واقحامها في الدولة الجديدة.

 

وبيت القصيد هنا، ان البديل القادم يجب ان يُصيغ دوراً للشعب، او للجماهير، سوى لها او عليها، فيجب ان يكون للجماهير موقع قدم، في تأسيس او بناء الدولة المدنية الجديدة، على ان يكون هذا الدور، نابع من "ارادة الجماهير"، فلا تدفع اليه قسرا، او فوق ارادتها، كما فعل الطاغوت المنهار. وان يكون ايضا دورا حقيقيا، لا مجرد قرارات هلامية وفرقعات اعلامية او نوع من الدجل او التخدير او الفوضى او محاولات الضحك على الجماهير.  

  

كما يجب ان يتميز البديل السياسي لليبيا الجديدة ببناء علاقات دولية متينة، مع العالم العربي والاسلامي والعالمي، على اساس المسالمة والمودة والمساواة، والتحرر من التبعية العسكرية، والسياسية والاقتصادية، مع تبادل المصالح المشروعة، واحترام المواثيق الدولية، ودعم السلام العالمي، واحترام حقوق الشعوب، في تقرير مصيرها، فالاحتلال والعنف والتدخل العسكري القسري تعتبر امور مكروهة، بل ممقوتة، ومنبوذة، لانها نقيض للامن والاستقرار والامان.  

 

كما يجب ان يكون البديل السياسي القادم بديل..

 

يوقر كتاب الله والانبياء صلوات الله عليهم اجمعين، والصحابة الكرام، رضوان الله عليهم اجمعين، وائمة المذاهب، والعلماء والشيوخ، ويحترم عقيدة الناس، ولا يخوض فيها، ولا يستهزيء بها، او بمقدسات المسلمين، فان عبدة الابقار يغضبون على من يهين ابقارهم، فما بالك بمن يستهزيء بالقرآن الكريم، او بالبسملة، او بدين الرحمة، او بالانبياء الكرام، او بالاحاديث الشريفة، او بالصحابة الكرام، او العلماء الاجلاء، او بشعيرة من شعائر الاسلام، او بالحجاب، او الصيام، او باي ركن من اركان الاسلام، واصول الدين، وفروعه، وهي قيم ومقدسات وشعائر، لها في قلوب الليبييين قدسية ومكانة ومحبة وتقدير. فمن اراد لهذا الوطن الامن والخير والاستقرار والامان، فلا يمس هذه القيم بالسخرية او الاستهزاء او التهجم او محاولات التهميش، فاقل ما يقال في مثل هذه التصرفات، انه غباء سياسي من الطراز الاول. مارسه الطاغوت واعوانه ومن والاه، فكرههم الشعب الليبي، كرها شديدا. وليس من الذكاء مهاجمة قيم الاسلام، في بلد مسلم. وهذا، مرة اخرى، اقل ما يقال في مثل هذا الامر.  

 

كما يجب ان يكون البديل السياسي القادم بديل..

 

يوفر للمواطن الامن والامان، فتكون مؤسسات الامن في خدمة المواطن، لا في خدمة النظام.

 

وبديل يقدر ويحترم ويفتخر بالقوات المسلحة، ويحترم دورها، ويصلح من وضعها، ويجعلها اداة  لحماية البلاد والجماهير، لا اداة لقمع الجماهير.   

 

وبديل يحفظ للانسان في ليبيا قيمته ومكانته وكرامته، تلك القيمة والمكانة والكرامة التي استمدها من قيوم السموات والارض، من قوله تعالى "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً.. الاسراء/70 ". فكرامة الانسان وقيمته، ليست منة من احد، بل  هبة من الله سبحانه وتعالى، وحق من حقوق كل مواطن، فيجب ان يحرص البديل الجديد على ان تكون قيمة الانسان في بلادنا مقدمة على سيادة الدولة، فما وجدت سيادة الدولة الا لحماية الانسان، وحفظ كرامته، وضمان حرياته، فلا وطن بلا انسان، بل ان قيمة المؤمن عند الله سبحانه وتعالى، اعظم من الكعبة نفسها، كما ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

وبديل سياسي جديد يقدر مبدعي البلاد، ومثقفيها، وكتابها، وادبائها، واساتذتها، ومدرسيها، وطلبتها، ويقدر الاطباء، والمهندسين، والمتعلمين، والنخب بصفة عامة، بل بديل جديد يفتح الطريق لابداع المبدعين، وانتاج المنتجين، في اي مجال من مجالات البناء العلمي او المادي او المعنوي. ولا يمسخ او يطمس الانسان في  ليبيا.

 

وبديل سياسي يمارس العنف، ان كان لابد من ذلك، ضد اعداء البلاد، لا ضد الشعب، فيوجه رصاصه وحرابه وحبال مشانقه، الى اعداء الوطن، واعداء ليبيا والليبيين، لا الى رقاب وصدور الليبيين، تحت مختلف المصطلحات والتهم والمفردات، فجميعنا ابناء ليبيا، وجميعنا نحب ليبيا، ولا احد يزايد على احد بذلك.

 

وبديل يكون فيه امن وحرية وكرامة الليبيين، مقدمة على غيرهم، فلا يقبع الليبيون في الاقبية والسجون والمعتقلات، ولاتفه الاسباب، بينما يسير غيرهم على ارضنا بحرية، مرفوعي الجبين، اعزاءا، احرارا، يتمتعون ببلادنا، بارضها وشمسها وشواطئها وهوائها.

 

وبديل جديد، لا يحشر في سجونه المواطنيين وابناء البلاد، بل يحشر في سجونه الجواسيس واعداء البلاد.

 

وبديل سياسي جديد يسخر ثروة البلاد لخدمة البلاد، لا خدمة النظام، او قادة النظام، او  خدمة بلدان الغير، بل نظام يتبنى سياسة اقتصادية وطنية مستقلة ومتحررة من الهيمنة الاجنبية، ويصنع توازنا بين مصادر الدخل، مع التركيزعلى الزراعة والتقنية والصناعة، كبديل للثروة النفطية. 

 

وبديل سياسي جديد تكون فيه السياسة والنظام في خدمة الاقتصاد، لا ان يكون الاقتصاد في خدمة السياسة او النظام.

 

وبديل سياسي يجاري التعليم فيه العصر، شكلاً ومضموناً، من الدفتر والقلم الى اعلى انماط واشكال التقنية العلمية الحديثة المعاصرة. 

 

وبديل سياسي جديد، لا يكون فيه الدستور هوة تفرق وتباعد بين الشعب والنظام، فارادة الشعوب وارادة الانظمة متناقضتان في اوطاننا العربية، كل منهما يسير في وجهة تخالف الاخرى. بل ان اغلب القوانين والدساتير في الوطن العربي، تخالف عقيدة وقيم وتراث وارادة وطموحات الشعوب، لذلك لابد ان يكون دستور ليبيا الجديدة، جسراً، يربط بين النظام وبين عقيدة وارادة وطموح وتراث وتاريخ وقيم واعراف وتقاليد ومطالب واماني الشعب الليبي، والا فان المنطق والعقل والتاريخ، يقول ان مطالب الاستقرار والحرية والامن والنمو والامان والسلام، لن تتحقق بوجود مثل هذا التناقض، ولنا في ثورة تونس ومصر وثورة السابع عشر من فبراير خير مثل. بل ولنا في انعدام الاستقرار السياسي، وفي الاضطرابات، والثورات في العالم العربي عبرة لمن يعتبر. فالدساتير في العالم العربي تسير في جهة، والانظمة تسير في جهة اخرى، والشعوب تسير في جهة ثالثة، مما شكل اجواء مناسبة للتخلف، والتنافر، والفساد المالي، وانعدام الاستقرار، والاستبداد. ولذلك، مرة اخرى، بل وللمرة الالف، لابد ان يكون دستور ليبيا الجديدة، جسراً، يربط بين النظام وبين عقيدة وارادة وطموح وتراث وتاريخ وقيم واعراف وتقاليد واماني ومطالب الشعب الليبي التي جاءت ثورة السابع عشر من فبراير المباركة لتحقيقها، والله من وراء القصد.

 

____________________________________________________

نشر محنوى هذا العرض ضمن كتاب "البديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعد الثورة"، في فبراير 2002م، تحت عنوان "ملامح البديل ودولة ما بعد الثورة"، واعيد نشره يوم السبت 3 سبتمبر2011م مع اضافات تطلبتها المرحلة. والله المستعان على امره.

 

 

د. فتحي الفاضلي

_________________________

لمراسلة الكاتب

fathifadhli@yahoo.com

ffadhli@hotmail.com

 

لزيارة   صفحة الكاتب

www.fathifadhli.com

لزيارة صفحة الكاتب على الفيس بوك

www.facebook.com/fathilibya