صفحة الدكتور فتحي الفاضلي

 

 

البديل السياسي في

ليببيا و دولة ما بعد

الثورة

 

ثورة الكلمة

 

جذور الصراع في

ليبيا

 

المعارضة الليبية

 

التبعية


بسم الله الرحمن الرحيم

 

من ضحايا الارهاب: بعض من ضحايا الجيش (الجزء الاول) 

 

بضربة واحدة من جيشك البطل... ثم ماذا!!

 

الجيش الليبي، المؤسسة التي فتحت ابوابها لمعمر، فقبلته كطالب في الكلية العسكرية، وربته، وارسلته على حساب المجتمع، في دورة تدريبية الى بريطانيا، ومنحته رتبة ملازم، وتعرف فيها على خيرة جنود وضباط ليبيا، ونفذت انقلاب سبتمبر، الذي وصل عبره الى السلطة، ومنحته ما يريد، واخذ منها ما يريد، وزيادة، بما في ذلك ارواح خيرة جنود وضباط الجيش الليبي، قضى معمر عليهم، ليتربع على عرش الميكروفونات، يثرثر حول بطولاته الخارقة.

 

الجيش الليبي، المؤسسة التي لولاها، لما جلس معمر يتحدث ويتفيقه وينظر، على الشعب الليبي، يستقبل الرؤساء والوفود، ويشارك في مؤتمرات القمة العربية، ويتلاسن مع الرؤساء والملوك، ويجري اللقاءت عبر الفضائيات، وعبر غيرها من مختلف وسائل الاعلام. المؤسسة التي جعلته يتحكم في سلطة وثروة وسلاح ليبيا والليبيين. والمؤسسة التي غفرت له، عندما امر كتيبة كاملة، بالمشي على جندي، او امر بربطه في مؤخرة سيارة، مع اصدار الاوامر، لسائق السيارة بالتحرك، وجر الجندي معه، الى ان اشرف الرجل على الموت، وهي تصرفات (ان صح احداهما او كلاهما) تحتم الطرد من القوات المسلحة، ولكن بدلا من طرده، رحمه الجيش الليبي، الذي اسسه "العهد البائد"، وعاقبه عقوبة تافهة، تمثلت في تأخير ترقيته شهورا، تعد على اصابع اليد الواحدة.   

 

هذه المؤسسة، التي احترمت معمر، وقبلته كطالب، وعلمته، وربته، وارسلته مجانا، في بعثة الى الخارج، وكانت رحيمة به، وجعلت منه ضابطا، يضرب له الالاف التحية العسكرية- هذه المؤسسة - لم تنج، كغيرها من مؤسسات الوطن، من غدر، وارهاب السيد القائد، ونظامه البديع.  

 

فهل من المصادفة، على سبيل المثال، ان يموت خيرة جنود، وضباط،، وضباط صف، الجيش الليبي، وهم ايضا من اذكى واكفأ جنود وضباط الوطن العربي، هل من المصادفة ان يموت اغلبهم، ميتة غير طبيعية، اما بسبب انفجارات، هنا وهناك، او عبر جرائم قتل، او انقلابات، او حروب عبثية، او يموتون قتلا، او طعنا بالسكاكين، او في ظروف غامضة، او في حوادث غامضة، او اعداما في غيابات السجون. ومن لم يمت منهم تحت التعذيب، في معتقلات معمر، قضى في تلك المعتقلات، من السنين، ما يكفي ليخرج منها الانسان، شبه انسان.

 

ساسرد في هذا العرض، بعض احزان الجيش الليبي، وساروي قصص بعض ضحاياه. واقول "بعض ضحاياه"، لانه من المستحيل تقريبا، ان نحصر ضحايا القوات المسلحة الليبية، الذين قُتلوا على أيدي "ثوارنا" الافاضل. الثوار الذين لم ولن يسمع بهم احد، لولا الجيش. اقول من المستحيل حصر الضحايا من الجيش الليبي، طالما ان معمر يقود "الثورة". تلك "الثورة" التي مازالت بعد اربعين عاما مستمرة، وستظل مستمرة، تجر معها بلدنا الطيب الحنون، الى هوة لا قرار لها. وحتى لو تحولت ليبيا الى "قاعا صفصفا"، سيواصل السيد القائد مسيرته، لانه لا يسمع. 

ولنترك الثورة تواصل مسيرتها، الى ما لا نهاية، ونبدأ بسرد بعض احزان جيشنا، الذي اكلته الحروب والحوادث والانقلابات والمعتقلات والمؤامرات والاغتيالات. وسابدأ باول تهمة انقلاب، راح ضحيتها سجنا وقتلا وتعذيبا، مجموعة من خيرة ضباط ليبيا.

فبعد قيام “الثورة” بقليل وبالتحديد في السابع من ديسمبر من عام 1969م، اى بعد اقل من اربعة اشهر من انقلاب سبتمبر، اعلن عن اول محاولة انقلاب ضد انقلاب سبتمبر، اتهم بقيادتها كل من المقدم آدم سعيد الحواز، والمقدم موسى احمد الحاسي. وقد كان لكل منهما دورُ رئيسي في نجاح انقلاب سبتمبر، الذي انقلب بعد ذلك عليهم. وتذكر بعض المصادر ان الضباط الذين اشتركوا في هذه المحاولة قد تراوحوا، حسب اغلب المصادر، ما بين الثلاثين الى الستين ضابطا، بمختلف الرتب، بينهم بالاضافة الى المقدم احمد والمقدم آدم، العديد من النقباء والرواد. وجميعهم، او اغلبهم، ممن لعبوا ادوارا هامة، في انقلاب سبتمبر. وبينهم، كذلك، من ينتمي الى الضباط الوحدويين الاحرار. 

 

اعتقل على خلفية هذه المحاولة، خيرة ضباط القوات المسلحة الليبية، نذكر منهم المقدم آدم الحواز، والمقدم موسى احمد، والرائد الهادي بلقاسم الرابطي، والنقيب عمر محمد الواحدي، والنقيب عبد الونيس محمود الحاسي، والعميد سليم الحجاجي، والرائد محمد فرج التومي، والرائد آدم احمد الحاسي، والرائد محمد على الفيتوري، والملازم خليفة عبد الله الدرسي، والنقيب مفتاح احمد الشارف، واسماء عديدة اخرى. وتنتمي هذه المجموعة الى مدن ومناطق عديدة في ليبيا، من بينها سوسة وشحات وطرابلس وتوكرة وبنغازي والمرج. وبالطبع نالت هذه المجموعة، ما تيسر من كرم الثورة البيضاء، من قتل وسجن واعدام وتعذيب، والكثير، غير ذلك، من ابداعات ثورتنا.

 

دشن الاعلان عن تلك المحاولة، بداية انقضاض "الثورة" على صانعيها، او بداية التهام "الثورة" لابنائها. وهي كما نلاحظ بداية مبكرة جداً، من الصعب ارجاع اسبابها الى وقائع واحداث، جرت بعد الانقلاب، او جرت بدون سابق انذار او تخطيط،. بل من المرجح ان هناك مخطط سابق للتخلص من افضل رجال ليبيا، من المدنيين والعسكريين، في جميع القطاعات، وتصفيتهم لسبب قد لا يكون غامضاً لمدة طويلة.

  

شكل النظام، عقب تلك المحاولة، محكمة عسكرية، برئاسة الرائد محمد نجم، عضو مجلس قيادة الثورة، وعضوية كل من عبد الفتاح يونس، والملازم مفتاح رشيد. وكانت التهم الرئيسية التي وجهت الى هؤلاء الضباط، تهما ثورية ايضا، كالتأمر، والخيانة، وسرقة الثورة، وعرقلة مسيرتها، وغيرها من تهم لا تحصى ولا تعد.

اصدرت المحكمة احكامها على المتهمين في شهر مارس من عام 1970م، لكن هذه الاحكام لم ترق للاخ القائد، فامر بتشكيل محكمة ثانية، برئاسة النقيب سليمان شعيب، والتي اصدرت احكاما جديدة، في17 اكتوبر من عام 1970م. ويبدو ان الاحكام الجديدة قد دغدغت عواطف القائد، ربما لانها احتوت على شيء من الموت والدم والاعدام، فقد حكمت المحكمة على خمسة من الضباط (على الاقل) بالاعدام، بالاضافة الى مجموعة احكام بالسجن، لسنوات متفاوتة، يكفي بعضها، لتحويل الاحياء، الى اموات يتنفسون، او الى احياء ميتون.  

 

وسنتحدث في هذا الجزء، عن بعض ممن وردت اسمائهم في هذه المحاولة، وذلك حسب ما توفر عنهم من معلومات. نتحدث بعدها، عن ملابسات اخرى وراء هذه المحاولة وبين سطورها. وسنتحدث، في اجزاء قادمة، باذن الله، عن ضحايا اخرين من القوات المسلحة، اغتيلوا، او قتلوا، او عذبوا، في محاولات وحوادث وظروف اخرى، وما اكثرها في بلادنا.  

 

وسابدأ بالنقيب محمد فرج التومي، والذي يبدو لي (حتى الان)، انه اول من قُتل تحت التعذيب، على خلفية اشتراكه في المحاولة الاولى.

 

النقيب محمد فرج التومى..

ولد النقيب محمد فرج التومي بمدينة طرابلس عام 1946م، واكمل دراسته الثانوية في عام 1963م. التحق بعدها، وبالتحديد في 1964م، بالكلية العسكرية. وتخرج برتبة ملازم ثان، وذلك في التاسع من شهر اغسطس عام 1966م، اي قبل ثلاث سنوات تقريبا من انقلاب سبتمبر 1969م.

 

 

النقيب محمد فرج التومي

 

انضم النقيب التومي عام 1962م، الى حزب البعث العربي الاشتراكي، كما انضم الى تنظيم الضباط الوحدويين الاحرار، واشترك، كغيره من ضباط هذا التنظيم، في انقلاب سبتمبر. كان النقيب محمد التومي شجاعا كريما، وكان يتمتع بذكاء واخلاق عاليتين. وكان متفوقا في دراسته، ومتفوقا ايضا على دفعته، فقد ذكرت بعض المصادر انه كان "الثاني" على دفعته. 

 

اعتقل النقيب التومي، في الاسبوع الاول من شهر ديسمبر عام 1969م، في مدينة طرابلس، بتهمة الاشتراك في المحاولة الانقلابية، التي اتهم بقيادتها المقدم آدم الحواز، والمقدم موسى احمد. ومثل امام المحكمة العسكرية الاولى (برئاسة الرائد محمد نجم)، وحكمت عليه المحكمة في مارس من عام 1970م، بالسجن لمدة ثلاث سنوات. وعندما اعيدت المحكمة (برئاسة النقيب سليمان شعيب)، صدر ضده (في اكتوبر 1970م) حكما بالسجن لمدة ثلاثة عشر عاما.

 

تعرض النقيب التومي داخل السجن المركزي بطرابلس، الى اشد انواع القمع والتعذيب والعذاب، وظل قيد الاعتقال حتى استشهد داخل السجن في شهر مايو من عام 1976م، وذلك بعد ان كُسرت جمجمته، إما مباشرة تحت التعذيب، او عندما سقط من جراء التعذيب. وجاء في رواية اخرى، إنه استشهد في 20 مارس1976م (وليس في مايو 1976م). وكان الشهيد يقوم بتحريض السجناء، وبصورة مستمرة، على المطالبة باعلان برائتهم، والمطالبة بحريتهم.

 

وقد  تواترت التحليلات، على ان اسباب اعتقال وتصفية الشهيد، تعود الى عوامل عديدة، من بينها ثقافته، وجرائته، وانتمائه السياسي، ووطنيته، وذكائه، وتفوقه، ثم قوة تأثيره. ويكفي عامل واحد من هذه العوامل، لتحريك الغيرة والمخاوف في قلب السيد القائد، الذي يريد ان يخلق حوله بطانة من دمي، صم بكم عمي، لا يرون ولا يسمعون ولا يتكلمون ولا يفقهون. كما يروى، ان الرائد عبد السلام جلود، قال للمساجين، عندما زارهم، في السجن المركزي بطرابلس، ان الانتماء السياسي للتومي، هو السبب الرئيسي لاعتقاله.    

 

المقدم موسى احمد الحاسي..

ولد المقدم موسى احمد الحاسي، بمدينة سوسة، عام 1937م، التحق بالقوات المسلحة، وتولى فيها عدة مهام، من بينها معاون (نائب) آمر كتيبة المشاة الخامسة، ورئيس لجنة التجنيد الالزامي في محافظة البيضاء، كما قام ايضا، بمهام التدريس بالكلية العسكرية، ويعتبر من الوطنيين الشجعان المخلصين، كما يتصف بالمرؤة والكرم والوفاء.  

 


المقدم موسى احمد الحاسي

اشترك المقدم موسى في انقلاب سبتمبر، ولعب فيه دور غاية في الاهمية. فقد كان نائبا لآمر كتيبة المشاة الخامسة بمدينة درنة، وكانت مهمة هذه الكتيبة تتمثل في احتلال معسكر قرنادة الحصن الحصين للقوات المتحركة، العدو اللدود للقوات المسلحة الليبية، واليد اليمني للنظام الملكي، والقوى الوحيدة القادرة (عدة وعتاد)، على التصدي لتحركات الجيش.

انطلق المقدم موسى، ليلة الانقلاب، متوجها من مدينة درنة، الى معسكر قرنادة، واحتل المعسكر المذكور، وسيطر عليه. وكان المقدم  موسى قد نجح، قبل ذلك، في اقناع ابن عمه النقيب عبدالله شعيب الحاسى (احد ضباط معسكر قرنادة)، بالاشتراك في انقلاب سبتمبر، ولعب النقيب عبد الله، دورا فعالا هو الأخر، في تسهيل سقوط المعسكر المذكور. فقد كان يشغل مهمة "ضابط الخفر" في تلك الليلة، أي الآمر الناهي في شؤون المعسكر، في تلك الليلة، على الاقل.   

ويؤكد اغلب المراقبين العسكريين والسياسيين، ان نجاح انقلاب سبتمبر، في اجزاء كبيرة من ليبيا على الاقل، كان يتوقف على احتلال معسكر قرنادة، والسيطرة عليه. وفعلا كان الجميع، ينتظرون سقوطه، قبل المضي خطوة اخرى في تنفيذ الانقلاب. بل ويروى ان معمر، كان مختفيا في بنغازي، في مكان ما (يُرجح انه معسكر قاريونس)، تحت حماية المقدم آدم سعيد الحواز، آمر معسكر قاريونس، في تلك الليلة، ينتظر خبر سقوط قرنادة، ولو لم يسقط المعسكر، لما القى بيان الانقلاب. 

 

وبعد نجاح الانقلاب، عُين المقدم احمد موسى، كأول وزير للداخلية في العهد العسكري، وظل يشغل مهام هذه الوزارة، الى ان تم اعتقاله في الاسبوع الاول من شهر ديسمبر عام 1969م، بتهمة التخطيط  لقلب نظام الحكم، وتهمة التأمر على الثورة، والخيانة، وغير ذلك، كما ذكرنا، من تهم لا اول لها ولا اخر. 

 

مثل المقدم موسى احمد، امام المحكمة العسكرية الاولى (برئاسة الرائد محمد نجم)، والتي حكمت عليه بالسجن. ثم حكمت عليه المحكمة الثانية بالاعدام. لكنه بقى في السجن لمدة ثمانية عشر عاما، قضاها في السجن المركزي، صابرا محتسبا، ثم اطلق سراحه في الثاني من شهر مارس عام 1988م. ومن المعروف ان "الثاني من شهر مارس" هو ذكرى اعلان سلطة الشعب، وذكرى تغيير اسم ليبيا الوطن، الى اسم فوضوي سخيف هو "الجماهيرية".

 

وفي شهر ابريل من عام 2004م، وبالتحديد في الرابع والعشرين منه، قُتل المقدم موسى احمد الحاسي، طعنا بالسكاكين (حسب رواية نظامنا الآمن)، وذلك بعد ان هاجمت "مجموعة من الافارقة" الكرام، مزرعته في ضواحي مدينة طرابلس. ويرى المراقبون ان هناك ملابسات وجوانب وابعاد اخرى، وراء هذه الجريمة، اكبر مما نتصور، لم تتضح معالمها بعد. وان "الافارقة الكرام" ابرياء ،هذه المرة، من دم الرجل، براءة الذئب، من دم يوسف، عليه السلام.    

 

ويروى ان النظام في ليبيا رفض دفن المرحوم موسى احمد في مدينته، واصر على دفنه في مدينة طرابلس. وربما يعود ذلك الى خوف النظام، من ان يصبح موسى احمد، رمزا، وعندما يمر ابنا بلدته ا و لبناء قبيلته، على قبره، يذكرهم بجحود قادة النظام في ليبيا، ونكرانهم للجميل. ويذكرهم ايضا بوفاء واخلاص وشجاعة الرجل، بل قد يثير فيهم ايضا، دوافع الانتقام، او المطالبة بالقصاص. تماما كما حدث للشهيد محمد مصطفى رمضان، والشهداء الذين رفض النظام دفنهم على تراب الوطن، وكما حدث ايضا لرفات شيخ الشهداء عمر المختار، وكما حدث للشهيد الشيخ محمد البشتي، الذي اعلن النظام، حديثا، ان قبره مازال مجهولا، حتى يومنا هذا. 

 

المقدم آدم سعيد الحواز..

ولد المقدم آدم سعيد الحواز عام 1939م، بمدينة المرج. والتحق بالكلية العسكرية بالعراق.  استلم عدة مهام في الجيش الليبي، كما قام بنشاطات عديدة تتعلق بمجال عمله، فقد كان آمرا لمنظومة مخابرة الجيش، ومشرفا على اعداد منظومة اتصالات للجيش الليبي، وكان آمرا لسرية المخابرة، بمعسكر قاريونس، وآمرا لمعسكر قاريونس ليلة انقلاب سبتمبر 1969م. تلقى دورتين عسكريتين في الولايات المتحدة الامريكية، خلال الاعوام 1964 و 1965م.  كتب ونشر عدة مقالات، تناولت قضايا عسكرية وسياسية وحركية هامة، كما ترجم العديد من الاعمال التي تتعلق بمجال المخابرة.

 

 

المقدم آدم سعيد الحواز

 

وكان المقدم آدم سعيد الحواز يتمتع باحترام ومحبة وتقديرالجميع، وكان رجلا طيبا مهذبا، على درجة عالية من الثقة بالنفس والاخلاق والذكاء، وكان يحمل صفات قيادية عديدة، وهو ايضا مثقف وقاريء وكاتب جيد، يتمتع بطاقة عملية هائلة، ظهرت على الرجل في جميع المهام التي كٌلف بها، قبل وبعد الانقلاب.

 

كان ليلة انقلاب سبتمير، كما ذُكر سابقا، آمرا لمعسكر قاريونس، وهو المعسكر الذي اتجهت منه القوات للتمركز، او للتجمع في الاذاعة، بالاضافة الى التمركز، في مناطق ومواقع اخرى من مدينة بنغازي.  

 

اصبح المقدم آدم، بعد نجاح الانقلاب، ناطقا ومتحدثا رسميا باسم الانقلاب. كما كان أول من استقبل الوفود التي تقاطرت على ليبيا، في الايام الاولى للانقلاب، للتعرف على اتجاهات ونوايا وهوية الانقلابيين. وكان من بين الوفود التي استقبلها، وتحدث او تفاوض معها، الوفد السوداني، والوفد العراقي (في5 سبتمبر 1969م)، ومن المعلوم ان العراق هي اول دولة اعترفت بانقلاب سبتمبر. والوفد المصري، الذي ضم محمد حسنين هيكل، وضابط مخابرات يسمى فتحي الديب. كما قابل الرئيس ابومدين (في 9/9/1969م). وكان المقدم آدم الحواز ضمن اول وفد ليبي، يقوم بزيارة القاهرة، ويقابل الرئيس جمال عبد الناصر (في 14 نوفمبر 1969م).

 

 

 

جزء من اول وفد ليبي يزور مصر بعد الانقلاب، من اليمين آدم الحواز

(وزير الدفاع)، المرحوم صالح بويصير( وزير الوحدة والخارجية)،

ويتوسط الصورة الرئيس جمال عبد الناصر (المصدر منتديات المحلة).

 

كان المقدم آدم الحواز، بالاضافة الى ما سبق، يقوم بمهمة الاتصال، مع قناصل امريكا وبريطانيا وروسيا. وكان اول من علم بنية اعتراف بريطانيا وامريكا بانقلاب سبتمبر، وكان يخوض مع هذه الوفود والقناصل، في قضايا هامة كالقواعد العسكرية، واتفاقيات التسلح على سبيل المثال. كما عٌين المقدم آدم الحواز، فوق كل ذلك، وزيرا للدفاع، ضمن تشكيلة اول وزارة، في العهد العسكري. 

 

وفي السابع من ديسمبر عام 1969م، اُعتقل المقدم الحواز، بتهمة التآمر والخيانة والتخطيط لقلب نظام الحكم. وحكمت عليه المحكمة الاولى بالسجن، ثم حكمت عليه المحكمة الثانية بالاعدام. ولم يتأكد تنفيذ حكم الاعدام حتى يومنا هذا. وتقول بعض الروايات، انه اعدم سرا داخل السجن، اثناء او بعد احداث مايو 1984م بقليل، كما تقول رواية اخرى، انه اُعدم قبيل افراجات مارس 1988م. ولكن لا يوجد ما يؤكد اي من الروايتين. ولذلك فان المقدم آدم سعيد الحواز يعتبر رسميا من الاحياء، ويعتبر النظام مسؤلا عن حياته، وتوضيح حالته. فليبيا، وليست فقط عائلته الكريمة، تحتاج الى توضيح دقيق حول مصيره، الذي ظل مجهولا حتى يومنا هذا.

 

ويروى عن المقدم آدم الحواز، انه رفض، اثناء فترة سجنه، التوقيع على طلب استرحام، يفترض ان يتقدم به الى معمر، مقابل اطلاق سراحه، مما اغضب الاخير، فامر بزيادة عذابات الرجل، الذي قام بحماية معمر ليلة الانقلاب في معسكر قاريونس. 

 

النقيب عمر محمد الواحدي... 

اثناء حرب 1976م، او حرب الايام الستة، او حرب حزيران، التي اعتدت فيها اسرائيل على مصر وسوريا والاردن، قام النقيب عمر محمد الواحدي (من الدفعة السادسة، وينتمي الى صنف الدروع)، والملازم خليفة عبد الله الدرسي (ضابط مشاة، من الدفعة الخامسة)، والنقيب حسين زايد الكاديكي (آمر فصيل مخابرة، من الدفعة السادسة مشاة)، والعميد سليم الحجاجي (في حادث منفصل، وفي في فترة مختلفة، ولكن على خلفية حرب الايام الستة ايضا) قاموا (عندما كانوا ملازمين) باقتحام الحدود الليبية، والاتجاه بقوة مدرعة، من الجيش الليبي، واجتازوا الحدود المصرية، بغرض الاشتراك بجانب الجيش المصري، في الحرب الدائرة ضد اسرائيل. وقد رحبت مصر بهذه الخطوة، وبعد نهاية الحرب، بقى الضباط الليبيين في مصر، حتى انقلاب سبتمبر 1969م، عادوا بعدها والتحقوا بالجيش الليبي. 

 

ولازلت اذكر هذه الواقعة جيدا، واذكر تداعياتها، وترحيب الشارع الليبي بها. وكان الشعب ينظر الى هذه المجموعة كابطال مغاوير، رفعوا رأس الجيش الليبي. ولا ادري اين كان معمر في ذلك الوقت، ولماذا لم يصاحبهم، او على الاقل لم يقم بعمل بطولي مثلهم. واذا اعتبر معمر، ان المظاهرة، التي اشترك فيها في 1965م (تقريبا)، عملا بطوليا خارقا خطيرا، فماذا عن مثل هذا العمل؟.

 

 

الملازم عمر محمد الواحدي

 

وفي ديسمبر من عام 1969م، اعتقل النقيب عمر الواحدي، مع المقدم آدم والمقدم موسى، بتهمة الاشتراك في محاولة الانقلاب، موضوع حديثنا. وحكمت عليه المحكمة الاولى بالسجن، وحكمت عليه المحكمة الثانية بالاعدام. وبقى في السجن، الى ان اشيع انه اعدم او قتل داخل السجن، مع المقدم آدم الحواز، اما بعد احداث 1984م او قبيل افراجات 1988م، ولم يُسمع بهذا الخبر، الا بعد ان تم الافراج عن باقي المعتقلين، في 1988م، ولم يكن الواحدي والحواز ضمن المفرج عنهم. كما لم يتأكد خبر الاعدام حتى يومنا هذا. فالواحدي  يعتبر رسميا من الاحياء، ويعتبر النظام مسؤلا عن حياته، وتوضيح مصيره.

 

الملازم اول  خليفة عبد الله الدرسي..

ضابط مشاة، من الدفعة الخامسة، اتهم بالاشتراك في محاولة آدم الحواز وموسى احمد. اعتقل في ديسمبر 1969م، وحكمت عليه المحكمة بالسجن. افرج عنه في 1987م او في مارس 1988م، اي بعد ما يقارب من سبعة عشر عاما.

 

الرائد الهادي بلقاسم الرابطي..

اتهم بالاشتراك في نفس المحاولة. اعتقل في ديسمبر 1969م. وحكمت عليه المحكمة الثانية بالاعدام. سجن لمدة ثمانية عشر عاما تقريبا. واطلق سراحه في مارس 1988م.

 

النقيب طيار مفتاح احمد الشارف الفرجاني..

في حادثة مماثلة لعملية اجتياز الحدود الليبية، اقلع الطيار مفتاح الشارف الفرجاني، والنقيب طيار فتحي بن طاهر، الى الجزائر، بطائرة تابعة للقوات الجوية الليبية، ذكر احد المصادر انها كانت طائرة نقل، بينما ذكر مصدر اخر انها طائرة مقاتلة، وطلبا من السلطات الجزائرية، مساعدتهما في التوجه الى مصر، للاشتراك في حرب يونيو 1967م، او للتعبير عن تضامنهما مع الجيش المصري. ولم تستجب الجزائر الى طلبهما، فاعيدا الى ليبيا. وفي شهر ديسمبر 1969م، اعتقل النقيب مفتاح الشارف، بتهمة الاشتراك في محاولة آدم الحواز وموسى احمد. وسجن لمدة ثمانية عشر عاما، ثم افرج عنه في مارس 1988م.

 

النقيب عبد  الونيس محمود الحاسي..

من مدينة شحات، اعتقل بتهمة الاشتراك في محاولة آدم الحواز وموسى احمد. اعتقل في ديسمبر 1969م. حكمت عليه المحكمة الثانية بالاعدام. سجن لمدة ثمانية عشر عاما. افرج عنه في مارس 1988م. وغادر ليبيا الى المهجر في 14 سبتمبر 1988م.

 

له مساهمات ممتازة صوتية وكتابة، خاصة فيما يتعلق بامور القوات المسلحة، وفي بداية الانقلاب بالذات. وتعتبر مساهماته في هذا المجال، ثروة من الناحية التوثيقية. فقد جاءت من شاهد عيان، عاش الحدث ساعة بساعة. ومن امثلة مساهماته على المواقع الليبية، مقالات هامة عديدة، منها على سبيل المثال، "وداعا.. يا موسى"، (يقصد موسى احمد) من سبع حلقات، نشرت على المواقع الليبية، في صيف 2005م، و"اول محاولة اغتيال بعد الانقلاب"، من ثلاث حلقات نشرت في مارس 200م، و"العقيد ركن عبد العزيز الشلحي.. لماذا فشل في إحباط إنقلاب سبتمبر؟!"، من ست حلقات نشرت في ابريل 2009م.    

 

لم يتحدث النقيب عبد الونيس بالتفصيل، عن تجربته في سجن الحصان الاسود. ولكن فقرة  وردت في احدى مقالاته بعنوان "حقوقنا الضائعة"، ذكر فيه جانب  من تداعيات المحنة، يقول النقيب عبد الونيس الحاسي في تلك الفقرة:

 

"ما من مرة تناهى فيها إلى سمعي، وأنا بداخل سجن الحصان الأسود، على مدى أكثر من ثمانية عشر عاما، بأن والدتي، قد تجشمت متاعب طريق صحراوي طوله 1270 كيلومترا، من شحات إلى طرابلس، ثم انتظرت كالمتسوّلة عدة أيام أمام باب السجن، دون أن يسمحوا لها بزيارتي، أو حتى مجرد الإقتراب من الباب، ثم عادت أدراجها حزينة، وهي كسيرة القلب، دامعة العينين، إلاّ وراودني شعور بالذنب على نحو بالغ القسوة، لأنني سبب عذابها ومعاناتها...!!؟ ولكنني، ما أن أتذكر عبارة روسو التي يقول فيها "إنها حرية الملايين يا سيدتي.. وليست حرّية إبنك وحده"، حتى يندفع إلى أعماقي على الفور، عزم هائل المدد، يمنحني القوة والصبر والصمود، ولأنني على حق، والطاغية القذافي على باطل.

 

العميد سليم الحجاجي..

ولد  الملازم سليم الحجاجي بمدينة المرج عام 1947م. والتحق بالكلية العسكرية الليبية في 1964م، وتخرج منها برتبة ملازم في عام 1966م. تم تعيينه كضابط بسلاح المدرعات. اقتحم في عام 1976م، الحدود الليبية بمدرعته، مع مجموعة من الضباط، متجها الى  جبهة القتال، ليشارك في الحرب الدائرة بين اسرائيل ومصر. عاد الى ليبيا بعد انقلاب سبتمبر 1969م.

 

 

 

  العميد سليم الحجاجي

 

لم يُتهم الملازم الحجاجي بالمشاركة في انقلاب الحواز وموسى احمد. ولكنه استدعي يوما ليشهد ضد النقيب عمر الواحدي، والنقيب عبد الونيس محمود الحاسي، فرفض. جرى ذلك، وكما يروي النقيب عبد الونيس محمود، خلال المحكمة العسكرية الأولى، برئاسة الرائد محمد نجم. وعندما رفض الحجاجي، ان يشهد ضد رفاق السلاح، تم تحويله من شاهد إلى متهم. وحكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة ثلاث سنوات.

 

اطلق سراح الحجاجي بعد سنتين، فلجأ الى العراقي، والتحق بالجيش العراقي، كما اشترك في الحرب العراقية الايرانية، وتلقى دورات في مصر وبريطانيا والعراق (لا ادري على وجه التحديد بعد او قبل اللجوء الى العراق). ثم حصل على شهادة الماجستير في العلوم العسكرية، من كلية الاركان العراقية عام 1987م، وتدرج في الرتب العسكرية حتى صل الى رتبة عميد. وربما تقاعد بعد ذلك.

وهكذا..

 

تناولنا في هذا الجزء، نبذة مختصرة عن نخبة من ضحايا القوات المسلحة، وتناولنا شيء مما تعرضوا له من تعسف وظلم ونكران جميل ومعاناة. ونسأل الله سبحانه وتعالى، ان يتغمد الشهداء برحمته، وان يدخلهم فسيح جناته، وان يلهم اهلهم وذويهم، والوطن، الصبر والسلوان. كما نؤكد على ضرورة السعي، من قبل الجميع، الى كشف الحقائق، وترسيخ العدل، ورد المظالم ، واحقاق الحق، والقصاص.

 

ما بين سطور الحدث..

انظروا ماذا يقول معمر عن آدم الحواز، بالرغم من كل ما قام به الاخير، قبل وبعد الانقلاب. يقول في محاولة للتقليل من قيمته:

 

"وحكيت في الحلقة الخامسة (من قصة الثورة) وقلت أحضروه من بيته (اي آدم الحواز) وجاء في بدلة النوم، وقلنا له اذهب وألبس ثيابك، وكان خائفا، وقال "لا"، وقلنا له "لا تخف، نحن الذين عيناك، ونحن الذين أحضرناك من بيتك، ولا تخف لن نقبض عليك، اذهب واستبدل ملابس النوم، وارتدِ بدلة عسكرية وتعال، وكانت رتبته مقدماً".

 

ويواصل الاخ القائد متحدثا عن آدم الحواز، قائلا: "كان يدرس اللاسلكي في أمريكا فيعرف لغة إنجليزية، فقلنا له عندما يأتي الصحفيون كلّمهم، أي سؤال أجبهم عليه"، قال (اي آدم الحواز) "أنا خائف، وربما يحدث لي شيء".. قلنا له " لا تخف، نحن الذين عينّاك". ويقول عنه ايضا، انه "فني لتصليح محطات اللاسلكي"، و"اريد ان اسند اليه عمل في ورشة اللاسلكي" او "وظيفة في المخابرة". ويضيف ايضا: "ومن ناحية شكلية عيناه وزيرا للدفاع"، و"لكنه ليس ثوريا ولا يعرف الثورة، وليس مسيّسا أصلا"، وهو "رجل طيب (يقصد ساذج) ونعرفه"، و"مؤهلاته لا تمكنه من فهم السياسة والثورة والأيدولوجية"، و"كنا مشغولين فكلفناه بمقابلة السفراء والوفود"، و"ان رجلا اخر يكتب للحواز والحواز يدفع له".

وغير ذلك من المحاولات الطفولية لتشويه صورة آدم الحواز (وبالطبع لم ينج موسى احمد ايضا)، وكل ذلك لان الناس بدأت تنظر الى آدم الحواز، كقائد للانقلاب، فقد خطف الاضواء من معمر، وكان يحمل اعلى رتبة بين الضباط الذين قاموا بالانقلاب (بجانب المقدم موسى احمد)، بالاضافة الى ثقافته، وموهبة الكتابة التي يتمتع بها، والمقدرة على الترجمة، ناهيك عن الدورات التي تلقاها الرجل. اضف الى كل ذلك، ان معمر ومحمد المقريف والخروبي وغيرهم من اعضاء مجلس قيادة الثورة، ومن الضباط، كانوا يعملون تحت امرة المقدم آدم الحواز.

هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى، لو صح معشار، ما ذكره معمر في حق آدم الحواز، فكيف تقوم الثورة العظيمة البيضاء الغراء، بتعيين "رجل خواف"، غير مسيس، لا يفقه في الثورة،  والايديولوجية، توقضه الثورة من نومه، وهو في شبشب، لا يدري على شيء، ليتم تعيينه، فجأة، وبدون سابق انذار، وزيرا للدفاع، وناطقا رسميا باسم الثورة، يقابل الرؤساء والوفود، في احرج وادق ايام الانقلاب، ويمثل ليبيا كوزير للدفاع، ويقابل ابو مدين،وعبد الناصر، قبل ان يراهم معمر، ويتحدث مع قناصل امريكا وبريطانا وروسيا، اصحاب القواعد العسكرية على ارض ليبيا، والتي يفترض انها الخطر الداهم على الثورة. 

ان الحقيقة تقول ان المقدم آدم الحواز والمقدم موسى احمد، كانوا هم ايضا ممن يطمحون الى تغيير الاوضاع، من اجل اصلاح امور الجيش بالذات، وكانوا على علم بمخطط وتوقيت تنظيم الضباط الاحرار. لقد كان المقدم آدم الحواز، على علم ودراية بتحركاتهم واتصالاتهم ومحادثاتهم. وقد فاتحوا بعضهم البعض. وترجح جميع الدوائر، ان هناك تنسيق وتعاون واتفاق مسبق بين الحواز وموسى من جهة، وتنظيم الضباط الاحرار، من جهة اخرى. بل ان استلام وزارتي الدفاع والداخلية، كان احد الشروط الاساسية، لاشتراك آدم وموسى، في الانقلاب، وذلك لتأمين امور عديدة، قد نتحدث عنها في وقت لاحق.

ماذا حدث بعد ذلك..

هناك، في الواقع، بوادر خلافات بدأت تظهر على السطح، مبكرا، بين مجموعة آدم الحواز والمجموعات الاخرى، وكان من مظاهر هذا الصراع او التنافس او الخلاف، استثناء وزير الدفاع ووزير الداخلية من عضوية مجلس قيادة الثورة، بالرغم مما قاموا به لانجاح الانقلاب. بالاضافة الى تسرب بعض الاخبار التي تتحدث عن تشكيل وزارة جديدة، لن يكون آدم الحواز من ضمنها، كما سيعفى موسى احمد من مهام وزير الداخلية، ويعين بدلا من ذلك وزيرا للزراعة. كما ان مجموعة آدم الحواز، وضباط غيرهم كثيرون، من مختلف قطاعات القوات المسلحة الليبية، بدأوا يتحدثون عن "شكل النظام"، وعن "الرئيس"، و"الحكومة"، و"السيادة"، و"السلطة"، و"الشرعية"، و"الدولة"، وغير ذلك من امور، تمس قوة وسلطة ومكانة معمر ومجموعته، التي تمثلت في اعضاء مجلس قيادة الثورة. بل ان الاعلان عن تشكيل مجلس قيادة الثورة، جاء ليقطع الطريق، امام الخوض في مثل تلك الامور. وبيت القصيد، ان آدم الحواز ومجموعته، بدأوا يشكون في نية المجموعة الاخرى.

واكاد ان اجزم، من خلال مئات المقالات والمحاضرات والندوات، التي نُظمت او كتبت، حول هذه القضية، ان هذا الصراع والتنافس والخلاف، قد قامت المخابرات المصرية، بتوسيع رقعته، وتغذيته وربما ايضا غرس بذرته الاولى وصناعته. لقد رأى عبد الناصر، لسبب او لأخر، ان استمرار المقدم آدم الحواز وموسى احمد ومجموعتهم، في مواقع القوة، لن تصب في صالح مصر. وان قوى اخرى، قد تدعمهم لصالحها. وان دعم مصر لمجموعة معمر، سيكفل مصالح مصر. لذلك نشط صلاح السعدني (اول سفير لمصر في ليبيا في العهد العسكري)، كما نشط فتحي الديب (من المخابرات المصرية)، وقد كان ضمن اول وفد مصري يزور ليبيا، مع محمد حسنين هيكل، لكن فتحي الديب، لم يغادر ليبيا، الا بعد ان خربها. وللاسف فقد اتخذه معمر، في بداية الانقلاب مستشارا له. نشط (فتحي الديب وصلاح السعدني) في تجميع وربط بل وتلفيق او تضخيم، ما تيسر من معلومات عن "انقلاب مضاد للثورة" وعن "سرقة الثورة" و"انقلاب ضد الانقلاب" و"مؤامرة ضد الثورة"، و"قتل معمر"، و"محاكمة معمر"، و"الخيانة والتأمر"، و"عرقلة مسيرة الثورة"، وغير ذلك من مصطلحات، امتلأت بها ادراج المخابرات المصرية، وادراج الدول اليسارية، والاشتراكية. 

بل حتى الهتافات والمظاهرات التي انطلقت في ليبيا، بعد المحاكمة الاولى بالذات، والتي اصدرت احكاما خفيفة نسبيا على المتهمين، تلك الهتافات لم تكن من ثقافتنا او اخلاقنا او عاداتنا (في ذلك الوقت على الاقل)، لقد كانت الهتافات دخيلة علينا، وعلى تاريخ الشعب الليبي، وثقافته وعاداته وتقاليده. كانت تلك الهتافات تقول "الشعب ايطالب بالاعدام". شعبنا كان لا يعرف هذه الهتافات القذرة، خاصة وان المتهمين لم يقتلوا او يؤذوا احد. هي اذا مظاهرات، وهتافات، ومسيرات من صنع مخابرات اخرى. بل اذكر جيدا، في هذا الصدد، عندما كنت طالبا في مدرسة شهداء يناير، اذكر ان المدرسة خرجت برمتها، طلبة واساتذة، في  مسيرة تأييد، لا اذكر بالتحديد مناسبتها، ولعلها كانت مسيرة، على خلفية هذه المحاولة، وكان احد المدرسين المصريين، محمولا على الاعناق، وكان يصيح باعلى صوته، والرذاذ يتطاير من فمه، وهو يتمايل، فوق اعناق الجماهير، يمينا ويسارا، وكأنه في "حفلة زار"، او "حضرة"، وكان يهتف قائلا:"الشعب.. الشعب.. الشعب.. الشعب"، (اربع مرات) وكنا نردد ورائه، بدون وعي، اربع مرات:" الشعب.. الشعب.. الشعب.. الشعب" ثم يهتف بتجلي،  "الحرية.. الحرية" ونردد بعده "الحرية.. الحرية"، فهلك، منذ ذلك اليوم، الشعب، وضاعت الدولة، وضاعت الحرية. لقد صدرت المخابرات المصرية الى ليبيا، في بداية الثورة، جميع العوامل التي دمرت مصر،  جيشا وشعبا. 

وعودة الى موضوعنا، فاية هدية تقدمها المخابرات المصرية، لمعمر، ولمجلس قيادة الثورة، اثمن من "اكتشاف خيوط مؤامرات خطيرة لسرقة الثورة". وهكذا قدم عبد الناصر، تقرير مخابراته النهائي، لمعمر. لقد بدأ القبض على  بعض المتهمين في هذه المحاولة، في الرابع من ديسمبر من عام 1969م، (النقيب فرج التومي على سبيل المثال، قبض عليه في طرابلس في الرابع من ديسمبر)، وبعضهم في السابع منه. لقد كان معمر في الرابع من ديسمبر، في مطار الماظة في القاهرة (انظر الصورة المرفقة)، متجها الى ليبيا. ومن خلال نظرة سريعة الى الصورة، نرى التظاهر بالجدية والتجهم على وجه "الزعيمين"، بل نرى التشابه المقصود في الملابس والنضارات والوان البدلة، مما يدل على ان الزعيمين يريدا ان يقولا:  "اننا معا ضد الاخرين"، فهل قدم عبد الناصر تقرير مخابراته حول " مؤامرة الخيانة والتأمر " اثناء تلك الزيارة!!!، فضاع وقُتل واُعدم وشُرد واعتقل العشرات من ابناء ليبيا، من اجل مصلحة عبد الناصر.

 

معمر يغادر القاهرة في 4 ديسمبر 1969م. متجها الى ليبيا، يودعه عبد الناصر

(المصدر منتديات المحلة).  

واخيرا..

جروح عديدة عميقة مؤلمة خلفتها هذه الاحداث، يأتي على رأسها، الغدر والقسوة والانانية ونكران الجميل. فكم يحز في النفس، ان الضباط الشجعان الذين ضحوا بكل شيء تقريبا، ارواحهم ومستقبلهم وعائلاتهم واوطانهم ورتبهم ووظائفهم واعمالهم، واقتحموا الحدود اثناء الحرب بين مصر واسرائيل، ليقاتلوا بجانب اخوانهم في العروبة والاسلام، ويدافعوا عن مصر، ويموتوا من اجلها، يحز في النفس، ان هذه النخبة من الابطال، توشي بها، المخابرات المصرية، نفس مخابرات الدولة التي ذهبوا ليموتوا من اجلها. فهل نسى فتحي الديب، وهو يخط ويضخم وشاياته الكاذبة، عن ابناء بلادنا، ويضرب ابناء ليبيا بعضهم ببعض، هل نسى ان بعض من وشى بهم، ظلما وعدوانا، قاموا يوما باختراق الحدود الليبية ليموتوا من اجل مصر، لا اظن انه نسى، بل هل نسى هيكل ذلك، وهل نسى عبد الناصر ذلك. لا اظن، فما الذي جرى ويجري، لامتنا العربية، اذا، وما الذي جرى ويجري لامتنا الاسلامية. اننا، وبكل بساطة، وبدون مبالغة، في حاجة الى اعادة تشكيل كل شيء. ولهذا الامر بقية، ان اراد الله ذلك.

والى  اللقاء، مع الجزء الثاني، من ضحايا القوات المسلحة، نتحدث فيه باذن الله، عن نخبة اخرى، من ضحايا الجيش الليبي. والله ولي التوفيق. 

 

كتبت في 7 ابريل 2011م

 

د. فتحي الفاضلي

____________________

لمراسلة الكاتب

fathifadhli@yahoo.com

 

ffadhli@yahoo.com

 

لزيارة موقع الكاتب

www.fathifadhli.com

 

 

المراجع

1.                 الوطن تفتح ملف الجيش.. هل ينضم الجيش الى نضال الشعب/ مجلة الوطن/ مارس 1981م/ السنة الاولى/ العدد 3 / ص 8-11.

2.                 ماذا وراء حل الجيش/صوت الطليعة/ العدد 10/ السنة الثالثة/ جمادى الثانية 1403 هـ / مارس 1983م/ ص 14-17.

3.                 الجيش الليبي.. قوة منظمة اراد القذافي تفتيتها/ صوت الطليعة/ العدد 15/ ربيع الاول 1405 هـ/ ديسمبر 1984م/ص 20-23.

4.                 المقدم آدم الحواز/ شخصية العدد/ الانقاذ / العدد الثاني/ 5 محرم 1403 هـ/ نوفمبر 1982م/ ص 20.

5.                 انتهاكات حقوق وحريات الانسان الليبي في ظل النظام الانقلابي/سبتمبر 1969-ديسمبر 1998م/ الجزء الاول/ الحقوق القضائية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية/  من اصدارات الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا(1419-1999م)/ ملحق رقم 1/ ص 273.

6.                 من سجل الشهداء/ الشهيد محمد فرج التومي/ السنة الاولى/ العدد الرابع/ شوال 1401 هـ/ اغسطس 1981م/ ص 16-17.

7.                 وداعا.. يا موسى/ عبد الونيس محمود الحاسي/ سلسلة من سبع حلقات/ مايو- يونيو 2005م/ موقع ليبيا المستقبل/ موقع الطليعة.

8.                 اول محاولة اغتيال بعد الانقلاب/ عبد الونيس محمود الحاسي/من ثلاث حلقات/ مارس 2008م/ موقع ليبيا المستقبل/ موقع صوت الطليعة.

9.                 العقيد ركن عبد العزيز الشلحي/ لماذا فشل في إحباط إنقلاب سبتمبر/عبد الونيس محمود الحاسي/من ست حلقات/ ابريل 2009/ موقع صوت الطليعة.

10.              أسباب هزيمة القوات الليبية في تشاد/ العميد الركن سليم الحجاجي/الدستور/ 19 ديسمبر 1988/ ص 28-29.

11.             حقوق الانسان في ليبيا/الانقاذ/ السنة العاشرة/ العدد 37 /عدد خاص/ربيع الاول 1412 هـ / سبتمبر 1991م .

12.             من خفايا واسرار انقلاب سبتمبر.. من هم الذين قاموا بانقلاب سبتمبر؟/ امحمد بوبكر الشامخ / الانقاذ / العدد 47/ سبتمبر 1998م/ ص 39-110.  

13.             القصة الكاملة لحركة الضباط الوحدويين الأحرار في سبتمبر 1969م/خفايا وأسرار/ مفتاح فرج / موقع اخبار ليبيا / 31 أغسطس 2006

14.             الانقلاب رقم 37.. والبقية تأتي:انقلاب سبتمبر.. التجربة والمضامين/مجلة لوطن/ عدد خاص/ يونيو 1983م / ص 11-14.

15.             الجيش.. الانقلابات العسكرية.. والحركة الوطنية/مجلة الوطن/عدد خاص/ يونيو 1983م / ص 6-11.

16.             نص مداخلة عبد الونيس محمود الحاسي بندوة غرفة ليبيا الوطن/ يوم 9 أغسطس 2009/ وتوجد الندوة تسجيلا بموقع (ليبيا المستقبل).

17.             من سجون النظام.. تقرير اخباري.. حياة المعتقلين في خطر/مجلة الوطن/السنة الاولى/ العدد 2/ مارس 1981م/ ص 27.

18.              حدث في ليبيا/ الليبية/ موقع ليبيا المستقبل/ 4 مارس 2009م.