![]() |
|
صفحة الدكتور فتحي الفاضلي |
|
البديل السياسي في ليببيا و دولة ما بعد الثورة
ثورة الكلمة
جذور الصراع في ليبيا
المعارضة الليبية
التبعية |
بسم الله الرحمن الرحيم
من ضحايا الارهاب:
شهيد الغدر: احمد رفيق عبد القادر البراني
خلقت حرا فما فوق البسيطة من أعنو له غير جبار السموات
ولد السيد احمد رفيق البراني، والذي يعرف بين اصدقائه باسم محمد، بمدينة بنغازي، في 12 مارس، من عام 1948م. واتم دراسته الابتدائية، والاعدادية، بمدرسة النهضة ( التوريلي)، في نفس المدينة. وقد سمي باحمد رفيق، تيمنا بشاعر الوطن، احمد رفيق المهدوي، فقد كانت عائلة البراني الكريمة، على صلة وثيقة، بشاعر الوطن، الذي كان يقوم بزيارة العائلة، وزيارة الوالد الكريم، من حين الى اخر. ونرى اسفله، صورة، تضم شاعر الوطن، والسيد عبد الحميد شتوان (خال والدة السيد احمد البراني)، بالاضافة الى السيد سعيد الحاجة.
السيد: سعيد الحاجة/ شاعر الوطن: احمد رفيق المهدوي/ السيد عبد الحميد شتوان
واثناء دراسته الثانوية، جذبت التجارة، انتباه السيد احمد البراني، فقد كان السيد عبد القادر البراني، والد الضحية، من تجار مدينة بنغازي، الامناء، كما كان اخوته، واخواله ايضا، من آل شتوان، من انجح التجار، واكثرهم صدقا، وامانة، لذلك، التحق السيد احمد، ببعض اخوته، واقربائه، بحقل التجارة، ونجح في هذا المجال، نجاحا باهرا، وكبرت طموحاته، فافتتح، مع شقيقه فاروق (رحمه الله)، اول مصنع للملابس في مدينة بنغازي. وبعد ان نجح مصنع الملابس، المذكور، كمشروع تجاري، استفادت منه بنغازي، قبل ان يستفيد منه صاحبه، وكاد ان يكون نواة خير، لنمو صناعي كبير، في هذا المجال، في ليبيا - بعد ان نجح هذا المشروع- انطلقت اللجان الثورية، او بالاحرى، اللجان الارهابية، وبتحريض من معمر، ونظامه القمعي، انطلقوا، يحرضون، عمال المصنع، للاستيلاء عليه، مستخدمين سيلا، من التهم الرديكالية، المحفوظة في ارشيف المخابرات، وارشيف اللجان الارهابية. وتم الاستيلاء على المصنع تحت شعارات عديدة جوفاء، كـ"القضاء على البورجوازية المتعفنة"، و"المستغلين"، و"الرسمالية"، و"الامبريالية"، و"مصاصي دماء الشعوب"، و"اعداء الاشتراكية"، و"اعداء الشعب"، و"اعداء الطبقة الكادحة"، "والبروليتارية"، وغير ذلك، من مصطلحات، وتهم، وشعارات، اليسار الفاشل، المنهار، التي استخدمها الانقلابيون، في بداية الانقلاب، كحجة، ومدخل، ووسيلة، للاستيلاء على ارزاق الناس. تهم، باطلة، زائفة، جوفاء، كاصحابها، تعرض لها كل مواطن، شريف، عصامي، حر، كادح، من امثال الاستاذ احمد البراني. ولم يكتف النظام، بالاستيلاء على مصدر رزق، السيد احمد، بل واصل، وكعادته، ملاحقاته، وتهديداته، ومضايقاته، للضحية، كي ينسى حقوقه، المسلوبة ظلما، او يتنازل عنها، نهائيا. بل وصل الامر الى تهديده، بالضم القسري، الى القوات المسلحة (الجيش)، كوسيلة لابعاده، عن الحياة المدنية، وصرف نظره،عن المطالبة بحقوقه، التي انتزعت منه، حقدا، وظلما، وزورا.
احمد رفيق البراني في سن الثانية عشر ربيعا ، نرى في عينيه، احلام، وبراءة، وطموحات، وامال، حطمها معمر، كما حطم احلام الوطن.
ترك السيد احمد جنة العقيد، وهاجر الى قبرص، يلتمس الامن، ولقمة العيش، والامان. ذهب الرجل، وترك كل شيء، ترك تجارته، ومصدر رزقه، واهله، واصحابه، واقربائه، ولم يعد يطالب النظام القمعي بشيء. ليس ذلك فحسب، بل ترك بجسده، لا بعقله او قلبه او روحه، الوطن، الذي ولد، وترعرع، وتعلم، وعمل، من اجله، وفيه. ترك الوطن، الذي احبه احمد، والذي مثل مركز احلامه، وطموحاته، واماله. والتحق، بمكتب تجاري، للاستيراد، والتصدير، اسسه في اواخر السبعينات، ابن عمه، السيد حسين المكي البراني (رحمه الله)، في نيقوسيا، عاصمة قبرص. يصف احد الاصدقاء المكتب وموقعه، فيقول:
"يقع مكتب البراني التجاري في وسط مدينة نيقوسيا التجاري في شارع مزدحم بالتجار والسواح والمسوقين والعمال والموظفين وغيرهم من المشاة، في عمارة ذات عدة طوابق وفي زاوية لشارعين مزدحمين. كان المكتب التجاري في الطابق الاول من العمارة والطابق الارضي يضم عدة محلات تجارية عامة. ويحتوي على صالة استقبال وثلاثة مكاتب (غرف) احدها مكتب المرحوم حسين المكي وهو يقع في اخر الممر ثم مكتب اخر قريب من صالة الاستقبال يعمل به موظف يعمل مع حسين واحمد وهو من السودان، اما الغرفة الصغيرة فقد كانت مخزن للعينات والمواد القرطاسية وغيرها. باب المكتب كان دائما مفتوح للعامة ولا يقفل الا في المساء بعد انتهاء ساعات العمل" انتهى وصف الصديق.
وفي صباح يوم الثلاثاء، الثاني من شهر ابريل، من عام 1985م، وعند الساعة العاشرة، صباحا، تقريبا، وصل الى المكتب، رجل، اسمر وقصير القامة ونحيف، يتحدث بلهجة، هي مزيجا من لهجة فلسطينية وخليجية، مما يرجح انها لهجة، مصطنعة او مقلدة. وقد حاول، كما يروى، ان يُغلب اللهجة الخليجية، على نغمة حديثه، وربما استخدم، اللهجة الخليجية، ليكسب ثقة الضحية، خاصة، وقد ادعى انه مبعوث، من احد تجار الخليج، لمقابلة السيد احمد، من اجل عقد صفقات تجارية. علم الرجل الغريب، من موظف المكتب، ان السيد احمد سيعود، بعد ساعتين تقريبا، وفعلا عاد الى المكتب، مرة اخرى، في الوقت المحدد، واستقبله السيد احمد ببشاشة وطيبة وترحاب، في مكتبه، وبعد حديث قصير بينهما، قال السيد احمد لموظفي المكتب: "انني خارج، مع الضيف، وساعود، بعد قليل". وفجأة، اخرج الرجل الغريب، مسدسه، واطلق رصاصة، على رأس الاستاذ احمد، من الخلف، فسقط اما باب مكتبه، مضرجا بالدماء، وقد قُتل، غدرا، وظلما، وعدوانا، بدون ذنب اقترفه، في حق احد. واختفى القاتل وسط الزحام.
لم تتوصل التحقيقات الى هوية القاتل، او ربما توصل الى بعض خيوط الجريمة، ولم يُكشف عنها، لاسباب ما، نسأل الله سبحانه وتعالى، ان تكون هذه الاسباب، قد زالت، بعد ثورة السابع عشر، من فبراير، وانهيار النظام الدموي، وسقوطه، قريبا باذن الله. ولابد، من فتح جميع الملفات، ومواصلة التحقيقات، في قضية الشهيد احمد، وفي جميع قضايا القتل، والغدر، والاعدام، والشنق، والاغتيالات، حتى تأخذ العدالة مجراها، ويُقتص من القاتل، ومن وراء القاتل، نوايا وتخطيطا، واوامر، وتنفيذا، وتسهيلا، "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" ( البقرة 179).
سقط احمد مضرجا بدمائه، وصعدت روحه الطاهرة الى بارئها، وهي تشهد على العبث والغدر والاستهتار بارواح، وكرامة، وعزة، وحرية البشر، من اجل، لا شيء، سوى ارضاء طاغوت، ارعن احمق اهوج، احرق الحرث والنسل، واذاق الناس والبلاد والعباد، الويلات. سقط احمد، شهيدا، ولم يؤذ في حياته احد، بل كان مصدر خير، لاهله، واصدقائه، ومعارفه، وبلده، ومدينته.
والشهيد احمد البراني، نموذجا، للمواطن الليبي البريء، الذي حُرم من حق الحياة، في وطنه، بامن وكرامة وامان. وحرم من حقوقه الاساسية، التي كفلها الله له، واغتصبتها شلة، لم ترقب في مؤمن، الا ولا ذمة، وشلة، لا ضمير، ولا اخلاق، ولا مباديء لهم، جثموا على صدر ليبيا، واذاقوا الليبيين، الامرين، من الذل، والقهر، والتنكيل. وادخلوا الاحزان، على بيوت الناس، دون جرم اقترفوه، الا حبهم للوطن، واهل الوطن.
ولعل لسان حال الشهيد، احمد رفيق البراني، كان يردد، عندما ترك المدينة، التي احبها واحبته، ما ردده من قبل، صديق العائلة، شاعر الوطن، احمد رفيق المهدوي، عندما ترك هو الاخر الوطن، هربا من الظلم، والغبن، والضيم، يقول الشاعر احمد رفيق المهدوي:
تركت موطن آبائي على مضض مما تجرعت من هم وويلات والله ما باختياري أن افارقه لو لم ينغصه حكم الظالم العاتي لم ترض عزة نفسي بالمقام على ضيم الاعادي وارباب الجهالات فالحر إن لم يمت مما يرى كمداً ويل له من حياة الاحتقارات فررت بالنفس لا من اجل عيشتها لكن مخافة الحاق الاهانات خلقت حرا فما فوق البسيطة من أعنو له غير جبار السموات
وفي الختام، نسأله، سبحانه وتعالى، ان يتغمد الفقيد برحمته، وان يلهم اهله، واقربائه، واصدقائه، الصير، والسلوان، وان يسكنه فسيح جناته، مع الصدقين والشهداء، وان يعوض ليبيا خيرا، عن ابن بار،عزيز، ناجح، ذهب ضحية طاغوت، ارعن، احمق، اهوج.
كما نساله، سبحانه وتعالى، ان يقرب يوم القصاص، من هؤلاء المجرمين، واعوانهم، واذيالهم، والموالين لهم، وما ذلك على الله ببعيد. والله ولي لتوفيق.
كتبت يوم الخميس 23 يونيو 2011م.
د. فتحي الفاضلي لزيارة صفحة الكاتب على الفيس بوك لمراسلة الكاتب
|
|