![]() |
|
صفحة الدكتور فتحي الفاضلي |
|
البديل السياسي في ليببيا و دولة ما بعد الثورة
ثورة الكلمة
جذور الصراع في ليبيا
المعارضة الليبية
التبعية |
وما زال الجولان ينتظر..
اخي حافظ.. لا تهتم.. نحن شرابين الدم.. الجولان انغرقها دم..
فوجيء الشعب الليبي، عقب نهاية احدى زيارات، حافظ الاسد، الى طرابلس، ليبيا، في اواخر السبعينيات، او ربما في عام 1980م، بمعمر القذافي، وقد ظهر، على شاشة التلفزيون، ممسكا بمكبر للصوت، من النوع الذي يستخدمه المتظاهرون، في الهتافات، والاهازيج، والنداءت. وكان حافظ الاسد، واقفا، امام معمر القذافي، وعلى مسافة قصيرة منه، وكان كل منهما، ينظر الى الاخر، بمزيج، من الحيرة، والبلاهة، والاستغراب.
وفجأة، اخذ معمر القذافي، يصرخ، ويقفز، كالثور الهائج، بقصيدة، يقول مطلعها: "نحن شرابين الدم"، وهو مطلع، يناسب محتوى القصيدة، ويناسب ايضا، شخصية، وسلوك، وفكر معمر القذافي وحافظ الاسد. ليس ذلك فحسب، بل اظن، ان هذه القصيدة، هي العمل الكتابي الوحيد، الذي كتبه معمر القذافي، طوال حياته، والى يومنا هذا.
تقول القصيدة العصماء..
حافظ.. حافظ.. لا تهتم.. نحن شرابين الدم.. الجولان انغرقها دم.. بالدبابة والبردم..
حافظ حافظ لاتهتم.. نحن شرابين الدم.. فلسطين انغرقها دم.. بالدبابة والبردم..
اخي السوري لا تهتم.. وراني (انني) على الموت مصمم.. نحن شرابين الدم..
اخي حافظ لا تهتم.. نفتح شلالات الدم.. بالدبابة والبردم.. نحن شرابين الدم..
كان حافظ الاسد، وكما ذكرنا، يقف امام معمر القذافي، وعلى مسافة قريبة جدا، عندما اخذ معمر، يلقي بقصيدته، الدمويه، بتشنج، وعصبية، وغضب، وكان يلقيها، بصوت عالي، اقرب الى الصراخ، منه الى الالقاء. وكان يتحرك كثيرا، ويحني جسده، ميمنة، وميسرة، وكان يرفع احدى ذراعيه، ويده مقبوضة، ثم يخفظها، ويرفعها، مرة اخرى، بسرعة عجيبة، تناغما مع شدة الصراخ. كما كانت عيناه، لا تفارق الرئيس السوري. لقد بدأ المشهد، وكأن معمر القذافي، وحافظ الاسد، يؤديان دورا، على خشبة المسرح، وكان الشعب الليبي، يتفرج، بحسرة، على ما يجري.
اخذ حافظ الاسد، ينظر، في باديء الامر، الى العقيد معمر القذافي، بشيء من الذهول، مما يدل على انه فوجيء، بما يرى، ويسمع، ثم قرر، بعد دقائق من ذهوله، ان يصفق، وبدون انقطاع، لمعمر القذافي، الذي يبدو انه انسجم، مع قصيدته الدموية، ومع تصفيق حافظ، المتواصل، فكرر قصيدته، حتى ذكر كلمة "دم"، خمسة وثلاثون مرة، في دقائق معدودة.
وهكذا، استمر حافظ الاسد يصفق، واستمر القذافي، في صراخه الدموي، على الهواء، حتى اصبح الثلاثة، حافظ والقصيدة ومعمر، ثلاثة ارواح، في روح واحدة، فقد اتحدا "الزعيمان"، مع القصيدة، نشوة، وتناغما، وطربا.
واضيف الى معاناة الشعب الليبي، على خلفية هذه القصيدة، معاناة معنوية اخرى، ربما نجى منها الشعب السوري، فقد تحولت هذه القصيدة التافهة، الى المعلقة الثامنة، واصبحت، على السنة المنافقين، من روائع الشعر الحديث، وطبع منها ملايين النسخ، واصبحت من الملصقات الرئيسية، في جميع المدن، والشوارع، والميادين، والاحياء، في بنغازي، وطرابلس، ومدن اخرى، عديدة، واخذ طلبة المدارس الابتدائية، يتغنون بكلماتها المؤذية، على مسارح المدارس، ونشرتها الصحف والمجلات، واعادت الاذاعة الليبية، المرئية، والمسموعة ايضا، بث القصيدة المهزلة، مئات المرات، وفاقت كلماتها، عند الطبالين، والزمارين، والمتسلقين، وصايا لقمان الحكيم. بل حولها المنافقون، الى يوثوبيا العصر.
وحبس العالم انفاسه، مع كلمات القصيدة، وظن العالم، ان الساعة، قد قامت، وان فلسطين، والجولان، سيتحررا، قبل ان تصل، طائرة حافظ الاسد، الى دمشق، عائدة من طرابلس. لكن العالم انتظر، وانتظر، ثم انتظر، فاذا بالزعيمان، وورثتهما، يغرقان بالدم، كل شيء، الا فلسطين والجولان. فقد اغرق حافظ، ومعمر، وبشار، وسيف، والساعدي، وخميس، والمعتصم، اغرقوا بالدم، حلب، وتدمر، وحمص، وحماة. وانتظر العالم، ثم انتظر، وانتظر، فاذا بالدم يغرق البيضاء، وزوارة، ومصراتة، وطرابلس، ودرعا، وتعز، وصنعاء، ودمشق، وبنغازي، والزاوية. ثم انتظر العالم، وانتظر الناس، في وطننا العربي، بكامله، فاذا بالدم يغرق، سوريا، وليبيا، وتونس، ومصر، واليمن، بل يغرق جميع مدننا وقرانا واحيائنا، بينما فلسطين والجولان، ما زالا ينتظران جحافل الاسد، وكتائب القذافي، وقوات على عبد الله صالح، تلك الجحافل والكتائب والقوات، التي ظلت الطريق، قصدا، فاغرقت اوطاننا بالدماء، التي لن تضيع باذن الله، هباء.
ولان زعماء الوطن العربي، الاشاوس، اغرقوا الوطن بالدم، بدلا من ان يحرروه، لذلك وجب تعديل القصيدة، لتصبح كلماتها، كالتالي:
حافظ.. حافظ.. لا تهتم.. نحن شرابين الدم.. درعا ومصراتة والزاوية ودمشق انغرقها دم.. بالدبابة والبردم..
حافظ حافظ لاتهتم.. نحن شرابين الدم.. بنغازي وحلب وحماة وتعز وزوارة وصنعاء وطرابلس انغرقها دم.. بالدبابة والبردم..
اخي حافظ لا تهتم.. نحن شرابين الدم.. وراني على الموت مصمم.. ليبيا واليمن ومصروتونس وسوريا انغرقها دم.. بالدبابة والبردم..
اخي السوري لا تهتم.. نفتح شلالات الدم.. بالدبابة والبردم.. وطننا العربي سنغرقه بالدم..
لقد اتممت كتابة هذا المقال، في مدينة شيكاغو، في يوم الاحد، الخامس من يونيو، من عام 2011م. والخامس من يونيو، هو ذكرى حرب الايام الستة، التي اندلعت في 5 يونيو من عام 1967م، بين اسرائيل من جهة، وسوريا والاردن ومصر، من جهة اخرى، وكان احتلال هضبة الجولان، احدى نتائج هذه الحرب. وبدلا من ان تتجه، الدبابات السورية، في هذه الذكرى، الى الجولان، اتجهت، بل تتجه الان، واثناء كتابة هذا المقال، الى المدن والقرى والاحياء السورية، لتغرقها بالدم. فمازال الجولان ينتظر.
واخيرا، نسأله سبحانه وتعالى، ان يحفظ اوطاننا، وان ينصر شعوبنا، وان يهلك الطغاة، الذين عاثوا في الارض فسادا، وتسلطوا على عباد الله، واهلكوا الحرث والنسل، من اجل سلطة، دنيوية، تافهة، زائلة، لا محالة. وستنتصر شعوبنا، باذن الله، وستنتزع حريتها، وتستعيد عزتها، وتسترجع كرامتها، وما ذلك على الله، ثم على الشعوب المتعطشة للحرية، ببعيد، والى نصر من الله قريب، والله ولي التوفيق.
كتبت في يوم الاحد 5 يونيو 2011م.
د. فتحي الفاضلي
|
|