صفحة الدكتور فتحي الفاضلي

 

 

البديل السياسي في

ليببيا و دولة ما بعد

الثورة

 

ثورة الكلمة

 

جذور الصراع في

ليبيا

 

المعارضة الليبية

 

التبعية


النظام الليبي.. من حبوب الهلوسة الى الحرب الاهلية

 

نرجو ممن يستطيع، ان يمزج حبوب الهلوسة، والامبريالية، وتنظيم القاعدة، والامارات الاسلامية، والانفصال، والحروب الصليبية، والحروب الاهلية، في طبخة واحدة، ان يمد لعقولنا العون.

 

ما زال النظام المنهار في ليبيا، يقفز كالجراد، من شرح الى شرح، ومن تبرير الى تبرير، ومن تفسير الى تفسير، لما يجري على ارض الوطن، فقد انتقل النظام، وباسرع ما يمكن، من القاء اللوم على حبوب الهلوسة، الى الامارات الاسلامية، الى الانفصال، والانفصاليين، الى تنظيم القاعدة، الى الحروب الصليبية، ثم الى الحروب الاهلية، وما زال الحبل على الجرار.

 

ففي حركة غير موفقة، والحمد لله، ادعى النظام، ان فئة من الشباب ،لا تتجاوز العشرات، زودهم العدو (الخفي)، بحبوب للهلوسة، فخرجوا يطالبون باسقاط النظام. وكأن الشعب الليبي في حاجة اصلا، الى حبوب، او الى حوافز اضافية، تدفعه الى المطالبة باسقاط النظام الجاثم على صدر الوطن، منذ اربعة عقود، ويزيد. ليس ذلك فحسب، بل ان الذين يتناولون، حبوب الهلوسة، لا يطالبون عادة بالحرية، بل يبحثون عن الرقص او الموسيقى او الغناء، او ما شابه ذلك، من ترفيه، او هروب من واقع مأساوي ما. والشباب في ليبيا لم يهربوا من الواقع، المأساوي في بلادنا، بل واجهوه، وبكل ثقة وجراءة وايمان. ثم ان الحبوب التي تدفع بالانسان، الى المطالبة بحريته، كان يجب ان تسمى "حبوب الحرية" لا "حبوب الهلوسة".

 

وعندما تندر العالم، باجمعه تقريبا، على مسرحية الهلوسة، استنجد النظام بخطاب العنف. فاطلق، كعادته، تصريحات ارهابية، خطيرة، جاء على قمتها، خيار "الاحتكام الى السلاح"، الذي طرح من طرف مسلح واحد، بالاضافة الى تصريحات اخرى، لا تقل خطرا وارهابا، تقول "ان معمر يقود المعركة بنفسه"، وتصريحات اكثر جرما وارهابا من سابقتها، تقول، "ان حشودنا على مشارف بنغازي"، وكأن النظام الليبي يعلن الحرب على دولة عدوة، وكأن حشوده، واساطيله، على ابواب تل ابيب. لقد قرع النظام، طبول الحرب، ضد ليبيا، والليبيين، العزل، من المدنيين، قبل ان يحملوا، خنجرا، او حجرا، او عصا.

 

وعندما ادرك القذافي، فداحة المأزق، الذي وقع فيه هو وابنه، وان خطاب العنف، وقرع طبول الحرب، ضد شعب اعزل، دفع بشعوب العالم، باكملها، الى الانحياز، الى جانب الشعب الليبي. عندما ادرك معمر القذافي، وابنه، كل ذلك، عزفوا على وتر، الامارات الاسلامية، وعلى وتر "القاعدة"، و"تنظيم القاعدة"، طمعا في اقناع العالم، بان المتظاهرين، هم من الاسلاميين المتشددين، وطمعا كذلك، في الحصول على شيء من الدعم، او شيء من التغاضي الدولي.  

 

لكن العالم، ادرك سطحية، هذا الادعاء ايضا، اي، انتماء الثوار الى فئة الاسلاميين المتشددين، او تغلغل عناصرمن تنظيم القاعدة، في صفوف الثوار. فخطاب الدم، الذي تعامل به معمر، مع الشعب الليبي، خطاب قديم، انطلق، قبل ان يتكون تنظيم القاعدة اصلا. فالقتل، والمشانق، والاغتيالات، والمذابح، التي قام بها النظام، ضد الليبيين، بدأت، قبل ان يقوم الاتحاد السوفياتي، بغزو افغانستان، وقبل ان يتكون تنظيم القاعدة اصلا، وذلك كما اشار العديد من المراقبين الليبيين والسياسيين.

 

 ليس ذلك فحسب، بل ان دبابات القذافي، وصواريخه، ومدافعه المضادة للطائرات، وقنابل طائراته، طالت المرضى، والجرحى، والممرضات، والاطباء، والنساء، والشباب، والشيوخ، والاطفال، والمستشفيات، والمدارس، والمساجد، والبيوت، والمكتبات، بل، طالت الجثث، والجثامين، والقبور. فلماذا لا تستهدف دبابات النظام وصواريخه اعضاء القاعدة، بدلا من استهدافه للاطفال والنساء والشيوخ والشباب والمرضى والجرحى والممرضات والاطباء والابرياء من المدنيين العزل، والمدارس والمستشفيات والمساجد والبيوت والجثث والقبور والجثامين، وكل ذلك ثابت، بالصوت والصورة والنص، فما علاقة كل ذلك، بتنظيم القاعدة. ان ضحايا النظام، واهدافه التي قصفها، وجرائمه، تكشف، حتى لمن كان، ابكم واعمى واصم، زيف هذا الادعاء المرفوض.  

 

وعندما لم تجد ورقة المتشددين رواجا، ولم تجد ورقة القاعدة رواجا، انتقل النظام، الى ورقة الانفصال والانفصاليين. لكن هذه الورقة، حُرقت، هي الاخرى، قبل استخدامها، وباسرع مما كان يتوقع النظام. لقد حاول معمر القذافي، ان يقنع العالم، بان ما يجري في ليبيا، ما هي الا محاولة انفصالية، ورائها شلة من الانفصاليين (بالاضافة الى القوى الامبريالية بالطبع)، تعمل- هذه الشلة- على فصل الشرق، عن باقي البلاد، وان النظام الليبي، الحنون جدا، لا يرضى بتقسيم الوطن، وتجزئته، وان من حقه، بناء على ذلك، العمل، على ضمان وحدة البلاد، باية وسيلة.  

 

وتعتبر هذه المحاولة، من اكثر المحاولات، مدعاة للسخرية، خاصة وان العالم، قد سمع وراى وادرك، ان الثوار ينتمون، الى جميع مدن وقرى وارياف ومناطق وجهات ليبيا  بأسرها، من رأس جدير غربا، الى طبرق شرقا، مرورا بجميع مدن ومناطق وجهات ليبيا.

 

ليس ذلك فحسب، بل ان دبابات النظام، وقنابله ومدافعه وصواريخه، لم تتوقف - حتى كتابة هذه السطور- عن قصف زوارة والزاوية ومصراتة والزنتان، ومناطق اخرى، بوحشية، يأباها الجن والعدو والشيطان، طمعا في اخماد الثورة، في هذه المدن سريعا، ليثبت معمر للعالم، ان المناطق الشرقية فقط، هي التي تمردت على نظامه، وان المناطق الشرقية فقط، هي التي تريد الانفصال. لكن صمود الزنتان والزاوية ومصراتة، وغيرها من المناطق الغربية، اطول مما كان يتوقع القذافي، بل اطول مما كان يتوقع العالم، افسد احلام النظام الفاسدة اصلا.  

انتقل النظام بعد ذلك الى ورقة اخرى، شبيهة بسابقتها، بل يفترض ان تسبقها. فحاول معمر القذافي، طمعا في دعم، القوانين والمحافل الدولية، اللعب بورقة الحرب الاهلية. وبذل في سبيل ذلك، كافة جهده ووقته وطاقته. ومازال يبذل الجهد في سبيل ذلك. فالحروب الاهلية، سينظر اليها العالم، بقوانين دولية مختلفة، ربما يكون من ضمنها، عدم شرعية تدخل المجتمع الدولي، في الحروب الاهلية.   

 

بدأت جهود معمر، في هذا الصدد، اي افتعال الحرب الاهلية، بالاعلان عن مقتل، احد كبار اعوانه، عند بداية الثورة، ينتمي الى مدينة طبرق، والى قبيلة العبيدات، على ايدي الجماهير، في مدينة بنغازي. وذلك طمعا في شق الصف، كخطوة اساسية، لافتعال حربا اهلية. وتشاء الاقدار، ان الضابط الذي اشار اليه معمر، لم يقتل، في مدينة بنغازي، بل انضم الى الثوار، واصبح احد قادتهم البارزين.

 

وعندما فشلت هذه المحاولة، باشر النظام في تنظيم مسيرة (يفترض انها مسيرة سلمية)، تنطلق من مدينة طرابلس، او من احد المناطق الغربية، الى مدينة بنغازي. وسميت هذه المسيرة، وكما يعلم القاريء الكريم، بمسيرة " غصن الزيتون "، او " مسيرة " الصلح والسلام "، ومن اهدافها المعلنة الظاهرة، عقد "الصلح" بين المناطق الشرقية، والمناطق الغربية.

 

النظام اراد ان ينظم هذه المسيرة، على غرار مسيرة نظمها في عام 1973م، انطلقت فعلا، من رأس اجدير، على الحدود الليبية غربا، الى القاهرة، لتحقيق او فرض الوحدة بين ليبيا ومصر(افتراضا)، وسميت تلك المسيرة، بمسيرة الوحدة.

 

وقد نظمت، تلك المسيرة، في الواقع، من اجل اسقاط النظام المصري، في ذلك الوقت، في عهد الرئيس المصري، الراحل، انور السادات، او زعزعته على اقل تقدير، وذلك عبر القيام بعمليات ارهابية، في ميدان التحرير بالقاهرة، المحطة الاخيرة، المفترضة لتلك المسيرة. فقد اندس بين المشاركين، في تلك المسيرة، رجال المخابرات الليبية، والقتلة والمجرمين، المزودين بالمسدسات والخناجر والمتفجرات، ليرهبوا المدنيين في القاهرة، ويلقوا في قلوبهم الرعب، ويخلقوا اجواء من الفوضى والبلبلة والاضطرابات، ويلقوا، باللوم، بعد ذلك، على مصر، فيعلنوا ان النظام المصري، هو الذي هاجم المتظاهرين في ميدان التحرير. وان النظام المصري، هو الذي القى بالقنابل والمتفجرات بينهم، وهو الذي قام بطعن المتظاهرين، وغير ذلك، من توقعات واماني ومخططات النظام الارهابي في ليبيا. طمعا في ان يثور الشعب المصري، وينتفض ضد نظامه. هكذا كان يفكر معمر القذافي، في ذلك الوقت، ويبدو انه مازال يفكر، بنفس النمط،  والى من يومنا هذا.

 

وعندما فطن النظام المصري، الى نوايا ومخططات واهداف، النظام الليبي، الساذجة، من وراء المسيرة المذكورة، اعترض النظام المصري، المسيرة، مستخدما احد القطارات، فانهى تلك المهزلة التاريخية، في اقل من لحظات.    

 

اعلن النظام الليبي، في هذه الايام، وكما ذكرنا، عن مسيرة صلح وسلام، تنطلق من طرابلس الى بنغازي، على غرار، المسيرة الدموية السابقة. مسيرة جديدة ظاهرها الرحمة، وباطنها الشر. كان النظام، ينوي القضاء على جميع المشاركين، في هذه المسيرة، او هذا الوفد، قبل وصوله الى مدينة بنغازي، اما عن طريق قنابل موقوتة، يزرعها النظام في وسائل النقل ( الباصات او السيارات)، التي تنقل المشاركين، او عن طريق  كمين مسلح، ينصبه النظام لهذه القافلة. ثم يعلن النظام، ان الثوار، من المنطقة الشرقية، هم الذين قاموا باعتراض مسيرة الصلح والسلام، وقتلوا المشاركين فيها. وذلك طمعا في شق الصف، وطمعا ايضا، في توحيد المناطق الغربية، ضد المناطق الشرقية، كخطوة اولى نحو الحرب الاهلية.   

 

وقد خان الخبثُ النظامَ، حتى في هذه المسرحية، السهلة الاخراج. فالنظام، يدعو، ظاهريا، الى الصلح، مع المناطق الشرقية، وكأن الصراع القائم في ليبيا، هو صراعا، بين المناطق الشرقية، والمناطق الغربية، وليس بين ميليشيات القذافي المسلحة، ومرتزقته، من جهة، والشعب الليبي، من جهة اخرى.

 

ليس ذلك فحسب، بل ان النظام، يتجاهل حصاره، وقصفه، لزوارة والزنتان والزاوية وتاجوراء وطرابلس ومصراتة، وغيرها من مدن ومناطق، غرب ليبيا الصامد. فاما ان النظام يعتقد ان العالم يعيش في كوكب اخر، او ان النظام نفسه، يعيش فعلا، في كوكب اخر. وكلا الامرين، مهزلة، ومصيبة وكارثة.

 

ويبدو ان واقعة السيدة الفاضلة، ايمان العبيدي، قد تزامنت مع وقت تنفيذ مسرحية المسيرة، فغطت الجريمة، التي تعرضت لها السيدة ايمان، على المسيرة، بل وقضت عليها نهائيا. ثم اعلن النظام، وببرود شديد، ان مسيرة صلح وسلام، تتكون من تسعة وعشرين شخصا، انطلقت من طرابلس الى بنغازي، فاعترضها الثوار، وقصفوا الحافلة، التي تقل المشاركين فيها، فاسفر القصف، كما ادعى النظام، على جرح بعض المشاركين، ولكن دون ان يموت احد. ولم يلق احد بالا لهذا الاعلان البارد.  

  

وشخصيا، لا اظن ان المسيرة انطلقت اصلا، فتصريحات النظام، بالتالي، لا اساس لها من الصحة، فقد مات هذا المخطط (مؤقتا على الاقل) وسط عاصفة السيدة الكريمة، ايمان العبيدي، كما ذكرنا اعلاه.

 

وهكذا..

 

قفز النظام، من حبوب الهلوسة، الى الحرب الاهلية. كما يقفز الجراد، دون سابق انذار. فنرجو ممن يستطيع، ان يمزج حبوب الهلوسة، والامبريالية، وتنظيم القاعدة، والامارات الاسلامية، ودعاة الانفصال، والحروب الصليبية، والحروب الاهلية، في طبخة واحدة، ان يمد لعقولنا العون. ولنا لهذا الامر، عودة، باذن الله.

 

كتبت في 1 ابريل 2011م

 

د. فتحي الفاضلي

__________________________

 

لزيارة صفحة الكاتب على الفيس بوك

 

www.facebook.com/fathilibya

 

لمراسلة الكاتب

 

fathifadhli@yahoo.com

 

fafdhli@hotmail.com

 

لزيارة   صفحة الكاتب

 

www.fathifadhli.com