صفحة الدكتور فتحي الفاضلي

 

 

البديل السياسي في

ليببيا و دولة ما بعد

الثورة

 

ثورة الكلمة

 

جذور الصراع في

ليبيا

 

المعارضة الليبية

 

التبعية


بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الى الوالد الكريم.. لقد سقط الطاغوت

 

 


 

 

السيد علي الفاضلي

 

صورة للوالد الكريم احتفظت بها لاكثر من ثلاثين عاما. 

 

من منا لا يود ان يزف الى اعز احبابه، بشرى سقوط الطاغوت معمر القذافي. ومن منا لا تتزاحم في ذهنه اسماء العشرات، بل المئات من الاصدقاء والاعزاء والاحباب، ممن نود ان نكون سباقين الى مشاركتهم في هذا الخبر العظيم. تزاحمت الاسماء والشخصيات، لكن الوالد الكريم، السيد علي الفاضلي (رحمه الله)، قفز على رأس القائمة، ودون منافس.  

 

انتقل الوالد الكريم الى رحمة الله، في السابع من ابريل، من عام 1983م، في نفس اليوم الذي اعدم فيه الشهيد امحمد امهذب احفاف (رحمه الله)، اي في نفس اليوم، الذي خيم فيه الحزن على ليبيا باكملها.

 

كان السيد علي الفاضلي (رحمه الله)، رجلا عصاميا مكافحا، قضى اكثر من نصف قرن، يسعى من اجل توفير حياة طيبة كريمة لأسرته، لم يتردد عن مزاولة اية مهنة، مهما كانت نظرة المجتمع نحوها، طالما انها مهنة شريفة.

 

ومن الصعب ان اتذكر والدي الكريم، دون ان يكون منغمسا في انتاج، او عمل، او حركة، او بيع، او شراء، او سعي دوؤب الى خير. كان رحمه الله، يمارس من الاعمال، ما لا يطيقها غيره، بل ما يترفع عنها غيره احيانا. فاشتغل كعامل، ومزارع، وبائع متجول، وفلاح، ثم اقتحم مجال  التجارة والاعمال الحرة بمختلف انواعها.

 

كان السيد علي الفاضلي، ينام في مقر عمله، ومصدر رزقه، اياما وليالي، يقوم من نومه قبل الفجر، يسعى في طلب الرزق الحلال، وينهي يومه في اخر الليل. لا يصده عن ذلك برد، ولا قيض ولا مرض ولا لهو. وكان نحيفا جدا، كما كان يعاني من نوبات حادة من ضيق  التنفس (الازمة)، وقد شاهدته يبصق دما، اكثر من مرة، ولكنه لم يتوقف يوما عن اداء مسؤلياته وواجباته تجاه اسرته، وعلى اكمل وجه، وحتى بلغ الستين من عمره. 

 

لم يتقيد بمدينة او قرية او مكان، فانتقل من قرية الى اخرى، ومن مدينة الى مدينة، ومن ريف الى اخر، سعيا وراء الرزق الكريم، ليعول اسرته الكبيرة. فقد عرفته مدينة درنة وبنغازي وطرابلس، عاملا مكافحا عصاميا صابرا وتاجرا امينا مجدا ناجحا. يثق فيه الجميع. كان الوالد الكريم، وعلى مرأى ومسمع مني، يعقد الصفقات الكبيرة، من بيع او شراء، في دقائق معدودة، صفقات كانت تتم بالثقة والكلمة والامانة، فلا ورق ولا عقود ولا جدل ولا خصومة ولا خصام.

 

ولانه جرب الفقر، وقسوة الحياة، وطعم الكفاح من اجل اللقمة الشريفة، لذلك لم ينس واجبه تجاه الاخرين من عباد الله، من الفقراء والمحتاجين، من الاصدقاء، والمعارف، والجيران، لم ينسهم، بما تيسر من صدقة، او زكاة، او دعم، او كلمة طيبة، او عون، او بغير ذلك مما جاد به الله سبحانه وتعالى. 

 

كان لا ينسى اطفال اصدقائه ومعارفه واقربائه، في مختلف الاعياد والازمات والمناسبات، فكان يغدق عليهم، وكأنهم ابنائه. كان الوالد الكريم رحمه الله، مدرسة في صلة الرحم. وكان بيته مفتوحا للفقراء، قبل الاغنياء. وكان يشعر الجميع بانهم جزء من العائلة. 

 

وعندما جاء انقلاب سبتمبر المشؤوم، واصدر معمر القذافي، اوامره بالاستيلاء على ارزاق الناس، كان السيد علي الفاضلي، وكغيره من ابناء هذا الشعب العظيم، احد ضحايا هذا القرار الجائر. حاول الوالد الكريم مقاومة هذا الظلم والاجحاف، سلميا، فجمع بعضا من المتضررين، واتجهوا الى احد مقرات النظام، الذي اسندت اليه مهمة تنفيذ قرارات الزحف (او التأميم). في محاولة لاقناعهم بالتراجع عن قراراتهم، او تعديلها على اقل تقدير. ووصل الحوار بين المتضررين واعوان النظام، الى طريق اكثر من مسدود، فمجرد الحديث عن  قرارات "القائد" الاممي، تعتبر في عرف النظام، جريمة كبرى، لا تغتفر.

 

انتهى الحوار الذي لم يبدأ اصلا، بان قال اعوان النظام، للمجموعة المحتجة سلميا،"اذا لم تعجبكم هذه القرارات، فيمكنكم ان تصلوا امقبل (جنوبا)"، اي يمكنكم ان تؤدوا الصلاة متجهين الى الجنوب، او الى غير اتجاه القبلة. وهذا المثل يشبه، والى حد ما، المثل الذي يقول "ان لم يعجبكم هذا الامر، فاشربوا من البحر" او "اضربوا برؤسكم الحائط".

 

وعندما واصل الوالد الكريم، جهوده السلمية نحو مقاومة هذه القرارات الجائرة. ارسل النظام مجموعة مدنية مسلحة، اقتحمت مقر عمل الوالد، وانتشرت في قاعة الاستقبال، تثير الرعب في الحضور، وهُدد الوالد الكريم، بالاستيلاء على مصدر رزقه بالقوة.

 

لم تثن تلك المحاولات السلمية، النظام عن نواياه الخبيثة، اذا، فتم تطبيق قرارات الاستيلاء على ارزاق الناس في عام 1979م. فتضرر الوالد، كما تضرر غيره. وكان يعول اسرة مكونة من ثلاثة عشر فردا، عندما تم تجريده من مصادر رزقه، وكان اغلب افرادها من طلبة الجامعة، او من طلبة المدارس الثانوية.

 

ومما زاد من معاناة الوالد، ان مصدر رزقه، كان يقع في نفس الشارع، الذي يقع فيه بيتنا، فكان الوالد الكريم يرى، يوميا، وعن كثب، رزقه الذي قضى اكثر من نصف قرن في جمعه، يعبث به الظالمون، يتمتعون بعائداته هم وعائلاتهم، بينما، قاب قوسين او ادنى، تقطن الاسرة صاحبة الحق المغتصب.

 

لقد عانى الوالد الكريم من هذا الوضع المؤلم الغريب، قرابة خمس سنوات، قبل ان ينتقل الى رحمة الله، في عام 1983م. وكان يتابع الاخبار ثانية بثانية، عله يسمع خبر سقوط الطاغية. لكنه انتقل الى رحمة الله، قبل ان يُزف اليه ذلك الخبر.

 

وها انا بعد ثمانية وعشرين عاما، من وفاة الوالد الكريم، وبعد ما يقارب من اثنين وثلاثين عاما من الاستيلاء على مصدر رزقه، ظلما وعدوانا، ها انا ازف اليه نبأ سقوط الطاغية،  فاقول: "الى والدي الكريم.. لقد سقط الطاغوت"، سقط على ايدي الابطال الاشاوس الاسود،  ثوار السابع عشر من  فبراير، فجزاهم الله عنا وعن الوطن وعن الامة كل خير. كما اسأله سبحانه وتعالى ان يتغمد والدنا الكريم برحمته، وان يجمعنا معه، في جنات الخلد، انه على كل شيء قدير.

 

ولعلي انوه في الختام، الى ان المحن التي مر بها السيد علي الفاضلي، ومر بها عشرات الالاف من الليبيين، تحت نظام الطاغوت معمر القذافي، وغيرها من المحن، التي يشيب لهولها الولدان، والتي لا يتسع لسردها المقام، -هذه المحن- لم تزد الليبيين الا اصرارا على محاربة الذل والظلم والقهر والارهاب والظالمين.

 

وهكذا كان، فقد سقط الطاغوت بعد ان اذله الله سبحانه وتعالى، وهو يرى مملكته، مملكة الشيطان، تنهار على مرأى ومسمع منه ومن جنوده واعوانه ومن والاه. رأها ا تنهار على ايدي شباب في عمر الورود اراد ان يذلهم فاذلوه.

 

كتبت يوم سقط الطاغوت- في 20  رمضان- عام 1432 هـ -  يوم تحرير طرابلس- وذكرى فتح مكة- الموافق 20 اغسطس 2011م. ونشرت يوم عيد الفطر المبارك 1 شوال 1432 هـ. 

 

 

د. فتحي الفاضلي

___________________

لمراسلة الكاتب

 

fathifadhli@yahoo.com

 

ffadhli@hotmail.com

 

لزيارة   صفحة الكاتب

www.fathifadhli.com

 

لزيارة صفحة الكاتب على الفيس بوك

 

www.facebook.com/fathilibya