![]() |
|
صفحة الدكتور فتحي الفاضلي |
|
البديل السياسي في ليببيا و دولة ما بعد الثورة
ثورة الكلمة
جذور الصراع في ليبيا
المعارضة الليبية
التبعية |
بسم الله الرحمن الرحيمالبديل السياسي في ليبيا.. ودولة ما بعد "الثورة"
25- مسيرة المعارضة الليبية...
يتحدث هذا الجزء من كتاب البديل السياسي، وباختصار شديد، عن مسيرة المعارضة الليبية عبر اربعة عقود. فكيف كانت مسيرة المقاومة والرفض والمعارضة في ليبيا؟ وهل كانت المعارضة تتحرك بدقة، وتتكيف مع المتغيرات، والتطورات، التي مر بها النظام، ام ان استراتيجية المقاومة، كانت استراتيجية ارتجالية، لا تأخذ في الاعتبار، ما يدور حولها، من تطورات ومتغيرات ومستجدات؟
لقد كان النظام يسعى، منذ البداية، الى تغيير موازين القوى في ليبيا، عبر قلب المجتمع الليبي رأساً على عقب، واحلال محله ةمجتمع جديد يتميز بمعايير وقوى وموازين وخصائص جديدة، يصنعها ويتحكم فيها النظام الجديد بنفسه. وذلك لكي يحكم سيطرته على مقاليد الامور. ومن بعض مظاهر ذلك، كما قد يدرك القاريء الكريم، طمس وتغيير ومحاربة عادات وتقاليد وتوجهات وثقافة وقيم واعراف الشعب الليبي، وخاصة تلك المستمدة من عقيدته، بل وخاصة تلك التي قد يلتف حولها الشعب الليبي، فتوحده ولو معنويا.
وقد كان في مقدور النظام الليبي، بدلاً من هذا الخيار، (خيار تغيير المجتمع)، ان يسيطر على مقاليد الامور في ليبيا، ايجابيا، عبر بناء الوطن، وعبر احلال الامن والحرية والامان، وعبر اتاحة الفرص للناس لتحقيق طموحاتهم واهدافهم المشروعة العلمية والمالية والسياسية والاجتماعية، عندها سيسيطر النظام على ليبيا، دون ان يحتاج الى تدمير الدولة او المجتمع.
كان خطأ النظام (بجانب خطئه في اختيار مبدأ تغيير المجتمع اصلا)، انه تبنى منهج العنف، من اجل تحقيق طموحه هذا، وكرد فعل بشري طبيعي، لم تتقبل نفوس الناس ذلك، فكانت المقاومة، وكان الرفض والتصادم والمعارضة.
واختلفت اشكال وصور وانماط المقاومة، او المعارضة، واختلفت ايضا دوافعها واساليبها، فكانت اغلب هذه الدوافع والاساليب، تتبدل وتتغير وتتعدل من جيل الى اخر، وكانت تتطور ايضا مع تطور الساحة الليبية سياسياً واجتماعياً وعسكرياً. وكان لكل جيل اسباب ورؤى ودوافع خاصة به دفعته لمقاومة النظام، بالاضافة الى مشتركات عامة هامة فرضت نفسها على كل جيل.
فقد اتفقت، على سبيل المثال، جميع الاجيال، على ضرورة القضاء على هذا النظام، او تغييره، او تصحيح مساره، على اقل تقدير. فتصدى للنظام، منذ مجيئه في 1969م حتى 2010م، اربعة اجيال، ساطلق عليها اصطلاحاً اجيال "السبعينيات" و"الثمانينيات" و"التسعينيات" وجيل العقد الاول من "الالفية الثالثة".
جيل المقاومة الاول.. جيل السبعينيات.. جيل الاحياء والتأسيس..
عاصر هذا الجيل واقعة الانقلاب منذ ساعاته الاولى، فمنتسبو هذا الجيل، تبعاً لذلك، يتكونوا من خليط عاش بعضهم فترات زمنية امتدت من عهد الاحتلال الايطالي الى العهد العسكري، مروراً بالعهد الملكي، وعاصر بعضهم الاخر، العهد الملكي، وبداية العهد العسكري.
وقد تميز اغلب هذا الجيل بوعي وطني تعود جذوره الى ما قبل العهد الملكي، فقد صُقل جيل السبعينيات سياسيا ووطنيا، في خضم الصراع السياسي الذي دار قبل اعلان الاستقلال. ويغلب على شخصيات هذا الجيل، طابع الانسان الليبي الوطني البسيط الذي لم يعاد الاسلام، ولم يعاد العروبة، الا في بعض صيغها التي تنادي بازاحة الاسلام عن المسرح السياسي. وكان اغلب هذا الجيل ممن استمدوا وطنيتهم من روح الجهاد ضد الاستعمار الايطالي، ومن فترة الصراع السياسي من اجل استقلال ليبيا، بعد خروج ايطاليا.
وقد حارب اغلب منتسبي هذا الجيل، بمختلف مشاربهم وافكارهم وانتمائاتهم، النظام العسكري، لعدة اسباب، اهمها وقائع الظلم والاعدامات، ومحاربة السنة النبوية الشريفة، وممارسات العنف بصفة عامة. ثم بسبب احساس اغلب هذا الجيل، بانهم جزء من الدولة الملكية، استقلالاً وتأسيساً، وقد آلمهم مشاهدة العهد العسكري، وهو يقضي عليها ويفرط عقدها جزء جزء. صاحب ذلك، الاحساس بعدم كفاءة الانقلابيين الجدد، في تأسيس دولة او في ادارتها. اضف الى كل ذلك، صعوبة الانتقال معنويا، من اجواء العهد الملكي المدنية، الى اجواء العهد العسكري بخوذاته وصياحه وعنفه ودباباته، والتكيف مع هذه الاجواء والمتغيرات بسهولة ويسر.
ولم يكن الانقلابيون، او رجال "الثورة"، يرغبون من جهتهم، في فتح صفحة بيضاء مع هذا الجيل، لانه شكل، في نظرهم، العمود الفقري للقوى المضادة "للثورة". فمن الصعب لذلك ضمان ولاء هذا الجيل. فاعتبرته "الثورة" عدوها الاول. لذلك لم يكن لهذا الجيل خانة في النظام الجديد، وكتب عليه ان يتعرض، بمختلف شرائحه، الى التصفية من قبل النظام، على اعتبار انها شرائح، نبتت واكتسبت قوتها ومكانتها ووعيها السياسي في غير تربة "الثورة". كما ان عقليات ورؤى وتوجهات هذا الجيل، لا تناسب مواصفات المجتمع الذي تريده "الثورة". لذلك نظر الانقلابيون الى نخب وكوادر هذا الجيل، نظرة ترقب وعداوة وشك. فهذا الجيل، وباختصار شديد، عدو ونقيض لهم، لانه يحمل ثقافة ملوثة (حسب ما يرى الانقلابيون)، بثقافة ما قبل "الثورة"، سواء كانت هذه الثقافة ملكية او وطنية او تقدمية او اسلامية، او غير ذلك، من المعتقدات والثقافات. فكان على النظام العسكري، تبعا لهذه النظرة القاتمة، ان يقضي على هذا الجيل، من اجل ان يهيئ ارضية جديدة يقف عليها مجتمعه الجديد، حتى على جماجم اهم واثمن رجال ليبيا في القطاعين المدني والعسكري. فالقضاء على نخب هذا الجيل، والقضاء على الطبقة الواعية فيه، يمثل حجر الاساس، للمجتمع الذي ارادت ان تصنعه "الثورة"، او يصنعه النظام، او بعض رجال النظام، على انقاض المجتمع القديم.
لذلك بدأت رحلة، تدمير المجتمع القديم، تحت شعار القضاء على اعداء الثورة، بمحاكمات اكتوبر1969م (بخصوص الفساد السياسي والاداري)، والتي حوكم فيها، على الهواء، كوادر ومسؤلي العهد الملكي، في جميع القطاعات.وكانت السيطرة على مؤسسات وكوادر ومجالات العلم والثقافة والفكر، بما في ذلك المدارس والجامعات والمعاهد، والمكتبات واكشاك الصحف والمطابع والمجلات، وبما في ذلك ايضا، الطلبة وهيئة التدريس والمتعلمين، والنخب والكتاب والمثقفين - كانت هذه السيطرة - جزء من السيطرة العامة، من جهة، وجزء من تدمير المجتمع السابق، من جهة اخرى. لذلك كانت محاكمات الصحفيين والمذيعيين (يناير1972م)، والقمع المنظم الذي تعرض له كُتاب وطلبة ومتقفي ليبيا ونخبها في اوائل السبعينيات، وندوة الفكر الثوري (1972م)، وخطاب زوارة (ابريل1973م)، واصدار الكتاب الاخضر، والحرب ضد السنة النبوية الشريفة، وتحويل ليبيا الى جماهيرية (مارس1977م)، واعدامات1977م، والغاء الدستور، وتأميمات 1978م و1979م. وعاصر ايضاً احداث الطلبة في 1973م و1974م و1975م و1976م و1977م، يوما بيوم، وخطوة بخطوة، ودقيقة بدقيقة. تلك الاحداث التي تمثلت في مظاهرات واعتصامات ومسيرات وصدامات دموية، جرت بين الطلبة والنظام في ساحات ومدرجات وردهات الجامعات الليبية، وفي شوارع وميادين مدينتي بنغازي وطرابلس.
وكان للقطاع العسكري نصيبه ايضا، من المقاومة في فترة السبعينيات، فكانت محاولة "آدم الحواز"، و"موسى احمد"، ومحاولة "سبها"، ومحاولة الرائد "عمر المحيشي" (اغسطس 1975م)، والاخيرة اقرب الى "الانشقاق"، منها الى "الانقلاب"، حيث شارك فيها او تستر عليها، اعضاء من مجلس قيادة الثورة، والعديد من الضباط الوحدويين الاحرار، الذين قاموا بادوار رئيسية في انقلاب سبتمبر.
اما القوى التي نجت من قبضة النظام، من منتسبي هذا الجيل (جيل السبعينيات) من مختلف الشرائح والفئات، فهي التي اسست او احيت اغلب التنظيمات الليبية المعاصرة التي جاءت سيرتها في الفصل الثاني من كتابنا هذا. وقد مثل هذه القوى فئات مختلفة ضمت مجموعة من السفراء والكتاب والصحافيين والمثقفين والادباء والسياسيين واساتذة الجامعات والطلبة ورجال الاعمال والعمال والموظفين والعسكريين. وكان القطاع الطلابي، هو المحرك والوقود والواجهة والنواة الاساسية لتنظيمات المعارضة الليبية. وتنوعت ولاءات هذا الجيل، الثقافية والفكرية والسياسية، وانعكس هذا التنوع على الخلفيات الفكرية والسياسية والثقافية، لهذه التنظيمات، كما رأينا ذلك وبوضوح.
ومع نهاية السبعينيات ايضا، سقطت اغلب شعارات الانقلاب الاجتماعية والثقافية والسياسية. وبدأ اغلب الشعب الليبي، الذي خرج في اول يوم للانقلاب مرحبا به، بدأ، في فترة قصيرة جدا، في عمر الشعوب، يتطلع الى سقوط الانقلاب، ولو بانقلاب مماثل. كما ادرك اغلبية الناس في ليبيا، ان اطروحات النظام ووسائله يراد بها حاجة في نفس "قارون"، لانها لا تصب في مصلحة الوطن، لغرابتها من جهة، وتوقيتها وطريقة فرضها على الناس من جهة اخرى. لقد شعر المواطن الليبي مع نهاية السبعينيات، ان خلف كل شيء معلن، يكمن شيئا ما مبطّن، لا يصب في مصلحة الوطن.
وهكذا كان احياء وتاسيس التنظيمات والاحزاب المعارضة، من اهم مساهمات جيل السبعينيات في عالم المعارضة والرفض والمقاومة.
جيل المقاومة الثاني.. جيل الثمانينيات.. جيل الصحوة والتصادم والتأطير..
اما جيل الثمانينيات، فلم يعاصر واقعة الانقلاب نفسها، وان كان على وعي بما جرى في بدايتها لقرب عهده بها. وقد تكون هذا الجيل من شرائح نبتت واكتسبت وعيها السياسي تحت مظلة الانقلاب او العهد الثوري، وكان من المفترض ان يكون هذا الجيل قد رضع مبادىء الثورة وقيمها ومبادئها، وتربى فيها وعاش بها ولها، فهو (افتراضاً) ابن "الثورة" ونتاج ثقافتها.
لقد اكتسب هذا الجيل وعيه العام السياسي وغير السياسي، في اوائل واواسط الثمانينيات، اي في آتون الكبت والقمع والقهر والاستبداد، فثقافته ووعيه وبالتالي دوافعه،لا صلة لها، بثقافة او دوافع الجيل الذي سبقه، مع وجود مشتركات عامة رئيسية بينهما.
فلم يحارب جيل الثمانينيات، في الداخل، النظام العسكري، لانه اسقط العهد الملكي، او لانه طرد الطلبة من مقاعدهم الدراسية، او لانه اعلن الثورة الثقافية، او لانه اسس اللجان الشعبية، او الثورية، او لانه غير العملة، فهذه الامور اصبحت بالنسبة لجيل الثمانينيات او الجيل الذي وصل الى سن الشباب خلال الثمانينيات، امر واقعا، وحقائق مسلما بها (لم تكن مقبولة لديه). وان كانت تمثل جزء من دوافعه.
وقد اشتهرت الثمانينيات بثلاثة تحولات رئيسية، في مسيرة الصراع بين النظام والشعب في ليبيا، تمثلت هذ ه التحولات في تأطير المعارضة، في الخارج، وانتشار الصحوة، ومقابلة العنف بالعنف في الداخل. فقد تأسس في الفترة الممتدة من 1980م الى 1987م، اكثر من عشرين فصيلا معارضا، تحدثنا عنها في الفصل الثاني من كتابنا هذا، وذلك بعد ان كانت المعارضة ممثلة بتيار عام غير منظم. وقد مثلت هذ الاحزاب والتنظيمات مختلف التيارات الفكرية والسياسية والثقافية. فيعتبر بذلك، "تأطير" المعارضة والرفض والمقاومة، من اهم مساهمات جيل الثمانينات في الخارج.
كما اشتهرت فترة الثمانينيات، في الداخل، بانتشار الصحوة الاسلامية، في اتون المحنة، بمختلف مدارسها، الجهادية والتبليغية والسلفية، وذلك عندما كان النظام في اوج قمعه وارهابه وتنكيله بالناس.كما كان النظام، قبل الثمانينيات، هوالطرف الوحيد الذي يحمل السلاح، والطرف الوحيد الذي يمارس العنف، لكن المقاومة غيرت، في عقد الثمانينيات، هذا المسار، حتى اصبح العنف المدني المسلح، احد الخيارات الرئيسية للمقاومة المدنية، وذلك نتيجة للارهاب المنظم الذي مارسه النظام. فقد كان من المفترض ان تكون الثمانينيات، حسب مخطط النظام الثوري، هي سنين الانتصارعلى المجتمع القديم، وبداية ترسيخ المجتمع الجديد، عبر التخلص من القوى التي قد تقف حجر عثرة امام طموحات النظام الثوري، فكانت الثمانينيات سنوات عنف وقحط وضيق وفقر وتفقير وارهاب داخلي وخارجي وشد حزام واقتحام لبيوت الله وقتل العلماء والائمة والشيوخ وهدم للمساجد ومحاربة للسنة ومضايقة للمصلين. لذلك قررت المقاومة المدنية مواجهة رهاب الدولة، بالعنف، ولذلك حمل القطاع المدني السلاح ضد النظام الارهابي في ليبيا.
فكانت مصادمات (مايو 1984م)، ومحاولة الجزائر(1985م)، وحشود تشاد، واغتيال "مصباح الورفلي" (1986م)، احد اعوان النظام، على ايد مجموعة من التيار الاسلامي، عُرفت بين اوساط المقاومة، باسم "مجموعة فبراير"، وتصادمات ومداهمات المساجد في بنغازي وطرابلس واجدابيا (1989م)، وتصادم النظام قتاليا، مع مجموعة من الشباب باحد المخيمات بمدينة اجدابيا (1989م)، وتصادمات بنغازي والرجمة ومصراتة وبنينة (1989م)، وما تبع ذلك من موجة، بل موجات من القبض على الاسلاميين بصفة خاصة، وعلى الشباب الملتزم بصفة عامة، حتى وصل الامر، الى القبض على الاف الملتزمين في حملة قمعية واحدة.
لقد نما وانتشر وصلب عود التيار الاسلامي في عقد الثمانينيات، وذلك بالرغم مما صبغت به الثمانينيات في ليبيا من ارهاب لم تشهد له المنطقة مثيل. وسجل التيار الاسلامي في ليبيا، بذلك، وبمختلف مدارسه، اغرب تناقض سياسي افسد هدف النظام في خلق جيل منعزل عن عقيدته ودينه وتاريخه واعرافه وتقاليده وتراثه، فقد خلق نمو وانتشار وبروز التيار الاسلامي الجهادي نقيضاً للثورة من داخل الثورة بالرغم من العنف والارهاب الذي مارسه النظام. فالنظام الذي يفترض انه زرع الرعب في نفوس الناس ودمر القوى السياسية والاجتماعية والثقافية والمالية السابقة، ولد من رحمه نقيضه وعدوه اللدود، تماماً كما تربى موسى في قصر فرعون، بل وكما ترعرع محمد صلى الله عليه وسلم وسط قريش، ولعل في ذلك عبرة لجميع الانظمة العربية، فتتعلم ان العنف لا يمكن ان يكون وسيلة للاستقرار او البناء او السيطرة او الامن او الامان. لقد اراد النظام ان يكون عقد الثمانينيات فترة انبثاق لمجتمع ثوري جديد، على اعتبار انه صفى خلال السبعينيات نخب المجتمع القديم وحطم قواعدها. لكنه فشل في ذلك لانه تبنى الارهاب لتحقيق اهدافه.
ولم تصبغ الثمانينيات في ليبيا بصبغة الاسلاميين دون سابق انذار، بل حدث ذلك عبر مسيرة طويلة شاقة مليئة ببذل النفس والجهد والمال. لقد بدأت ارهاصات عودة التيار الاسلامي، كأحد البدائل السياسية، مع حوار الشهيد صالح الفارسي ومذكرة حزب التحرير، ورسائل الشهيد محمد مصطفى رمضان، ومواجهات الشيخ محمد البشتي، ومواقف الشيخ يحي معمر، ومواقف الشيخ الطاهر الزاوي، واصرار الشهيد احفاف، وصمود شباب التحرير، وجرأة الشهيد احمد احواس، ومجموعة بدر، ومجموعة فبراير، وقصائد وكلمات وتضحيات الشهيد الدكتور عمرو النامي، وحكمة وصبر الشيخ الشهيد المبروك غيث، وصبر الاف الشباب الاسلامي الذين اعتقلوا، من الاخوان المسلمين والتحرير والجهاد والتبليغ والسلف، بل وحتى المواطن الاسلامي المستقل بالرغم من قلة سكان ليبيا نسبياً.
كما بدأت ارهاصات عودة الاسلامية ايضاً، مع تأسيس واحياء الجماعات والاحزاب والحركات الاسلامية بمجرد ان بدأ النظام حربه ضد سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. ثم ومن ارهاصات العودة كذلك، تلال من الكتب والمجلات والصحف والمقالات والمنشورات والبيانات والاشرطة المرئية والمسموعة التي تذود عن الاسلام والمسلمين في ليبيا، في كل محفل ومجمع ومسجد ومؤتمر ولقاء ومحاضرة وندوة وحوار، متتبعة لممارسات النظام مدحضة لحججه مبينة لموقف الاسلام والمسلمين من كل صغيرة وكبيرة مارسها النظام في ليبيا على مدار ثلاثة عقود من الزمان.
كل هذه الاحداث، وكل هذه التداعيات، كانت مظاهر ارهاصات العودة العنيفة للاسلام السياسي في ليبيا. وبذلك تطورت مهام التيار الاسلامي في ليبيا، من مهام الدفاع عن التاريخ الهجري ورؤية الهلال والدفاع عن ائمة المذاهب الذي وصفهم النظام بالدراويش، في اواخر السبعينيات (وهي قضايا هامة وحساسة جدا) الى مهمة انتزاع الدولة. فلم تكن عودة البديل الاسلامي كاحد البدائل السياسية المزاحم لغيره من البدائل، عودة على بساط وثير، بل عودة عنيفة عبدت طريقها بالحرف والدم. وهكذا كان الاسلام دائماً، لا يستجدي موقع قدم بل ينتزعه انتزاعاً. ويعتبر هذا الانتقال من خانة المدافع الى خانة المزاحم، في هذه الفترة الزمنية الوجيزة، وفي ظل مثل هذا النظام العنيف، قفزة نوعية تاريخية غير عادية.
كما كان اكبر فشل يتعرض له النظام في الثمانينيات، هو فشل اطروحاته العقائدية، وعجزه عن الاتيان ببديل ثقافي، يؤمن به الناس في ليبيا. والدليل على هذا الفشل المخجل، الذي يكمن، مرة اخرى، في ان الشباب الذين صادموا النظام قتاليا، هم من الجيل الذي تربى تحت سمع وبصر، واعلام، ومعسكرات، وطبول، وابواق، ومزامير، وخيام، واموال، ومخابرات، واذاعات، وبنادق، واحذية، واسوار، وسجون، وقمع النظام. وقد فسر النظام ذلك بعذر اقبح من ذنب، فقال اننا كنا مشغولين ببناء الدولة، ولم نلتفت الى انتشار الصجوة الاسلامية. في اعتذار وقح للدول التي تقف ضد الاسلام.
وهكذا انتهت الثمانينيات بتأطيرالمقاومة، وانتشار الصحوة الاسلامية، بما في ذلك التيار الجهادي، وبروز الاسلام كاحد البدائل السياسية في ليبيا، وبروز الخيار المسلح، كخيار رئيسي للمقاومة المدنية، بالاضافة الى فشل فكر واطروحات وعقائد النظام، نظريا وعمليا.
جيل المقاومة الثالث.. جيل التسعينيات.. لوكربي وابوسليم والتيار الجهادي..
ساد، قبيل منتصف هذا العقد، شيء من الجمود على ساحة المقاومة، زاد من هذا الجمود، احباط محاولة انقلاب 1993م، الذي تعارف على تسميته بـ" انقلاب ورفلة ". وكادت روح المقاومة ان تخمد في تلك الفترة. إلا ان ان بروز "حركة الشهداء" و"الجماعة المقاتلة"، والتيار الجهادي بصفة عامة، واكتشاف تنظيم "الاخوان المسلمين"، بحجم لا باس به نسبيا، ومذبحة ابوسليم، ومحاولة اغتيال رأس النظام، اعاد روح المقاومة من جديد، وخلق نقلة نوعية في ساحة المعارضة برمتها، بل جدد الامل في الاطاحة بالنظام، او التسبب في ذلك، على اقل تقدير.فانطلق صدام مسلح واسع بين حركة الشهداء والجماعة المقاتلة من جهة، والنظام الليبي من جهة اخرى، وكان اوسع من صدام الثمانينيات من جهة، ومحصور في القوى الاسلامية من جهة اخرى، وشمل اغلب المدارس الاسلامية من جهة ثالثة. فتحولت ليبيا في عقد التسعينيات، داخليا، الى ساحة صدام بين التيار الجهادي، الذي صلب عوده في آتون الثمانينيات، وبين النظام الذي ةلم يتوان في اقحام القوات المسلحة والطيران والمدرعات ورجال الامن والمخابرات في هذا التصادم.
لكن التسعينيات جلبت معها من الخارج، كارثة اخرى، هي كارثة "لوكربي"، والتي كانت مدخلاً لابتزاز ليبيا بل ولسرقتها بالكامل. فقد كانت كارثة لوكربي سببا في تمرس النظام في فن التنازل والتكيف والانحناء وخفض الصوت والمشي بتواضع والتخلي عن عقائده واحلامه ورسالته. وتحوله الى تاجر وديع، مما ادى الى تحول المعركة ضده الى حرب اقتصادية وحرب مصالح مشتركة متشابكة معقدة لا يهم ان يدفع النظام فيها ثروة ليبيا برمتها للحفاظ على وجوده يوما او بعض يوم.
كما شهد هذا العقد ايضا، اختفاء ادبيات المعارضة المطبوعة، وظهور المواقع الالكترونية، كما شهد ايضا تراجعا، او شيء من الهدوء، في حدة الصوت الاعلامي المعارض في الخارج، وقد يعود ذلك الى الحصار، وتأثيره على الناس، واستغلال النظام لهذا الظرف، مما دفع بالاعلام المعارض الى التركيز على معاناة الشعب الليبي، من جراء الحصار، اكثر من التركيز على ممارسات النظام. كما شهد عقد التسعينيات، انقسامات وانشقاقات داخل فصائل المعارضة، مع حل بعضها، وتجميد البعض الاخر لنشاطها، وانسحاب اخرين، وانضمامهم الى قافلة المستقلين.
وهكذا كان احباط محاولة 1993م، والقبض على الاخوان المسلمين، وحل او انشقاق اغلب فصائل المعارضة، والصدام القتالي الموسع، بين النظام والتيارات الجهادية، ومذبحة ابوسليم، وقضية لوكربي، من اهم محطات هذا العقد.
ليس ذلك فحسب، بل ان تداعيات بعض هذه الاحداث وتاثيرها على مسيرة النظام والمعارضة، كمذبحة ابو سليم، على سبيل المثال، مازالت مستمرة، وبدون مبالغة، حتى يومنا هذا. بل حددت اغلب هذه الاحداث، بالاضافة الى احداث 11 سبتمبر2001، مسار وطبيعة وتوجهات المعارضة الليبية في العقد الاول من الالفية الثالثة، موضوع حديثنا في الحلقة القادمة، ان شاء الله، فقد فضلت ان افرد لمسيرة المعارضة الليبية في هذا العقد حلقة خاصة.
فالى اللقاء.. باذن الله.. مع الحلقة السادسة والعشرين.. والحديث عن مسيرة المعارضة الليبية.. في العقد الاول من الالفية الثالثة. والله ولي التوفيق.
اضغط هنا للاطلاع على البديل السياسي في ليبيا
د. فتحي الفاضلي ____________________ لمراسلة الكاتب
لزيارة موقع الكاتب |
|