صفحة الدكتور فتحي الفاضلي

 

 

البديل السياسي في

ليببيا و دولة ما بعد

الثورة

 

ثورة الكلمة

 

جذور الصراع في

ليبيا

 

المعارضة الليبية

 

التبعية


تحية وفاء وتقدير للشعب الليبي..

 

من الثوابت التي لا يقيل عنها النظام المنهار ولا يستقيل، تعامله مع الليبيين كشعب جاهل، مستعبد تائه، لا تاريخ، ولا ثقافة، ولا رموز، ولا اصالة، ولا ابطال له. شعب خال، في نظر النظام، من الابداع والمبدعين، وخال من التراث والاعراف والتقاليد، وخال من المساهمات والعطاء والمشاركات. شعب، جل ممارساته، كتلة من الاخطاء، وشعب، حسب الفقه الثوري، لا يفقه واقعه ودينه وتاريخه، الى ان جاء نظام معمر المنهار، واخرجه من الظلمات الى النور. اما واقع هذا الشعب العظيم، وكغيره من الشعوب العربية والاسلامية، فيقول غير ذلك.

 

 لقد لعب علماء ليبيا دوراً بارزاً، في اسقاط الدولة الفاطمية (العبيدية)، ودورا بارزا، بالتالي، في حفظ السنة وكيان اهل السنة الى يومنا هذا، بل الى يوم القيامة باذن الله. وقد قدمت ليبيا في سبيل ذلك، مئات العلماء، والاف المقاتلين والثوار والمجاهدين، حدث ذلك قبل مئات السنين من انقلاب سبتمبر المشؤم، في معركة شبيهة بمعركة الدفاع عن السنة، والتي خاضها الليبيون ضد النظام الحالي المنهار في ليبيا.

 

كما قام الليبيون بعشرات المحاولات لاصلاح الدولة العثمانية، بل والخروج عليها بالقوة، كلما بالغت في الانحراف عن مسار الدولة الطبيعية. وشهدت ليبيا مولد الحركة السنوسية المباركة، ولمس الليبيون دورها الرائد في التاريخ، كاحدى الحركات الاسلامية الكبرى، وخاصة في مجال الدعوة في ليبيا وخارج ليبيا، فقد نشرت هذه الحركة المباركة، الاسلام، في ربوع افريقيا وغير افريقيا، وقاومت الاستعمار الايطالي والفرنسي والبريطاني. كما كان عطاؤها عطاءً رائعا متميزا، في ميدان العلم والدولة والانسان، فكانت رسالتها الجهادية مصحوبة دائما، برسالة الاصلاح المدني، وبالنهضة السياسية والثقافية والاجتماعية، وكانت نشاطاتها تتم على ايدي ليبية، بصرف النظر عن موطن المؤسسين، او مكان مولدهم، بل ان من اعظم قادة السنوسية، ولدوا وترعرعوا وعملوا وجاهدوا واستشهدوا في ليبيا، قبل عشرات السنيين من انقلاب سبتمبر 1969م.

 

ثم جاهد الليبيون ضد الغزاة الايطاليون، جهاداً جعل الجندي الايطالي يلعن اليوم الذي فكر فيه بغزو ليبيا، وذلك قبل انقلاب سبتمبر باكثر من خمسين عاما. كما اظهر الليبيون مهارات سياسية فائقة، اثناء النضال السياسي من اجل تأسيس الدولة الليبية الحديثة. ويمكننا ان نلمس هذه المهارات، في تاسيس الجمهورية الطرابلسية (1918م)، قبل واحد وخمسين عاما من انقلاب سبتمر، ناهيك عن تنظيم المظاهرات والاعتصامات، وعقد المؤتمرات، وتأسيس الاحزاب والحركات والجماعات، واصدار الصحف والبيانات والمنشورات، بالاضافة الى التحرك المكثف والجاد، في المحافل الدولية، تلك المهارات السياسية، التي ادت الى خلق ارضية سياسية صلبة، تأسست عليها الدولة الليبية الحديثة.

كما شارك الليبيون، قبل قيام انقلاب سبتمبر بواحد وعشرين عاماً تقريبا، اي عندما كان اغلب  قادة  النظام الحالي المنهار، يمرون بمراحل الطفولة الاولى، شارك الليبيون في الجهاد ضد اسرائيل في حرب 1948م، واستشهد منهم الكثير، وعاد منهم الكثير.

 

كما قدم الليبيون الدعم المتواصل والمكثف لاخوانهم في الجزائر، اثناء حرب التحرير الجزائرية، والتي قادها الشعب الجزائري ضد فرنسا. تلك الحرب التي وقف فيها الليبيون، بقضهم وقضيضهم، بما فيهم اولئك الذين لا يملكون قوت يومهم، وقفوا وقفة رائعة متميزة بجانب اخوانهم في الجزائر. وقفة، آثر فيها الليبيون شعب الجزائر على انفسهم، فاعطوا لاخوانهم واخواتهم في الجزائر الغالي والنفيس. وقفة آثرن فيها نساء ليبيا، الشعب الجزائري، على فلذات اكبادهن، فاعطين حليهن ودريهماتهن وملابسهن، برغم الحاجة والفقر والفاقة، التي كان يمر بها الشعب الليبي في ذلك الوقت، وقد جرى ذلك قبل انقلاب سبتمبر بسنوات طويلة. 

 

كما شهد العهد الملكي نشاطات معارضة سياسية وثقافية متنوعة، منها مظاهرات الطلبة في (1963-1964م) في طرابلس وبنغازي والزاوية والجميل. كما حاولت القوات المسلحة الليبية القيام بانقلاب عسكري، ضد النظام الملكي عام 1964م، اي قبل خمس سنوات تقريباً من انقلاب سبتمبر المشؤم، ناهيك عن الانتفاضة الجماهيرية الضخمة،التي انطلقت عام 1967م، في جميع مدن وقرى ليبيا، لتعبر عن التحام الشعب الليبي مع مصر وسوريا والاردن وتأييد اخوانهم في الحرب، التي عرفت بحرب الايام الستة ضد اسرائيل. 

 

وتمردت وحدات من الجيش الليبي، فاخترقت الحدود الليبية  اثناء حرب 1967م، بين مصر واسرائيل، لتشارك في الحرب، في صف الجيش المصري، دون ان تبالي، بالاوامر العسكرية. ودون ان تبالي بما سيترتب على ذلك من عقوبات. ثم عادت هذه الوحدات الى ليبيا، بعد انقلاب سبتمبر(1969م)، على اعتبار ان النظام الجديد نظاماً ثائر قومي غاضب، ما جاء الا ليدمر الصهيونية والامبريالية والاستعمار، فاحسوا بالامان وعادوا الى ليبيا، فقبض النظام "الثوري" في فترات لاحقة، على بعضهم، بل اعدم بعضهم بحجج لا تخفى على القاريء الكريم.  

 

ولم يتوقف عطاء الشعب الليبي، على ما سبق، فقد ابدى الليبيون معارضة عنيفة، ضد النظام الحالي المنهار،  شملت جميع انماط المقاومة، بداية بالقول اللين والكلمة الطيبة (رسائل الشهيد محمد مصطفى رمضان) الى العمليات الاستشهادية (حركة الشهداء) مروراً بكافة اشكال النضال السياسي، وما شمل ذلك من مظاهرات وانتفاضات  طلابية، امتدت من 1973م الى 1976م. ناهيك عن تأسيس الحركات والاحزاب والجبهات والجماعات المعاصرة، التي بذلت كل غالي في سبيل اسقاط هذا النظام المنهار، الى العمليات القتالية، الى الانقلابات العسكرية، الى غير ذلك، من نشاطات سياسية معارضة متنوعة، مبسوط تفاصيلها في مصادر عديدة، لمن اراد الاطلاع عليها.

 

وهكذا..

 

لم يخل عصر من العصور، ولا عهد من العهود، دون ان يساهم الشعب الليبي، مساهمة جادة، مميزة، في جميع المجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية، ناهيك عن مساهمات اخرى، في مجال العلم والفن والادب والرياضة والصحافة، وغيرها من مجالات العطاء المختلفة، مما لا يتسع المكان للتفصيل فيها، يعود اغلبها الى ما قبل الانقلاب المشوؤم بعشرات السنين. فتحية تقدير ووفاء، لهذا الشعب الصابر الصامد المعطاء، على مر العهود والعصور. وما ذكرته في هذا العرض، هو في الواقع، غيض من فيض، مما قدمه هذا الشعب. فما قدمه الشعب الليبي يحتاج الى مجلدات لا الى صفحات.

 

ولا يخفى على عاقل، ان النظام في ليبيا، كان يحاول طمس هذا العطاء، لادراكه ان التاريخ من اهم مصادر القوة للامم والملل والنحل ولا يخفى  علينا ذلك، لكننا لا نعلم لماذا يفعل النظام ذلك، اي لماذا لا يريد النظام ان يستمد الشعب الليبي، من تاريخه، ما يزيد من قوته وتفوقه وابداعه، ليصنع مستقبل افضل لليبيا، كما تفعل باقي شعوب الارض، وعلى مدار التاريخ. لا ندرك، لماذا يقف النظام ضد هذا الطموح الفطري للشعب الليبي، فطمس تاريخ الامم، امر لا يمارسه الا الغزاة والمستعمرين والاعداء. خاصة وان الشعب الليبي كان يتفاعل مع التاريخ، فلم يقف يوما موقف المتفرج، عندما كانت شعوب الارض  تصنع التاريخ، بل كان يصنع معها الاحداث والوقائع والتاريخ.

 

ثم تُوج عطاء هذا الشعب العظيم، بثورة 17 فبراير المباركة، والتي اذهلت العالم، واذهلت الطاغوت الذي قضى من عمره اربعة عقود لقمع هذا الشعب، وظن انه نجح في تركيعه واذلاله والسيطرة عليه. وعندما اندلعت هذه الثورة، عرف معمر وعرف العالم، معدن هذا الشعب الاصيل. لقد كشفت ثورة 17 فبراير هشاشة الطواغيت، مهما امتلكوا من قوة ومال وعتاد وسلاح، وكشفت قوة الشعوب المتعطشة للحرية، وخاصة عندما تقول "لا" للقمع والاستبداد والظلم. وتقول "لا" للتهميش والارهاب والتنكيل. فارادة الشعوب اعصار، لا يستطيع ان يصمد امامه اعتى الطواغيت. ناهيك عما اظهرته هذه الثورة من قيم وصفات عظيمة، تميز بها هذا الشعب، من وحدة، وتضحية، وتعاون، وتكافل، وعزيمة، وتصميم، وتراحم، وايثار، ووفاء، وشجاعة، وعطاء، وحب لهذا الوطن، وانتماء اليه، والى اعرافه وعقيدته وتقاليده. فتحية وفاء وتقدير لهذا الشعب، وتحية لشعب تونس ومصر واليمن وسوريا، ولكل شعوب الارض، التي تسعى لانتزاع حريتها من براثن الطواغيت. والله ولي التوفيق.

 

كتبت في 31 اغسطس 2008م (اضيفت الفقرة الخاصة بثورة 17 فبراير في 29 يوليو 2011م) 

 

 

د. فتحي الفاضلي

__________________________

لمراسلة الكاتب

fathifadhli@yahoo.com

ffadhli@hotmail.com

لزيارة   صفحة الكاتب

www.fathifadhli.com

لزيارة صفحة الكاتب على الفيس بوك

www.facebook.com/fathilibya